الأربعاء، 11 نوفمبر، 2015

سياسة التحالف التركي القطري الفاشلة في سوريا

سياسة التحالف التركي القطري الفاشلة في سوريا

 

جيورجيو كافيير ـ دانيال واجنر

ذي ناشونال إنتريست ـ 9 نوفمبر 2015

 

تقف تركيا وقطر ـ طوال السنوات الأخيرة ـ على أرض مشتركة في جملة من قضايا السياسة الدولية. حيث تدعم كل من أنقرة والدوحة العديد من الجماعات الإسلامية السنية التي تعدُّ بمثابة قنوات لنفوذهما الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط السائلة. غير أن كلتا البلدين تشهدان انتكاسات في بعض صراعات المنطقة وأبرزها في سوريا.

في الشهر الماضي، غادر الممثلان التركي والقطري محادثات فيينا حول سوريا إصرارا على قناعتهما بأن بشار الأسد لا بد أن يتخلى عن السلطة كشرط مسبق للسلام. برغم أن حدود تركيا المشتركة مع سوريا وجيوب قطر الممتلئة توفر للبلدين قدرات كبيرة في إطالة أمد التمرد ضد الجيش العربي السوري وحلفائه، إلا أنه يبدو من غير الواقعي أن نتخيل أنقرة والدوحة تحققان هدفهما وتطيحان بالنظام السوري من خلال استراتيجياتهما الراهنة، لا سيما بعد تدخل روسيا العسكري في البلد.

سعي تركيا وقطر إلى النفوذ الإقليمي

بذلت تركيا وقطر على مدار العقد الأول من القرن الحالي جهودا رامية إلى توسيع النفوذ الاستراتيجي في وقت كانت تتضاءل فيها قوة واشنطن نسبيا في أعقاب غزو العراق واحتلاله. فمنذ توليه السلطة في عام 2002، عمل رئيس حزب العدالة والتنمية على زيادة دور تركيا وتعزيز صورتها في الشارع العربي من خلال هالة أيديولوجية تتأتى من واجهة "الإسلاموية الديمقراطية"، وكذلك من خلال فرص التبادل التجاري والاستثمار التي قدمها الأتراك للعرب.

وكانت تصريحات رجب طيب إردوجان المناهضة لإسرائيل في أعقاب عملية الرصاص المصبوب (2008-2009) وواقعة أسطول الحرية في مايو 2010 سبيلا إلى تحسين شعبية الزعيم التركي في المنطقة في السنوات السابقة على الصحوة العربية Arab Awakening. واعتمدت قطر بالمثل على ملكيتها للجزيرة وسمعتها كـ "وسيط منصف" في الصراعات الإقليمية لتعزيز نفوذ قوتها الناعمة في ما هو أبعد بكثير من منطقة الخليج. والحق أن تغطية الجزيرة للحرب أمريكية القيادة ضد العراق في 2003، وتركيزها على المأزق الفلسطيني، ودورها كمنبر لمنتقدي النظام العربي يعلنون من خلاله آراءهم، لاقت قبولا لدى كثير من العرب الذين كانت وسائلهم الإعلامية تتعرض في اختياراتها لرقابة ثقيلة الوطأة وتميل إلى محاباة الأنظمة الحاكمة.

غير أن الأزمة السورية وغيرها من الانتفاضات و"الثورات" العربية سنة 2011 أثارت ردود فعل من قطر وتركيا أضارت كثيرا بعلاقاتهما. فبدعم القضايا الإسلامية السنية في مصر وغزة وليبيا وسوريا وتونس، انصبّت على أنقرة والدوحة انتقادات لاذعة من قوى أخرى في المنطقة. إذ اتَّهم كثيرون تركيا وقطر بإثارة الاضطرابات الطائفية وتعزيز التطرف.

في مصر، عارضت البلدان صعود عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013، وفي ليبيا، دعمت أنقرة والدوحة تحالف فجر ليبيا الإسلامي. وحالت الدولتان دون انعزال حماس دوليا باشتراكهما في دعمها برغم اعتبار الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوربي أنها "منظمة إرهابية". وكان ميل قطر إلى الخروج عن الصف السياسي العربي مفهوما في أغسطس حينما نأت الدوحة بنفسها نأيا شديدا عن قرار الجامعة العربية بإدانة قصف تركيا لأهداف تابعة لحزب العمال الكردستاني في شمالي العراق. فقد أعربت قطر عن "تضامنها الكامل" مع تركيا في سعيها إلى "حماية حدودها والمحافظة على أمنها واستقرارها".

ولكن أكبر استثمار من البلدين في قضيتهما المشتركة كان في سوريا. فبرغم جهودهما للإطاحة بالأسد، إلا أن مقاومة النظام أبرزت محدودية وسائل تركيا وقطر في استعراض القوة خارج حدودهما. في 2011 راهن الأتراك والقطريون على أن يلقى الأسد مصير مبارك وبن علي والقذافي رغبة منهم في مجاراة المد التاريخي الصحيح. وكان خطأ حساباتهم فيما يتعلق بمستقبل النظام يضرب بجذوره في قراءة خاطئة للقضايا الداخلية في سوريا وديناميات القوي الإقليمية التي سيكون لها في نهاية المطاف تأثير عميق على مسار الأحداث.

ولا جدال أن قوة النظام ترجع جزئيا إلى قسوته، ولكن من المهم أن نلاحظ أن للأسد شبكة دعم قوية في سوريا قوامها جماعات تشاركه مخاوفه من أجندة التكفيريين. وفي ضوء أن أقوى فصيلين يحاربان النظام السوري هما داعش وجبهة النصرة  ـ وكلتاهما جماعتان تكفيريتان ـ فإن كثيرا من السوريين يرون في النظام البعثي العلماني السد الواقعي الوحيد أمام التطرف الإسلامي في سوريا. ويوعز كثير من المحللين قوة الجهاديين المتشددين لا في سوريا وحدها بل وفي ليبيا إلى رعاية أنقرة والدوحة للشبكات الإسلامية في المنطقة، بما يربط نفوذ تركيا وأنقرة بالطائفية والتطرف.

كما هوَّنت أنقرة والدوحة من المدى الذي يمكن أن يصل إليه داعمو الأسد الأجانب في دعمه. والحق أن دوري أنقرة والدوحة في الصراع قد تقزَّما أمام تدخل روسيا وإيران وحزب الله العسكري ضد أعضاء النظام. فبرغم جهود أنقرة والدوحة من أجل الإطاحة بالأسد، يبقى الجيش العربي القوة الأكبر على الأرض ولا يوشك النظام الحاكم هناك على الاختفاء. إن إيران هي أهم حلفاء سوريا الاستراتيجيين في الشرق الأوسط، ولقد لعبت إيران دورا محوريا كداعم عسكري وسياسي واقتصادي للأسد على مدار الصراع. وكانت دعوة واشنطن وموسكو لطهران أن تنضم لمحادثات فيينا الشهر الماضي بشأن سوريا علامة على انقلاب في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، نظرا لرفض واشنطن سابقا أن تحادث المسؤولين الإيرانيين مباشرة في الأزمة السورية. وفي سياق أكبر، لم تكن مشاركة إيران في المحادثات مجرد إبراز لأهمية الدور الإيراني في الصراع السوري، بل أن حليفا آخر للأسد قد انضم إلى مائدة التفاوض.

جيوسياسات الغاز الطبيعي

من المهم أن نلاحظ أنه برغم الأبعاد الأيديولوجية لدور تركيا وقطر كرعاة للتمرد على الأسد، فقد كانت الاعتبارات الجيوسياسية للغاز الطبيعي عاملا في اصطفاف أنقرة والدوحة تماما كسوريا. ففي 2009، رفض الأسد مقترحا قطريا بمد خط أنابيب من الحقل الشمالي في الإمارة الخليجية (الملاصق لحقل South Pars   المملوك لإيران) إلى تركيا وما وراءها من خلال السعودية والأردن وسوريا. وقيل إن رفض دمشق ـ وهي الحليف الاستراتيجي لموسكو ـ توقيع المقترح القطري كان يرجع جزئيا إلى اهتمام سوريا بحماية موقع روسيا بوصفها المورِّد الأول للغاز الطبيعي للاتحاد الأوربي (وهو عامل تعرض للتجاهل في تحليل الدور الروسي في الأزمة السورية).

ومما أغضب المسؤولين في الدوحة أن الأسد بدأ في 2010 مفاوضات مع إيران على "خط الأنابيب الإسلامي" البديل بقيمة 10 بلايين دولار، بهدف نقل الغاز الطبيعي إلى ساحل سوريا المتوسطي عبر إيران والعراق. وبعد ستة عشر شهرا من اندلاع الأزمة السورية وقّع الأسد مذكرة التفاهم مع إيران. وغالبا ما كانت سوريا تُستبعَد من المنظور الجيوسياسي لعدم امتلاكها الكثير من النفط والغاز مقارنة مع الدول الشرقأوسطية الأخرى. غير أن احتمالية تحول الدولة إلى ممر إقليمي للطاقة كان عاملا مهما في التأثير على الصراع السوري القائم، وهو بدوره عامل لم يلق اهتماما كبيرا في الكتابات الغربية حول الصراع.

تركيا وقطر والعالم العربي السني

منذ أن ورث الملك سلمان عرش العربية السعودية في يناير، خففت الرياض من معارضتها للجماعات الإسلامية السنية. ففي تناقض مع سلفه الملك عبد الله الذي كان يعارض هذه الجماعات بعنف على المستويين الداخلي والخارجي، يسعى الملك سلمان إلى اتباع استراتيجية توحيد العالم السني في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي يراه أخطر من الحركات الإسلامية السنية المعتدلة التي تتبنى قضايا العدالة الاجتماعية وتقبل بالمؤسسات الديمقراطية. ولقد استوجب ذلك عمليا تعاونا أعمق مع تركيا وقطر في سوريا، وكذلك تقارب دبلوماسي مع فروع الإخوان المسلمين في مصر وغزة واليمن.

من المعتقد أن الهزائم الإقليمية التي تعرض لها الجيش العربي السوري في وقت سابق من العام الحالي توعز إلى الرياض، ودعم أنقرة والدوحة المتزايد لـ جيش الفتح (وهو تحالف تسيطر عليه جبهة النصرة ومقاتلو أحرار الشام). وبالتعاون مع تركيا وقطر في سوريا، أوجدت العربية السعودية درجة من التوتر مع حليفيها الاستراتيجيين: الإمارات العربية المتحدة ومصر اللتين تعارضان بشدة جميع أشكال الإسلام السياسي تقريبا في المنطقة. فبرغم أن مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة لم تنحز بسفور للأسد، فإن ردود أفعالها على حملة موسكو العسكرية في سوريا دالة على رؤيتها لروسيا بوصفها لاعبا مهما في النضال الإقليمي ضد الإرهاب، وكذلك في التحول الأكبر الذي يشهده الشرق الأوسط على مستوى النظام الجيوسياسي، برغم هويات هذه الدول العربية السنية وبرغم تحالفها مع واشنطن.

وبرغم أن جميع عواقب ضربات موسكو لأعداء الأسد في سوريا لم تكتمل بعد، فقد مكَّنت حملة روسيا العسكرية الجيشَ العربي السوري من إعادة غزو مناطق في محافظات حمص وحماة وحلب. وفي الوقت الذي تبقى فيه العربية السعودية وتركيا وقطر على التزامها بموقفها بعدم إمكانية إدراج الأسد في أي تغيير تشهده سوريا، وإدانة الحكومات الثلاثة دعم موسكو لنظام الأسد، لم نر بعد ما الذي قد تفعله الرياض وأنقرة والدوحة لتغيير الحقائق على الأرض.

في العام الماضي، وقعت أنقرة والدوحة اتفاقية تسمح بنشر القوات المشترك في أي من البلدين. ورجوع القوات التركية إلى الإمارة الخليجية بعد مائة عام من انسحاب القوات العثمانية من الأرض التي تشغلها قطر الحديثة تطوُّرٌ ذو بعد رمزي. غير أننا نغالي كثيرا لو تصورنا أن الخطوة المنطقية التالية في تعاونهما العسكري المتنامي تتمثل في قوة مشتركة في سوريا. بل إن وزير الخارجية القطري استبعد الشهر الماضي احتمال نشر قطر لقوات في سوريا، وتعهد بدلا من ذلك بمواصلة تقديم الدعم المالي للجماعات المحاربة للنظام البعثي. وبالمثل، وفي ظل مأزق الرياض في اليمن، من الصعب أن نتصور قيام العربية السعودية بتوجيه قوات إلى الأراضي السورية.

النتيجة

على السطح، قطع المسؤولون الأتراك والقطريون شوطا طويلا في التعبير عن دعمهما المتبادل. ففي ديسمبر، زار أمير قطر القصر الرئاسي في أنقرة. وفي كلامه وهو يجاور العاهل القطري قال إردوجان "إننا [أي الأتراك]، مع قطر، نقف دائما في صف الشعوب المقهورة في شتى أرجاء العالم".

غير أنه يجدر بنا أن نتساءل عما لو أن المصالح الجيوسياسية المشتركة في الحروب العربية الأهلية والأيديولوجية المشتركة تمثل قاعدة كافية لتحالف استراتيجي بعيد المدى بين تركيا وقطر. ولقد تساءل المحللون عن مدى إمكانية حدوث هذا التطور في ظل غياب الروابط الاقتصادية الجوهرية بين البلدين. فإذا ما استثنينا البحرين، نجد أن قطر هي أصغر شريك تجاري لتركيا في مجلس التعاون الخليجي. ففي العام الماضي كان حجم التبادل التجاري بين تركيا والإمارات العربية المتحدة أكبر عشر مرات من إجمالي التبادل التجاري بين تركيا وقطر.

وعلى الرغم من هذا، تبدو البلدان عازمتين على تقوية روابطهما العسكرية المشتركة، بناء على تقديرهما لما ذي ذلك من قدرات كبيرة كامنة. إن قضية قطر وتركيا المشتركة في الميادين الحربية بسوريا وغيرها قد قرَّبت البلدين أكثر من أي وقت مضى. وأنقرة والدوحة تملكان ولو نظريا على أقل تقدير إمكانية الإسهام في ما سينتهي إليه الحال في سوريا، في ضوء امتلاك تركيا قوة عسكرية كبيرة وحدودا طويلة مع سوريا وفي ضوء امتلاك قطر القدرة المالية الهائلة على دعم تدريب وتسليح الجماعات المتمردة.

أما عمليا، فإن استراتيجية تركيا وقطر القائمة على تغيير النظام الحاكم في سوريا قد منيت بفشل واضح، في الوقت الذي أدى فيها دعم البلدين لأعداء الأسد الإسلاميين إلى تعقيد علاقاتهما مع حلفائهما الاستراتيجيين، وشركائهما التجاريين، وجيرانهما. وبرغم هذه التكاليف والتطورات الأخيرة الناجمة عن اشتباك روسيا وإيران العسكري العميق في سوريا، تبقى تركيا وقطر ملتزمتين بقوة بهدفها السياسي المتمثل في الإطاحة بالأسد.

في الشهر الماضي في فيينا، كرَّر وزير الخارجية التركي فريدون سينيرليوجلو موقف أنقرة بأن "السلام مستحيل في ظل الأسد" وأكد نظيره القطري التزام الدوحة المستمر بالدعم المالي للسوريين الرامين إلى "تحرير بلدهم". ولنا أن نتوقع أن تستمر أنقرة والدوحة في تخصيص الموارد لعلاقتهما السياسية المتنامية. غير أن شكوكا كثيرة تعتور قدرة جهودهما معا على إحداث أي أثر ذي معنى على الأرض في سوريا. لقد زادت روسيا وإيران من دورهما العسكري في سوريا فكان ذلك على حساب أهمية أنقرة والدوحة في الصراع كله.

وسوف ينتفع الأتراك والقطريون كثيرا بأن ينحُّوا كرامتهم، وأن يعيدوا النظر في استراتيجيتهم ويتبنوا نهجا أكثر واقعية في السياسة الخارجية المشتركة. وبدلا من تخصيص هذه الموارد الكبيرة لتسليح الميلشيات الجهادية في سوريا، يمكن أن تنتفع المنطقة كثيرا من توجيه أنقرة وقطر مواردهما تجاه الجهود الإنسانية الرامية إلى إشباع الاحتياجات الأساسية لضحايا الصراع الأبرياء، وأن يعملا مع المجتمع الدولي بحثا عن تسوية سلمية للصراع وتعزيز قوتهما الناعمة في ثنايا ذلك.

 


جيورجيو كافييرو شريك مؤسس في Gulf State Analytics. ودانيال واجنر رئيس تنفيذي لـ Country Risk Solutions.