الجمعة، 26 ديسمبر 2014

الإنسان بوصفه قصة

الإنسان بوصفه قصة
باتريك ستوكس

في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، بدأت فكرة جديدة تشق طريقها من فلسفة التاريخ إلى الجدل المحتدم حول الهوية الشخصية: ماذا لو أن الذوات قصص؟حتى ذلك الحين، كان الفلاسفة الساعون إلى فهم ماهية الذوات وكيفية استمرارها عبر الزمن يبحثون في أغلب الحالات عن روابط بين حالات سيكولوجية في نقاط زمنية مختلفة، كالربط مثلا بين تجربة تحدث يوم الاثنين وذكرى هذه التجربة يوم الثلاثاء. ويمضي هذا النهج إلى أنه إن ارتبطت التجربة بذكراها الارتباط السليم فإن ذلك يسمح بتجدد تعيين الشخص نفسه في نقاط مختلفة من الزمن.
ولكن هذا النهج لا يرتبط بالضرورة ارتباطا جيدا بما نُعنى به في الهوية الشخصية. فذهب فلاسفة متنوعون تنوع ألسادير مكإنتر، وبول ريكور، وماريا شيكتوم، وحتى دانيال دينيه إلى أننا لا نكتفي بإعادة تعيين ذواتنا، بل نتعدى ذلك إلى تأويلها، وفهم ما تفعله في ضوء قصة كبيرة، قصة موضوعها من نحن وماذا نفعل.
تخيلوا شخصا في يوم زفافه. فِعل الزواج هذا يربط بين شخصين، لكنه لا يكون مفهوما ما لم يكن كل من الشخصين مرتبطا بذاته عبر الزمن: فالعريس ينفذ وعدا قطعه على نفسه يوم تقدم للعروس، وذلك الوعد كان ذروة سلسلة من الأحداث المفضية إلى التقدم للزواج. وهو من خلال فعل الزواج يتعهد بسلسلة أخرى من الالتزامات والنوايا المستقبلية، تاركا لذواته التالية مهمة تنفيذها، لو جاز القول.
بعبارة أخرى، ليس بوسعنا أن نفهم ماهية الزواج إلا كجزء من عيش قصة، قصة حب في ما نرجو، أو ربما قصة من نوع آخر. فالثقافات في نهاية المطاف تتباين، فتفرز أنماطا مختلفة من السرديات.
ما يزعمه السرديون narrativists هو أن هذا ليس شأن الأحداث الكبرى وحسب، بل هو شأن جميع لحظات حياتنا. فالذات بالضروة هي بطل قصتها وراويتها، وماهيتك ـ بحسب عبارة دينيه ـ هي "مركز جاذبية السردية"، هي النقطة التي تتقاطع فيها جميع قصصك.
غير أن منهج السردية لا يخلو من مشاكل. منها مثلا أنه في حين قد تكون ثمة قصص كثيرة عنك، كيف تكون أنت نفسك سردية؟ ألا يجعلك هذا قصة تروي قصة عن قصة؟
فضلا عن أن أشكال السرد التي نألفها شديدة الانضباط والاقتصاد. ولقد اشتهر عن الطبيب والمسرحي الروسي أنطون تشكوف قوله إنه إن وجد على خشبة المسرح مسدس في بداية المسرحية، فلا بد من انطلاق رصاصة في الفصل الأخير. وانظروا إلى مسلسل بوليسي تليفزيوني وتأملوا كيف أن الهاتف لا يرن إلا إشارة إلى حدوث تطور جديد في القضية. فلا زوائد في الأدب.
ويمضي الاعتراض فيقول إن هذا ليس شأن الحياة البشرية. فهي فوضوية. فيها الكثير من التفاصيل غير المتصلة بالموضوع. وأي قصة ترويها عن حياتك لا بد أن تغفل بعض هذه التفاصيل، وكلما صُقلت السردية، ابتعدت عن كونها سردية. وبوسع كتَّاب السير الذاتية أن يصفوا حياة إنسان بنجاح في حدود سيرة ذاتية، لكنهم لا ينجحون في ذلك إلا لأنهم على مسافة معينة فيسقطون كثيرا من التفاصيل اليومية التافهة. فإن اقتربت أكثر، تبدأ "القصة" البشرية في التحول إلى قصة غير محكمة السيناريو، مليئة بالحبكات الفرعية المنسية والتفاصيل التي لا دلالة لها والتي لا تمضي بالقصة إلى مكان.
وحياتنا لا تدور دائما حول بنية خماسية الفصول أيضا. لقد لاحظ بلايس باسكال الفيلسوف الفرنسي في القرن السابع عشر أن الفصل الأخير دموي دائما، وأنه في أغلب الحالات يأتي من المجهول، فهو تأويل ختامي لتماسك حياتنا السردي بدلا من أن يكون نتيجة لها وامتدادا. وحتى لو أن حياتنا قصة، فلن نكون موجودين لنعرف كيف تنتهي.
وتلك مشكلة السرديين، لأن كيفية انتهاء القصة أساسي في معناها. وإن نسخة بديلة من روميو وجولييت ينجو فيها البطلان من الموت تختلف كقصة عنها حينما تكون لها نهاية أخرى، بل هي قصة أخرى تماما. وإن المعنى السردي لكل شيء يفضي إلى النهاية ليختلف بالنهاية اختلافا تاما.
وللقصص قوام سردي، ولا قوام لما لا حدود له. وكيفية ابتداء القصة وانتهائها جزء لا ينفصل عن معناها ومنحناها السرديين. ونحن لا نعرف كيف ستنتهي حياتنا، ولعلنا لا نعرف بنهايتها حينما تصل إلى نهايتها. ولا يتاح لنا أن نعرف المعنى السردي النهائي لحياتنا، فلن نعرف قط هل كانت قصة حب ملعون مأساوية أم قصة انتصار. الأمر أشبه بما لو كنا نشاهد فيلما عندنا بطريقة ما قدرة مباشرة ما على التحكم في حبكته، ولكننا ندرك أننا بطريقة ما قد لا نعرف نهايته.

ويبقى أن السردية، وإن لم تكن قصة الذات الكاملةَ، تبدو جزءا أساسيا من فهمنا لأنفسنا وتفسيرنا لحياتنا. ربما لا نكون مجرد قصص، ولكن القصص، مع ذلك، جزء حاسم من القصة.


نشرت الترجمة هنا