الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

هل يمكن أن ننتقد فوكو؟




منذ وفاته سنة 1984، أصبحت أعمال ميشيل فوكو بمثابة حجر الزاوية لدى اليسار الأكاديمي في العالم كله. ولكن كتابا مثيرا صدر في بلجيكا الشهر الماضي، لفريق من الباحثين برئاسة عالم الاجتماع دانيال زامورا طارحا أسئلة مثيرة للجدل حول علاقة فوكو بالثورة النيولبرالية التي كانت تشهد بداياتها في سنواته الأخيرة.
في حوار نشرته جريدة بالاست الفرنسية الجديدة هذا الشهر، يناقش زامورا ما خلص إليه الكتاب من نتائج مبهرة عن الفكر الراديكالي اليوم وما يعنيه. في ما يلي مقتطفات وافية نص الحوار الذي ترجم من الفرنسية إلى الإنجليزية بقلم سيث أكرمان.
***
ـ في كتابه "Foucault, Sa Pensée, Sa Personne" يكتب باول فاين ـ عن صديقه فوكو ـ أنه كان غير قابل للتصنيف سياسيا وفلسفيا، يقول إنه "لم يكن يؤمن بماركس أو بفرويد، لا بالثورة ولا بماو، وكان في غير العلن يسخر من الأقوال التقدمية المصقولة، ولم أعرف له موقفا مبدئيا في مشكلات هائلة من قبيل العالم الثالث، أو الاستهلاكية، أو الرأسمالية، أو الإمبريالية الأمريكية". أما أنت فتكتب أنه كان دائما "يتقدم معاصريه بخطوة". فما الذي تعنيه بهذا؟
ـ ينبغي القول إن فوكو ألقى ضوءا لا يمكن إنكاره على ثيمات كان مفكرو عصره المهيمنون يتجاهلونها تجاهلها سافرا، بل ويعمدون إلى تهميشها. وأعماله، سواء في العلاج النفسي، أم السجون، أم الجنسية حدَّدت بوضوح معالم مجال فكري شاسع. لقد كان بالطبع جزءا من عصر، من سياق اجتماعي واسع للغاية، ولم يكن أول من يعمل في هذه المسائل التي كانت تبرز على السطح في كل مكان لتصبح مواضيع حركات سياسية واجتماعية مهمة.
في إيطاليا على سبيل المثال، لم تكن حركة  مناهضة العلاج النفسي التي استهلها فرانكو باساجليا بحاجة إلى انتظار فوكو ليتحدى نيابة عنها مؤسسة المصحة العقلية قبل أن تصوغ طروحات سياسية مهمة تتعلق باستبدال هذه المؤسسة. فمن الواضح إذن أن فوكو لم يكن منشئ كل هذه الحركات، وهو لم يزعم ذلك قط، ولكن من الواضح أنه فتح الطريق لعدد هائل من المؤرخين والباحثين للعمل على ثيمات جديدة، وفي نطاقات جديدة، لم تكن استُكشفت إلا لماما.
وعلَّمنا أن نداوم على المساءلة السياسية لأشياء كانت تبدو في ذلك الوقت "بعيدة" عن أي تشكيك. ولا أزال أتذكر نقاشه الشهير مع تشومسكي الذي أعلن فيه أن المهمة الأساسية في السياسة في رأيه هي انتقاد المؤسسات "بادية الحيدة والاستقلال" ومهاجمتها على نحو "يميط القناع عما تنطوي عليه هذه المؤسسات من عنف سياسي ما له أن ينكشف بطريقة أخرى".
وقد يكون لديّ بعض الشكوك في طبيعة نقده ـ وإنني واثق أن كلنا هذا الرجل ـ ولكن هذا لا ينفي أن مشروعه كان شديدة الجدَّة والتحفيز.

ـ قولك بالتطابق بين فوكو والنيولبرالية، قد يجعل كتابك مثيرا للكثير من الجدل.
ـ أرجو هذا. يمكن القول إن هذه هي غاية الكتاب. فلقد أردت بوضوح أن أكسر الصورة الإجماعية الطاغية لفوكو بوصفه المعارض المطلق للنيولبرالية في نهاية حياته. ومن وجهة النظر هذه، أعتقد بأن التأويلات التقليدية لأعماله الأخيرة تأويلات خاطئة، أو هي على أقل تقدير تخطئ موضوعه. فقد صار أقرب إلى الشخص الذي لا مجال للمساس به بداخل جزء من اليسار الراديكالي. فنقده، وهذا أقل ما يقال فيه، نقد جبان.
والحق أنه عمى مدهش، فأنا نفسي اندهشت من فرط الهوى الذي اكتشفت أن فوكو يبديه للنيولبرالية حينما انغمست في نصوصه. ولست أعني بنصوصه مجرد محاضراته في الكوليج دو فرانس، بل أعني كذلك مقالات وحوارات عديدة، كلها متاح وموجود.
لقد كان فوكو منجذبا بشدة إلى اللبرالية الاقتصادية، وكان يرى فيها إمكانية نمط من الحكم governmentality  أقل استبدادا من اليسار الاشتراكي أو الشيوعي اللذين كان يرى أن الزمن قد عفا عليهما بالمطلق. وكان بصفة خاصة يرى في النيولبرالية شكلا من أشكال السياسة "أقل بيروقراطية" و"أقل جمودا" من الذي تقدمه دولة الرفاه في فترة ما بعد الحرب. وكان يبدو أنه يتصور نيولبرالية لا تسقط نماذجها الأنثروبولوجية على الفرد، وتوفر للأفراد مزيدا من الاستقلال الذاتي في مواجهة الدولة.
يبدو أن فوكو آنذاك، أي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان ينحو إلى "اليسار الثاني"، وهي نزعة في الاشتراكية الفرنسية لم تشارك فيها غير الأقلية، ولكنها كانت ذات تأثير كبير من الناحية الفكرية، جنبا إلى جنب شخصيات من قبيل بيير روزانفالون الذي كان فوكو يقدر كتاباته. وكانت تغويه مسألة اللادولتية anti-statism والرغبة في نزع الدولتية de-statify  عن المجتمع الفرنسي.
حتى كولن جوردن، وهو من مترجمي فوكو الأساسيين وشارحيه في العالم الأنجلوسكسوني لا يجد غضاضة في قوله إنه يرى فوكو من أوائل المبشرين بـ"الطريق الثاني" البليري [نسبة إلى توني بلير] بدمجه بين الاستراتيجية النيولبرالية وأدبيات الديمقراطية الاشتراكية.

ـ في الوقت نفسه، كتابك ليس انتقاصا أو استجوابا أو اتهاما. فقد تقدَّم قولك أنك تعرف قيمة أعمال الرجل.
ـ طبعا. أنا مفتون بشخصيته وبعمله. وهو في رأيي مفكر ثمين. مثلما أقدِّر تقديرا هائلا العمل  المنشور حديثا لجيفري دي لاجاسنيري بعنوان " La dernière leçon de Michel Foucault"، فهو في نهاية المطاف أشبه بوجه العملة الآخر لعملنا، نظرا لكونه يرى أن فوكو استعمل النيولبرالية لإعادة اختراع اليسار. بينما استخدامه لها في تقديرنا يزيد عن مجرد الأداة: فهو يتبنى منظور النيولبرالية في نقده لليسار.
غير أن لاجاسنيري يؤكد على نقطة أراها جوهرية ومتوغلة إلى صلب مشكلات عديدة في اليسار النقدي: فهو يذهب إلى أن فوكو أول من تناول نصوص اليسار تناولا جديا وقرأها قراءة صارمة. ومن قبله كانت تلك النتاجات الفكرية لا تلقى غير الإعراض، والنظر إليها بوصفها مجرد بروباجندا. وجاء فوكو ـ في ما يرى لاجاسنيري ـ ففجَّر الحاجز الرمزي الذي أقامه اليسار النقدي دون التراث النيولبرالي.
وبانعزالها في الطائفية المعتادة داخل العالم الأكاديمي، لم توجد قط قراءة مثيرة تنظر بعين الاعتبار إلى حجج فريدريك هايك أو جاري بيكر أو ميلتن فريدمن. وفي هذه النقطة لا يمكن للمرء إلا أن يتفق مع لاجاسنيري، فقد أتاح لنا فوكو أن نقرأ هؤلاء الكتّاب ونفهمهم، ونكتشف أدبياتهم الفكرية المعقدة والمحفزة. في هذه النقطة أتفق معه كل الاتفاق. فلا مجال لإنكار أن فوكو كان دائما ما يتصدى لمشقة البحث في النتاجات الفكرية لنطاق واسع الاختلاف والتباين، مثلما كان دائم التصدي لمساءلة أفكاره الخاصة.
ومن سوء الحظ أن اليسار الفكري لم يتمكن دائما من القيام بالمثل. فقد بقي دائما واقعا في شرك الموقف "المدرسي" رافضا المجادلة أو حتى النظر في الأفكار والتراثات التي تنطلق من مقدمات مختلفة عن مقدماته. وهو موقف بالغ الإضرار. إذ يجد المرء أنه يتعامل مع قوم لم يقرأوا عمليا الآباء المؤسسين للأيديولوجية السياسية التي يفترض أنهم يهاجمونها! فتقتصر معارفهم على القليل والمحدود من التوافه المختزلة.

ـ في كتابك، تنازع رؤية فوكو للأمن الاجتماعي، وإعادة توزيع الثروة (والأمن الاجتماعي Social security مستخدم هنا بمعناه الفرنسي، في إشارة إلى جميع وسائل التأمين الاجتماعي، من قبيل التأمين الصحي الوطني الفرنسي الذي يعد جزءا من نظام الأمن الاجتماعي ـ هامش في الأصل). هل لك أن تحدثنا عن هذا؟
ـ هذه عمليا مسألة غير مبحوثة أو مطروقة في التراث الفوكوي الهائل. والحق أقول إنني لم أكن أتصور حينما بدأت التخطيط للكتاب أنني سوف أعمل عليها. فاهتمامي بالأمن الاجتماعي لم يكن مرتبطا بفوكو ارتباطا مباشرا، لكن بحثي لهذه القضية قادني إلى التفكير في الأربعين عاما الماضية وكيف انحرفنا خلالها عن السياسات الرامية إلى  محاربة التفاوت [في الدخول]، وهي السياسات القائمة على أرضية الأمن الاجتماعي، إلى سياسات ترمي إلى محاربة الفقر، والتي تزداد تمحورا حول تعيين مخصصات محددة في الميزانيات لفئات سكنية مستهدفة.
ولكن الانحراف عن هدف إلى آخر يؤدي إلى تحول تام في مفهوم العدالة الاجتماعية. فمحاربة التفاوت (ونشدان تقليص الفجوات المطلقة) يختلف تمام الاختلاف عن محاربة الفقر (ونشدان توفير الحد الأدنى للأشد عوزا). كان القيام بتلك الثورة الصغيرة يستوجب سنوات من العمل على نزع الشرعية عن الأمن الاجتماعي ومؤسسات الطبقة العاملة.
ومن خلال القراءة الدقيقة لنصوص فوكو "المتأخرة" (في فترة أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي)، تبيّن لي أنه شارك بنفسه في هذه العملية. فهو لم يكتف بتحدي الأمن الاجتماعي، بل ووقع في غواية بديل ضريبة الدخل السلبية التي اقترحها ميلتن فريدمان في تلك الفترة. وفي رأيه، أن آليات المساعدات الاجتماعية والتأمين الاجتماعي، التي وضعها في نفس الفئة مع السجن والمتاريس والمدرسة، هي مؤسسات لا بديل لها ولا غنى عنها لـ "ممارسة السلطة في المجتمعات الحديثة".
مع سارتر
من المثير أيضا أن نلاحظ أن فرانسوا إيوال لم يتردد في عمله المركزي أن يكتب أن "دولة الرفاه تحقق حلم ’السلطة البيولوجية’ biopower"، وليس أقل من ذلك! [وكان إيوالد من حواريي فوكو ومساعديه، وهو اليوم مفكر رائد يصطف مع صناعة التأمينات في فرنسا ومع ميديف Medef  وهو اتحاد رجال الأعمال الأساسي في فرنسا].
وفي ضوء العيوب الكثيرة في نظام الأمن الاجتماعي الكلاسيكي، اهتم فوكو بإحلال ضريبة الدخل السلبية بدلا منه. والفكرة بسيطة نسبيا: فالدولة تدفع لكل من يجد نفسه أدنى من مستوى معبين من الدخل. والهدف هو ترتيب الأوضاع بحيث لا يجد أحد نفسه دون هذا المستوى، بغير كثير من الإدارة.
يبدأ هذا الجدل في الظهور في فرنسا سنة 1974 من خلال كتاب "قهر الفقر في الدول الثرية Vaincre la pauvreté dans les pays riches" لـ  ليونل ستوليرو. من المثير أيضا  أن نلاحظ أن فوكو نفسه التقى بستوليرو مرات عديدة حينما كان الأخير المستشار الفني لفريق [الرئيس الفرنسي اليميني] فاليري جيسكار ديستينج. وثمة في أعماله فكرة مهمة مستمرة لفتت انتباه فوكو بصورة مباشرة: هذه الفكرة ـ بروح من فريدمان ـ تميز بين سياسة غايتها المساواة (الاشتراكية) وسياسة غايتها ببساطة القضاء على الفقر دونما مواجهة للتفاوت (اللبرالية).
"العقائد" ـ  بالنسبة لستوليرو، وأنا هنا أنقل عنه ـ "قد تقودنا إما إلى سياسة غايتها القضاء على الفقر، أو إلى سياسة غايتها محاصرة الفجوة بين الأثرياء والفقراء" وهذا ما يطلق عليه "الحد القائم بين الفقر المطلق والفقر النسبي". الأول يشير ببساطة إلى مستوى محدد تحديدا اعتباطيا (وتعالجه ضريبة الدخل السلبية) بينما يشير الثاني إلى إجمالي التفاوتات بين الأفراد (التي يعالجها الأمن الاجتماعي ودولة الرفاه).
في رأي ستوليرو أن "اقتصاد السوق قادر على أفعال استيعابية من شأنها محاربة الفقر المطلق" لكنه "عاجز عن هضم الأدوية القوية الواضحة التي تعالج الفقر النسبي"، ولذلك فإنه يذهب إلى "الاعتقاد بأن التمييز بين الفقر المطلق والفقر النسبي هو في حقيقة الأمر تمييز بين الرأسمالية والاشتراكية". ومن ثم فما يحدث عند الانتقال من أحدهما إلى الآخر أمر سياسي: قبول بالرأسمالية كشكل اقتصادي مهيمن، أو رفضها.
من وجهة النظر تلك، كان حماس فوكو غير المتواري تقريبا لطرح ستوليرو جزءا من حركة أكبر توازت مع انحدار فلسفة المساواة في الأمن الاجتماعي لصالح محاربة "الفقر" المنطلقة بسفور من اقتصاد السوق الحرة. بعبارة أخرى، ومهما يكن قدر الدهشة هنا، فإن محاربة الفقر، وما أبعدها عن النيل من آثار السياسات النيولبرالية، تعمل في واقع الأمر من أجل سيطرتها السياسية.
فليس من المدهش في شيء أن نرى كبار ثروات العالم، كثروات بيل جيتس أو جورج سوروس، منخرطة في محاربة الفقر، برغم دعمها ـ بدون أي تناقض ظاهر ـ للَبْرَلَة الخدمات العامة وتدمير كل آليات إعادة توزيع الثروة و"فضائل" النيولبرالية.
ومن هنا فإن محاربة الفقر تسمح باحتواء الأسئلة الاجتماعية المتعلقة بالأجندة السياسية بدون الاضطرار إلى محاربة التفاوت وما يفرزه من آليات بنيوية. ومن ثم فقد كانت هذه الرؤية جزءا لا يتجزأ من النيولبرالية، والغاية من كتابي هي أن أبيّن أن لفوكو نصيبه من المسؤولية في هذا التطور.

ـ مسألة الدولة مسيطرة على كتابك، وكل من ينقد وجودها فهو لبرالي افتراضا. لكن أليس في ذلك تغاض عن تراثات الأناركية والماركسية، من باكونان إلى لينين؟ ألم تتغاض أنت عن هذا البعد؟
ـ لا أعتقد. أعتقد أن النقد من أرضية الماركسية أو الأناركية مختلف تماما عن النقد الذي كان يصوغه فوكو، وليس هو وحده، بل وفئة هائلة من الماركسية في السبعينيات من القرن العشرين.
أولا، هناك سبب بسيط يتمثل في أن قدامى الكتَّاب الأناركيين والماركسيين كانوا لا يعرفون شيئا عن الأمن الاجتماعي أو الشكل الذي سوف تتخذه الدولة بعد  1945، فالدولة التي تعامل معها لينين كانت عمليا دولة الطبقة المهيمنة التي لم يكن للعمال فيها دور حقيقي. فحق التصويت على سبيل المثال لم يُعمَّم ـ للرجال ـ إلا في حقبة ما بين الحربين. ولذلك من الصعب أن نعرف كيف كان يمكن أن تكون نظرتهم إلى هذه المؤسسات وطبيعتها المسماة بـ"البرجوازية".
لطالما أثارت هذه الفكرة ضيقي، وهي شديدة الشيوع في اليسار الراديكالي، وهي أن الأمن الاجتماعي في نهاية المطاف لا يعدو أداة في يد رأس المال الضخم للسيطرة الاجتماعية. فهذه الفكرة تكشف عن سوء فهم تام لتاريخ أنظمة الحماية الاجتماعية لدينا ومناشئها. فهذه الأنظمة لم تؤسسها البرجوازية لتسيطر على الجموع، بل لقد كانت على العكس من ذلك معادية لهم.
هذه الأنظمة كانت نتاج موقف صلب من الحركة العمالية بعد التحرير. واخترعتها الحركة العمالية نفسها. وابتداء من القرن التاسع عشر أسست الاتحادات العمالية جمعيات مشتركة هدفها على سبيل المثال معاونة غير القادرين على العمل. وكان منطق السوق ذاته وما يتسبب فيه من مخاطر على حياة العمال هو الذي دفع العمال إلى إيجاد آليات للتشارك الجزئي في الدخل.
في المرحلة المبكرة من الثورة الصناعية، لم يكن غير الملاك مواطنين كاملي المواطنة، ومثلما يؤكد عالم الاجتماع روبرت كاسل فإن الأمن الاجتماعي وحده هو الذي سمح بـ "إعادة التأهيل الاجتماعي لغير الملاك". كان الأمن الاجتماعي الذي أسَّس، جنبا إلى جنب الملكية الخاصة، ملكية اجتماعية غايتها أن تمضي بالطبقات الشعبية إلى المواطنة. هذه هي الفكرة التي يمضي بها كارل بولانياي قدما في "التحول العظيم" الذي يرى في مبدأ الحماية الاجتماعية غاية سحب الفرد من نطاق سيطرة قوانين السوق ومن ثم إعادة تشكيل علاقات السلطة بين رأس المال والعمل.
وللمرء بطبيعة الحال أن يرثي للقالب الدولتي الذي يدار فيه الأمن الاجتماعي، أو لنقل على سبيل المثال، الذي ينبغي أن يدار جماعيا ـ ولو أنني لا أبلع هذا في الحقيقة ـ ولكن انتقاد الأداة وأساسها الأيديولوجي بهذه الطريقة، أمر مختلف تماما. وحينما يمضي فوكو إلى حد القول بأنه "من الواضح أنه ليس ثمة معنى تقريبا للقول بـ ’حق الصحة’" ويتساءل عما لو كان "يجدر بمجتمع أن يطلب إشباع حاجة أفراده إلى الصحة؟ وهل يحق لهؤلاء الأفراد أن يطالبوا بإشباع هذه الاحتياجات؟"، فنحن إذن لسنا في السجل الأناركي.
بالنسبة لي، وخلافا لفوكو، ما ينبغي أن نفعله هو أن نعمِّق الحقوق الاجتماعية التي لدينا بالفعل، ينبغي أن "نبني على ما هو موجود فعلا" كما يقول برنار فريو. والأمن الاجتماعي أداة ممتازة علينا أن ندافع عنها ونعمِّقها.
وبالتوازي مع هذه المسارات، حينما أقرأ لبياتريس برسيادو في ليبراسيون "إننا لن نبكي على نهاية دولة الرفاه، لأن دولة الرفاه هي أيضا مستشفى العلاج النفسي، ومكتب المعاقين، والسجن، والمدرسة الكولونيالية البطريركية"، فإن هذا يحملني على التفكير في أن النيولبرالية فعلت أكثر بكثير من تحويل اقتصادنا، لقد أعادت بعمق تشكيل الخيال الاجتماعي ليسار "ليبرتاري" معين.


نشرت الترجمة الإنجلزية لهذاالحوار في مجلة جاكوبان
 ونشرت الترجمة العربية هنا