الثلاثاء، 20 مايو 2014

كيف تحولت الموناليزا إلى أيقونة؟؟

كيف تحولت الموناليزا إلى أيقونة؟؟
إيان ليزلي

في عام 1993، كان عالم النفس "جيمس كاتنج" في زيارة لـ متحف دورسيه في باريس لمشاهدة لوحة حفل الباريسين "بال دو مولان دو لا جاليت" لرينوار، التي تعد تعدُّ من أعظم الأعمال الفنية الانطباعية. ولكنه بدلا من ذلك وجد نفسه منجذبا إلى لوحة في الغرفة المجاورة: منظر غامض وساحر للجليد على الأسطح الباريسية. لم يكن قد سمع باللوحة من قبل ولا سمع باسم صاحبها "جوستاف كيليبوتيه.وذلك ما جعله يفكر.
فهل حدث لك أن وقعت في غرام رواية واندهشت حين لم تجد لها وجودا في قوائم الروايات الكبرى؟ أو طفت بتمثال يعدُّ من الكلاسيكيات فلم تر مهما حاولت سر كل هذه الجلبة حوله؟ لو كان ذلك قد حدث لك، فلعلك انشغلت بالسؤال الذي طرحه كاتنج على نفسه في ذلك اليوم: ما الذي يجعل عملا فنيا ما يعد عملا عظيما؟
الإجابة البديهية هي أن ثمة أعمالا فنية عظيمة وحسب: جودتها فائقة بطبيعتها. اللوحات التي تتصدر مواقع العرض الأساسية في الجاليريهات، ويجري تدريسها في الفصول ويعاد نسخها في الكتب هي التي أثبتت وأكدت قيمها الفنية بمرور الزمان. ولو أنك لا ترى سر سموها هذا، فهي مشكلتك أنت. وهذا تفسير منضبط ومرعب. ولكنه لم يسلم من علماء اجتماع شككوا فيه وطرحوا حوله أسئلة صعبة، مثيرين احتمالية أن تكون المتون الفنية محض وقائع تاريخية متحجرة.
تساءل كاتنج الأستاذ بجامعة كورنيل عما لو كان "تأثير مجرد العرض" ـ وهي آلية سيكولوجية معروفة ـ قد لعب دورا في تحديد اللوحات التي ترقى إلى قمم المتن الثقافي. لقد حدث في تجربة أجريت سنة 1968 أن عرضت سلسلة من الأشكال التجريدية عرضا متتابعا سريعا على مجموعة من الناس. وتكرر بعض هذه الأشكال، ولكن بسبب سرعة ظهورها واختفائها، لم يلحظ المشاركون في التجربة أنها تتكرر. ولما سئل المشاركون عن هذه الأشكال العشوائية وأيها يبدو لهم الألطف، اختاروا الأشكال التي تكرر عرضها أكثر من مرة، وإن لم يعلموا أن عرضها تكرر. وذلك معناه أن الألفة ـ وإن لم تكن واعية ـ تولِّد الولع.
رجع كاتنج إلى كورنيل ليصمم تجربة يثبت بها ما ذهب إليه حدسه. فقد دأب على مدار فصل دراسي أن يعرض على الطلبة أعمالا انطباعية لمدة ثانيتين لكل عمل. من بينها أعمال تعد من أساسيات الفن المثبتة في كتب التاريخ. ومنها الأقل شهرة وإن تساوت في القيمة الفنية. وهذه كان يعرضها لمدة أربع ثوان في المرة. ثم عرضت اللوحات على مجموعة من الطلبة لم تشارك في التجربة، وعرضت عليهم بشكل عادي، فرأت هذه المجموعة أن الأعمال الأقل شهرة هي الأفضل. لقد أحب طلبة كاتنج الأعمال الأقل شهرة لأنها ببساطة الأعمال التي رأوها أكثر من غيرها.
بال دو مولان دو لا جاليت
يعتقد كاتنج أن تجربته تقدم مفتاحا لمعرفة الكيفية التي تكوّنت المتون. ويبيّن أن أعمال الانطباعية الأكثر استنساخا اليوم هي التي اشتراها خمسة أو ستة من أثرياء مقتني اللوحات في القرن التاسع عشر. فتفضيل أولئك الرجال المرموقين أضفى رونقا ومكانة على بعض الأعمال، فصارت أكثر ظهورا في قاعات العرض وفي كتب الفن. وازدادت الشهرة زخما بمرور السنين، مكتسبة ذلك من كثرة العرض والظهور. فكلما ازداد مشاهدو "بال دو مولان دو لا جاليت"، ازداد المشاهدون إعجابا بها، وازداد ظهور اللوحة في الكتب والملصقات والمعارض الكبرى. وفي الوقت نفسه اخترع الأكاديميون والنقاد  مبررات معقدة لهذا البروز، فليس العامة وحدهم هم الذين يعلون من قيمة ما يرونه أكثر مما يرون غيره. والثناء النقدي ـ مثلما فهم الفنانون المعاصورن من أمثال وارهول ودميان هيرست ـ يتواشج بعمق مع الانتشار. ويذهب كاتنج إلى أن "الباحثين لا يختلفون في شيء عن العوام في تأثرهم بمجرد العرض".
تستحضر هذه العملية التي يصفها كاتنج مبدأ يطلق عليه عالم الاجتماع "دنكان واطس" مصطلح "الميزة التراكمية": فلا يكاد شيء يشيع، حتى ينزع إلى أن يكون أكثر شيوعا. ولقد تعرض          واطس قبل سنوات قليلة ـ وهو الذي استعانت به شركة ميكروسوفت لدراسة ديناميكيات الشبكات الاجتماعية ـ لتجربة مماثلة للتي تعرض لها كاتنج، ولكن في متحف آخر من متاحف باريس. فبعدما انتظم في الرتل لرؤية "الموناليزا" في قاعتها منضبطة المناخ المضادة للرصاص داخل اللوفر، ابتعد مندهشا وهو يتساءل: لماذا تعد هذه اللوحة أهم وأرقى من أعمال ليوناردو الثلاثة في الغرفة السابقة التي لم يبد أن ثمة من يوليها أدنى اهتمام؟
ولما نظر واطس في تاريخ "أعظم اللوحات على مر الزمان" اكتشف أن الموناليزا بقيت طوال الجزء الأكبر من حياتها أسيرة غموض نسبي. وفي خمسينيات القرن التاسع عشر لم يكن ليوناردو دافنشي يطاول عمالقة فن عصر النهضة من أمثال تيتيان ورفائيل اللذين كانت قيمة أعمالهما تبلغ عشرات أضعاف قيمة الموناليزا. ولم يحدث إلا في القرن العشرين أن أصبح ذلك البورتريه الذي رسمه ليوناردو لزوجته في ذروة المعروضات قاطبة. والسبب الذي أدى إلى ذلك الصعود الصاروخي لم يكن إعادة تقييم بحثية، بل عملية سطو.
ففي عام 1911 خرج عامل صيانة من متحف اللوفر حاملا معه الموناليزا، وقد خبأها في معطفه. شعر الباريسيون بالذعر لسرقة لوحة كانوا حتى ذلك الوقت لم يلتفتوا إليها بالقدر الكافي. فلما أعيد افتتاح المتحف اصطف الناس ليروا الفراغ الذي كانت الموناليزا معلقة فيه ذات يوم باهتمام لم يولوه للوحة نفسها حينما كانت معروضة. وارتبكت الشرطة. وفي لحظة معينة استدعي "بابلو بيكاسو" المذعور لمساءلته في الواقعة. ولم يتم العثور على موناليزا إلا بعد سنتين عندما اعتقل نجار إيطالي يدعى "فينسنزو بيروجيا" وهو يحاول بيعها لجاليري يوفيزي في فلورنسا.
وسادت الحمى الفرنسيين. فلقد اعتبر الإيطاليون بيروجيا بطلا قوميا أراد استعادة لوحتهم إلى وطنها. وأعادت صحف العالم نشر صورة للموناليزا فصارت أول عمل فني يحظى بشهرة عالمية. ومنذ ذلك الحين باتت موناليزا تمثِّل الثقافة الغربية ذاتها. وفي عام 1919، عندما أراد "مارسل دوشامب" أن يقوم بتشويه رمزي للفن الرفيع، رسم موناليزا وقد أضاف لها لحية وشاربا خفيفين، فما زادها ذلك إلى رسوخا في الذهن العام بوصفها خلاصة الفن العظيم (أو باعتبارها ـ على تعبير الناقد كينيث كلارك ـ "المثال الأمثل للكمال"). على مدار القرن العشرين، استعمل الموسيقيون والمعلنون والسينمائيون شهرة اللوحة في أغراضهم الخاصة بينما اللوحة، على حد تعبير واطس، قد "استعملتهم" هي الأخرى بطريقتها. فلعل بيروجيا فشل في استرداد موناليزا، لكنه أحالها إلى أيقونة.
وبرغم محاولات الكثيرين، يبدو من غير الممكن إيعاز مكانة اللوحة الفريدة إلى جودة ضربات الفرشاة التي أنتجتها وفقط. يقال مثلا إن عيني المرأة تتبعان المشاهد أينما هو من الغرفة. ولكن كاتب سيرة اللوحة "دونالد ساسون" يقول بفظاظة إن "هذا التأثير يمكن الحصول عليه  من أي بورتريه". ويذهب دنكان واطس إلى أن موناليزا مجرد مثال متطرفة على قاعدة عامة. فاللوحات، والقصائد، والأغنيات الجماهيرية، تعلو أو تدنو بسبب أحداث أو أذواق عشوائية تتحول إلى موجات من التأثير تتهادى عابرة للأجيال.
ولقد كتب "بريان إينو" يقول ذات مرة إن "القول بأن للمواد الثقافية قيمة كالقول بأن للهواتف محادثات". تكاد تكون جميع المواد الثقافية التي نستهلكها أن تكون وصلت إلينا مغلفة في رأي موروث، فتفضيلاتنا دائما، أو إلى حد ما، هي تفضيلات غيرنا. وزوار موناليزا يعرفون أنهم يوشكون على زيارة أعظم عمل فني على الإطلاق، فيستولي عليهم إما الانبهار أو خيبة الرجاء. وجمهور عرض هاملت يعرف أنه يعد عملا عبقريا، ولذلك فالعبقرية هي ما يرونه. حتى أن واطس يعتبر مكانة شكسبير "ضربة حظ تاريخية".
يرى "شمُس خان" أستاذ علم الاجتماع بجامعة كولمبيا أن طريقة تعريفنا لـ "العظيم" لا تعتمد فقط على القيمة الفنية. ويوضح أنه في أمريكا القرن التاسع عشر، كان الخط الفاصل بين الثقافة "الرفيعة" و"الدنيا" مرسوما برقة شديدة. فكانت فكرة السهرة المسلية تتضمن الإنصات إلى مطرب أوبرالي أو مشاهدة بهلوان، ببساطة. ولكن في مستهل القرن العشرين، انخرط الأثرياء في النضال رغبة في تأكيد سموهم على الطبقة الوسطى الناشئة. وفعلوا ذلك باصطفافهم مع نوعية ضيقة للغاية من "الفن الرفيع". فبات الحصول على تذكرة لشرفة في الأوبرا أو اقتناء الأعمال الانطباعية بمثابة ضمان عضوية في قبيلة.
وبرغم أن التمييز الصارم بين الرفيع والدنيء تحطم في ستينيات القرن العشرين، إلا أننا لا نزال نستخدم الثقافة لافتة للهوية، وإن بطرق أرق. فالصرعة الانتقائية اليوم ـ "أنا أحب باخ، وأبا وجاي زد" ـ هي بحسب ما يذهب إليه خان طريقة جديدة للطبقة الوسطى البوهيمية لفصل نفسها عن ما يعتبرونه الأذواق الضيقة لمن دونهم في الهيراركية الاجتماعية.
أما جودة العمل الفني الأساسية فيبدو أنها باتت الأقل أهمية فيه. ولكن ربما تكون هناك دلالات أهم من تلك التي يستنبطها علماء الاجتماع. أولا، كل عمل يحتاج إلى قدر معين من الجودة تؤهله للاكتساح وصولا إلى القمة. وقد لا تكون الموناليزا جديرة بأن تكون بطلة العالم في الفن، لكنها كانت في اللوفر في المقام الأول، ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة.
ثانيا، بعض الأشياء ببساطة أفضل من البعض الآخر. واقرأوا "هاملت" بعد قراءتكم لأعظم معاصري شكسبير، فلعلكم تجدون الفارق مذهلا لا سبيل إلى المنازعة فيه. قارنوا مونولوج "أكون أو لا أكون" بكل ما يثيره في الفكر الواعي، وبكل ما يكمله من تردد واستطراد وتلعثم، بأي مناجاة كتبها [كرستوفر] مارلو أو [جون] وبستر، وسترون أن شكسبير يقف على طبقة وحده. قد يقول واطس إنني أخدع نفسي وأضللها، وكذلك عدد لا نهاية له من القراء والباحثين الذين وصلوا إلى مثل ما وصلت إليه. ولكن أي التفسيرين لعظمة شكسبير أقل كرما؟
 تشير دراسة في مجلة الاستطيقا البريطانية إلى أن تأثير الظهور ليس واحدا في كل الحالات، وتخلص إلى نتيجة مختلفة للطريقة التي تكوَّنت بها المتون الأدبية والفنية. بناء على تجربة كاتنج، قام الباحثون بتكرار عرض مجموعة من الأعمال لاثنين من الفنانين على عدد من الطلبة. وكانت هذه الأعمال لـ جون إيفرت ميلايس" البريطاني من مرحلة ما قبل رفائيل والشعبوي الأمريكي "توماس كينكادي". أعمال كينكادي الريفية تمثل ذروة الكيتش، فهي معيار ذهبي للفن الرديء. ورأى الباحثون أن الطلبة يميلون إلى الإعجاب بميلايس أكثر، كما لعلكم تتوقعون، في ضوء تكرار عرض لوحاته. ولكنهم ـ أي الباحثون ـ رأوا أيضا أن إعجاب الطلبة بكينكاردي يقل  برغم تكرار عرض أعماله عليهم أيضا. فالعرض بمرور الوقت يحابي الفنان الأعظم.
يصيب علماء الاجتماع حينما يقولون إننا ينبغي أن نتشكك قليلا في العظمة، وفي أن علينا دائما أن ننظر إلى ما في الغرفة التالية. فقد تغيم الحدود بين الفن العظيم والفن المتواضع حتى على الخبراء. ولكن هذا هو السبب الذي يدعونا إلى المشاهدة، والقراءة، بأكثر ما نستطيع. وكلما ازددنا تعرضا للجيد والرديء، ازددنا قدرة على تحديد الفارق. وكذلك هم الانتقائيون.


نشر الموضوع أصلا في إنتيليجنت لايف ونشرت ترجمته اليوم في شرفات