الاثنين، 21 أبريل، 2014

ما تخفيه السعادة

يكدح علماء الاقتصاد منذ سنين في محاولة كشف غموض السعادة وحل لغزها، ولو أنهم درسوا الشقاء لا السعادة فلعلهم يصلون إلى شيء

ما تخفيه السعادة

جون كويجن

شهد العقدان الأخيران طفرة، لم تزل مستمرة، في الأبحاث الاقتصادية المتعلقة بالسعادة. ولعل من الغريب أن يكون منشأ هذه الحركة البحثية كلها عبارات قالها في مطلع السبعينيات من القرن الماضي "جيجمي سينجي وانجتشوك" لدى تتويجه ملكا مطلق الحكم على بوتان إحدى أفقر بلاد الأرض. كان قد سئل عن سياساته لدفع نمو إجمالي الناتج المحلي، فقال الملك إنه سيعمل على الدفع بإجمالي السعادة المحلية بدلا من السعي إلى الهدف التقليدي المتمثل في تعزيز إجمالي الناتج المحلي. فما كان من تلك المقولة الأنيقة إلا أن أثارت أجندة بحثية كاملة النطاق، لا في بوتان وحدها، بل في العالم المتقدم أيضا. وبزغت، بمرور الوقت، مجموعةٌ من النجوم الأكاديميين، ما لم يكونوا من أشهر المشاهير خارج حدود الأكاديمية، ولم يكن أقلهم علماء اقتصاد من أمثال "ريتشارد إيسترلين"  و"برونو فراي" و"ريتشارد لايارد".
فما الذي تعلمناه إلى الآن من كل هذا البحث؟ بصفة أساسية، هذا كل ما تعلمناه: أن هناك ما يدعو الجميع إلى قراءة "الجحيم" لدانتي، وما لا يدعو أي أحد إلى قراءة "النعيم" [وهو الجزء الأخير من الكوميديا]. لقد كتب تولستوي يقول إن "كل الأسر السعيدة متشابهة"، وربما كان يجدر به أن يضيف أن هذا هو السر في قلة ظهور هذه الأسر في الروايات. فالأمر ببساطة قد لا يعدو حقيقة أنه ما من شيء مثير يمكن أن يقال في السعادة. وإذا كان هذا احتمالا في الأدب فهو يقين في العلوم الاجتماعية المعنية بالبحث في السعادة، حيث تبدو أقوى النتائج المتعلقة بهذه البحوث أشبه بظلال تلقيها الأطر التحليلية لا الاكتشافات الأصيلة الحقيقية.
وانظروا إلى نتيجة محورية من نتائج البحث في هذا المجال، وهي النتيجة المعروفة بالمفارقة الإسترلينية [نسبة إلى ريتشارد إيسترلين]، حيث يتضح من البيانات المستقاة من دول مختلفة أن السعادة ـ في الشائع ـ تزداد بازدياد الدخل، ولكنه ازدياد لا يتجاوز درجة معينة ¨. ففي العالم المتقدم على سبيل المثال، يكاد لا يمكن لأحد الزعم بأن الناس أكثر سعادة الآن مما كانوا عليه في الستينيات من القرن الماضي. والدليل على هذا الزعم هو عبارة عن دراسات مسحية يقوم خلالها الناس بتقدير سعادتهم على مقياس معين، غالبا ما يكون مدرجا من واحد إلى عشرة. ومما تعلمناه أيضا أن السعادة في أي مجتمع تنزع إلى الازدياد بازدياد التحسن في مختلف المتغيرات البديهية: كالدخل والصحة والعلاقات الأسرية وما شابه ذلك. ثم لا يطرأ عليها أي تغير في المجتمعات الغربية ـ كالمجتمع الأسترالي مثلا ـ بمرور الوقت، على الرغم من تحسن الدخل والصحة.
وهو ما يضعنا وجها لوجه أمام هذا الاكتشاف: السعادة نسبية! ولكن، حتى هذه النتيجة قد تكون في واقع الأمر محض وهم. ولكي نرى سبب ذلك، ليس علينا إلا أن ننظر في هذا اللغز. افرض أنك أردت أن تتحقق مما إذا كان طول الأطفال يزيد مع التقدم في العمر، ولكنك لسبب ما لا تستطيع أن تقيس طول الأطفال قياسا مباشرا. سيكون من الطرق المفيدة لك أن تحاور جماعات من الأطفال في فصول من مدارس مختلفة وتطرح عليهم هذا السؤال: على مقياس من واحد إلى عشرة، كيف تقدِّر طولك؟ وسترى أن الأطفال الأكبر من زملائهم نسبيا ينزعون إلى تسجيل أرقام أعلى من زملائهم الأصغر نسبيا. وفي النهاية سوف تخلص إلى أن الأطفال الأكبر سنا هم أطول من الأطفال الأصغر سنا، والكلام إلى هذا الحد لا بأس به إطلاقا.
بعدما تجري هذه الدراسة المسحية لعدد من الفصول، قد تبدأ في ملاحظة شيء غريب بعض الشيء. وأنت تنتقل في دراستك إلى السنوات الدراسية الأعلى، سوف يظل المتوسط العمري يرتفع بينما سيظل متوسط الطول المسجل في المقاييس دون أن يتغير تقريبا. ففي جميع المجموعات العمرية سيظل متوسط الإجابة يدور حول الرقم سبعة (اعتمادا على تأثير "ليك ووبجن" الذي يقول إن كل شخص يرى نفسه فوق المتوسط). فما الذي نخلص به من هذا؟
قياسا على "لغز السعادة"، قد تخلص إلى أن الطول مسألة ذاتية تعتمد على العمر النسبي لا المطلق. لكننا نعلم علم اليقين أن الطول يزداد بازدياد العمر في فترة الطفولة. المشكلة أن طرح سؤال تتمثل إجابته في وضع علامة ذاتية على مقياس من واحد إلى عشرة أمر شديد السخافة فيما يتعلق بقياس الطول. فمن المرجح أن يقوم كل طفل بإعطاء نفسه علامة في ضوء علاقته بزملائه لا في ضوء قياس مطلق، وهو ما يفضي إلى أن المقارنة بين المجموعات العمرية هي في الحقيقة أمر لا معنى له على الإطلاق.
والآن، هل تستمر السعادة في الازدياد باستمرار الدخل في الازدياد؟ ليس بوسع أحد أن يقطع بإجابة. ولكن، ما دمنا لا نمتلك أي مقياس مطلق للحالة المزاجية، يبقى مقبولا بلا شك أن نترك الناس يحكمون على السعادة بمثل ما يحكم الأطفال على طولهم في فرضيتنا الخيالية.
ولكن، في مجتمع أغلب الناس فيه جياع أغلب الوقت، قد يكون مجرد امتلاء البطن مبررا كافيا ليعطي المرء نفسه الدرجة النهائية في مقياس السعادة. ولو أن لدى الجميع في مجتمع آخر ما يأكلونه، لكن ما يأكلونه هذا لا يعدو الأرز والبطاطس، فقد تعد نفسك في نعمة حين تأكل دجاجة مشوية، وقس على هذا. إن مستوى الدخل والصحة الموضوعي اللازم لتعتبر نفسك أسعد من المتوسط يعتمد على ما تعتبر أنت أنه المتوسط. وهو ما يصدق سواء اعتبر أبناء المجتمعات الثرية أنفسهم أكثر سعادة أم لم يعتبروا أنفسهم كذلك، وسواء كان الشخص المتوسط الآن أسعد من الشخص المتوسط سنة 1960 أم لم يكن. وفي كلتا الحالتين لا ينبئنا المقياس النسبي بشيء. ولكن في حدود ما يتعلق بالسعادة، ليس لدينا فيما يبدو غير هذا المقياس النسبي.
والحق أن علماء الاقتصاد يشتهرون بأنهم يركزون على المشكلات التي لديهم بيانات فيها، لا على المشكلات المهمة، فهم ـ مصداقا للنكتة القديمة ـ كالسكران الذي يبحث عن مفاتيحه تحت عمود النور لأن الإضاءة أفضل في هذا المكان. وعليه، فالسعادة دائما في البقعة المظلمة. والحق أنه بحسب ما يعرف بـ "مفارقة المتعة hedonic paradox " فحتى الذين يرجون بلوغ السعادة في حيواتهم لا يمكنهم الدنو منها إلا بصورة غير مباشرة. ولقد كتب "جون ستيوارت ميل" سنة 1873 فقال [إنهم] "فيما ينشدون شيئا آخر، يعثرون على السعادة بالمصادفة ... وليس عليك إلا أن تسأل نفسك عما لو كنت سعيدا، فإذا بك لست كذلك".
الشقاء، في المقابل، مصدر بيانات معجز الثراء. فالأسر الشقية، مثلما أوضح تولستوي، أشد تباينا بكثير من الأسر السعيدة. ولو أن السعادة مراوغة وذاتية، فهناك مصادر موضوعية وفيرة تخص الشقاء: كالجوع، والمرض، وموت الأعزاء قبل الأوان، والتفكك الأسري وما إلى ذلك. بوسعنا أن نقيس طرائق تغير هذه الأشياء بمرور الزمن ونقارن هذه البيانات ونقارنها مع تقييم شعوري ذاتي. وإذا ببرنامج بحثي كامل وجديد يبزغ بين أيدينا.
عندما نحول انتباهنا عن الشقاء، ينصب النور على بعض الفوارق السياسية المهمة. كلنا بصفة عامة نحبذ السعادة. فيميل أصحاب مذهب المنفعة Utilitarians إلى التعظيم منها، حتى وإن كانوا توقفوا عن الاعتقاد بدقة "الحسبة المتعوية  felicific calculus "[i] لجيرمي بنتام. لقد جعل اللبراليون الكلاسيكيون الذين كتبوا إعلان الاستقلال الأمريكي من السعي إلى السعادة أحد الحقوق الراسخة للبشر (البيض)، والمحافظون ـ بحسب ما يتبين من كمٍّ ضخم من البحث العلمي، يزعمون أنهم أسعد من اللبراليين (في الولايات المتحدة وبالمعنى الأوربي للبراليين أيضا). حتى النازيون سعوا إلى "القوة من خلال البهجة". وتولِّد الرؤى السياسية المختلفة بطبيعة الحال دعاوى مختلفة حول أرجح السبل لتعزيز السعادة، لكن الجميع في النهاية يحبذونها ويناصرونها. بل إنه يتبين أن الوصف الأدق لكتاب من قبيل "ضد السعادة" الصادر في عام 2008 لـ إريك ويلسن إنما يتمثل في عنوانه الفرعي "في مديح الميلانكوليا".
أما الشقاء في المقابل فقاطع. ويشيع بين أصحاب مذهب المنفعة أنه كما أن السعادة شيء جيد لا بد من تعزيزه، فالشقاء شيء سيء ولا بد من تقليصه. وهذا الفكرة، بجانب فكرة أن الدولة ينبغي أن تعمل على تخفيف الشقاء، مركزية في فلسفة الديمقراطيات الاشتراكية (وفي اللبراليات الاشتراكية أيضا مع بعض الاشتراطات). أما اليمين السياسي، في المقابل، فله رؤية ملتبسة بعض الشيء للشقاء. وحسبكم أن تنظروا إلى الخط المركزي الفاصل في السياسات الحديث: أعني الرفاه.
دولة الرفاه، بوصفها مؤسسة، لا ترتبط بصورة تقليدية ارتباطا كبيرا بالسعادة. لو سئل أكثرنا عن مصادر البهجة في حياتنا، فما أقل من سيتكلمون عن إعانة البطالة أو الإقامة في مستشفى عام. لكن ما تفعله دولة الرفاه (أو تحاول أن تفعله) هو تقليل مصادر الشقاء في اقتصاد السوق. فهي تعالج المرض، وغياب الدخل بسبب البطالة أو العجز عن العمل، وغياب السكن وما إلى ذلك. ولا يعني ذلك أن الجميع يكونون سعداء ـ حتى في أكثر الأنظمة احتواء، أي الذي ينتفي فيه الخوف من البطالة تماما وتتوفر فيه الخدمات العامة للجميع. فالمال لا يشتري السعادة. ولكنه يشتري، على حد قول الكومديان "سبايك ميليجان"، درجة أرقى من الشقاء.
وفي هذه الحدود فإن لدولة الرفاه سجلا متميزا. ليس عليك إلا أن تقارن الإنتاج في البلاد التي تتبع نظام دولة الرفاه الحديثة، وبينه في الولايات المتحدة التي لم تثمر "الصفقة الجديدة" فيها غير نسخ من المؤسسات التقليدية لكنها معيقة للنمو [والصفقة الجديدة هو الاصطلاح الذي يشار به إلى سياسات روزفلت الاقتصادية]. وهكذا تكون التكنولجيا الأمريكية هي التي تقود العالم، ويقر الدستور الأمريكي السعي إلى السعادة، ولكن نظرا لأسباب تطورية عديدة، من بينها الموت المبكر، والأمن الغذائي، والسجن، والحصول على الرعاية الصحية، نرى أن الولايات المتحدة تتخلف كثيرا عن بقية العالم المتقدم، لدرجة أن يرى كثير من الأمريكيين خيرا كثيرا في مجرد الوصول إلى طبقة أرقى من الشقاء.
برغم منجزات دولة الرفاه إلا أنها لم تحظ بكثير من الحب في أوساط اليمين السياسي. فلم هذا؟ النقطة الأساسية ـ فيما يبدو ـ في النقد اليميني لدولة الرفاه هو أنها تتسبب على المدى البعيد في قدر من البؤس يفوق ما تقلله منه. وتقوم هذه الحجة بصفة عامة على مزاعم تتعلق بالتأثير الحافز المعاكس الذي تتسبب فيه الضرائب المرتفعة وعلاوات الرفاه، وهي مزاعم لم تصمد بصفة عامة صمودا جيدا أمام البيانات. والأدبيات في هذه القضايا شديدة الضخامة، لكن ربما يكون أقوى دليل هو السقوط المدوي لنسبة الأمريكيين الراشدين الذين يعملون، برغم الحافز القوي المفترض في الضرائب المنخفضة والحد الأدنى من الرفاه.
غير أنه يكمن، تحت هذه الاعتراضات التي تبدو عملية، يكمن أننا غالبا ما نجد علامات على الإيمان بأن الشقاء خير لنا، أو أن فيه على أقل تقدير خيرا لمن هو مكتوب عليهم.
لعل هذه الفكرة تستمد دعما لها من الرؤية المسيحية المتشددة للدنيا بوصفها وادي الدموع الذي لا بد من التكفير فيه عن الخطيئة الأصلية. وبصفة عامة، غالبا ما يرى المحافظون في الشقاء أمرا محتوما،، نظرا لتفاهة المساعي الرامية إلى إصلاح الطبيعة البشرية، ومكونا لا غنى عنه من مكونات إنشاء الشخصية القويمة.
عمل "وليم بينيت" وزيرا للتعليم في الولايات المتحدة في فترة حكم ريجان، وفي كتاب صدر من تحريره عام 1993 بعنوان "كتاب الفضائل: كنز الحكايات الأخلاقية العظيمة" يرى بينيت أن عظمة الشخصية الأمريكية تتجلى كلها (أو بعض منها على الأقل) في أعضاء حزب الدونر Donner Party،  وكان هذا الحزب عبارة عن جماعة من المستكشفين في القرن التاسع عشر حاصرهم الجليد في سييرانيفادا، فمات منهم من مات جوعا. ونجا منهم من نجا بأكلهم جثث رفاقهم. وكما ترون، فإن هذا الموقف يكشف في البشر أفضل ما فيهم وأسوأه. لكن إعجاب بينيت بالناجين الأبطال بوصفهم قدوة لعصر أكثر استقامة (فيتساءل: أين ذهب أمثال هؤلاء الناس؟) يبين مدى عمق الهوة بين "أخلاقيات الفضيلة" عند المحافظين  وما يترتب عليها من رؤية الشقاء بوصفه شرا. يوجز برتولد بريخت هذه الهوة ببراعة في مسرحيته جاليليو(1943) مقابلا سطرا يقوله الأخلاقي الفضائلي "شقية هي الأرض التي بلا أبطال" بالسطر الذي يقوله جاليليو: "بل شقية هي الأرض التي بحاجة إلى بطل".
لو أن المحافظين التقليديين يعلون من شأن الشقاء، فمن الممكن العثور على رؤية أكثر وردية بين البروميثيين والراديكاليين من كلا اليمين واليسار. فليبراليو السوق على سبيل المثال، يرون فكرة أننا قد نشعر بالإشباع عند مستوى معين من الراحة المادية فكرة تعادل الكفر. فشقاؤنا بما لدينا هو تحديدا ما يجعلنا نشتاق إلى المزيد. اقتصاد السوق الذي يجعل هذا ممكنا من ثم يمثل أعلى مرحلة ممكنة من التطور الاجتماعي.
الكاتبة السياسية الأمريكية "فرجينيا بوستريل" مناصرة قوية لنظام الرغبة التي لا تشبع هذا.  وهي ترفض النظرية العامة المتعلقة بالاستهلاك التي تزعم أننا ننشد سلع الرفاهية من أجل أن نثير إعجاب الآخرين وبحثا عن مكانة اجتماعية. فالمستهلكون، في رأي بوستريل، سوف يسعون إلى سلع الرفاهية حتى إذا لم يكن هناك أحد ليشاهدها، من قبيل فرشاة المكياج التي يصل سعرها إلى أربعمائة دولار. وكتابها "قوة الفتنة" (الصادر في 2013) يقدم الفتنة بوصفها نوعا من "البلاغة غير اللفظية" التي "تؤدي إلى الإحساس بأن الحياة التي نحلم بها موجودة، ونرغب فيها أكثر".
خلافا للاحتياجات المادية المحضة، لا يمكن تخفيف الحاجة إلى الفتنة. بالنسبة للأغلبية الساحقة منا، لا بد أن تبقى الجائزة دائما بعيدة عن متناول الأيدي. ولكن بوستريل تذهب إلى أنه خير لنا أن نشتاق ونكدح وراء أوهام نعرف أنها أوهام من أن نقع أسرى الرضا البليد بإشباع احتياجاتنا المادية الموضوعية. (من يكدحون وراء موارد متبددة أخرى في السعي إلى الفتنة قد يكون لهم رأي آخر).
ومن الإنصاف لا أكثر أن نلاحظ أنه ليس جميع أنصار الشقاء منتمين إلى اليمين السياسي. فبعض المنتمين إلى اليسار الماركسي يذهبون إلى أن الرفاه الاجتماعي ـ شأن الدين ـ أفيون للشعوب. فمن خلال تخفيف ألم الفقر والبطالة، يقلل الدين والرفاه من الغضب الذي ينبغي أن يستشعره العمال تجاه نظام يستغلهم وينفيهم. البديل الثوري يتمثل في "إبراز تناقضات" الرأسمالية، بجعلها أكثر شقاء، إلى أن يصبح احتمالها أمرا غير ممكن.
للحظة عابرة في ستينيات القرن الماضي، بدا أن هذا النقد الراديكالي قد ينجح. فالتحالف (المفترض في الأغلب) بين العمال المضطهدين والطلبة الراديكاليين ما بعد المادييين كان ليحطم وهم إجماع الطبقة الوسطى المرفهة ويتخلى عن مسكنات نظام الرفاه، داعيا إلى مجتمع جديد يمكن أن تزدهر فيه السعادة للجميع.
لكن هذه الثورة اليسارية لم تحقق في الواقع غير القليل باستثناء إضعافها دفاع دولة الرفاه ضد التحدي الحقيقي الذي كان يأتي من اليمين الداعم للسوق الحرة. ومع ذلك، يعتمد جزء كبير من النقد الاشتراكي على ما يتبقى لهذا النقد من جاذبية، فينبذ أي إصلاح تسكيني ويعلن ضمنيا أنه ليس هناك شيء آخر يمكن تقديمه. ومن الجماعات التي انتهجت هذا الخط حتى نهايته المنطقية الحزب الشيوعي الإصلاحي السابق في المملكة المتحدة، والذي يرتبط أغلب أعضائه السابقين حاليا بجماعة ليبرتاريي السوق المتحلقة حول مجلة سبايكد. Spiked 
ونحن الآن إزاء مأزق. فعلى الرغم من عقود من الضغوط بقي لب مؤسسات دولة الرفاه كما هو. وما يحمي دولة الرفاه في أغلب الدول هو إحساس الشعوب بأنها العمود الوحيد الذي يمكنهم الاعتماد عليه في مواجهة بؤس البطالة والمرض والشيخوخة. غير أن خصوم الرفاه باقون، وهم في الغالب مثلما نراهم ممتلئون أيديولوجيا بمختلف أشكال الإيمان بالشقاء، ولكنه الشقاء للآخرين.
وإذن، نحن بحاجة إلى برنامج بحثي جديد، ينظر كيف يعمل الشقاء فعلا. هل الجوع أو البطالة أو فقدان فرد من الأسرة إثر مرض كان يمكن الوقاية منه يجعل الشخص أكثر قوة وأفضل طبيعة؟ هل الكدح وراء المزيد والأفضل من الممتلكات أكثر إشباعا من الاكتفاء بما لديك؟ واضح من طريقة عرضي لهذه الأسئلة أي إجابة لها عندي. ولكن البحث العميق في اقتصاديات الشقاء قد يؤدي إلى أجوبة مدهشة على هذه الأسئلة، ويولد أسئلة جديدة لم نفكر فيها قط من قبل.
ربما بوتان سوف تقود الطريق مرة أخرى. فلقد سمحت الملكية الأبوية هناك بانتخابات ديمقراطية أفرزت الجولة الثانية منها فوز حزب الشعب الديمقراطي العام الماضي برئاسة تشيرينج توبجاي. ومن الدال أن تشيرينج توبجاي تخلى عن استهداف إجمالي السعادة المحلية. وقال لنيويورك تايمز إنه "بدلا من الكلام عن السعادة، نريد أن نعمل على تقليل العقبات المعرقلة للسعادة". مثل هذه النظرة البرجماتية قد لا تجعل من تشيرينج توبجاي أيقونة ثقافية كسابقه، لكن من المرجح أن تكون أكثر نفعا في التخفيف عن شعب بوتان، وتقليل ألوان البؤس المفروضة عليهم بسبب الفقر.

جون كويجين أستاذ الاقتصاد بجامعة كوينزلاند. صدر أحدث كتبه عن مطبعة جامعة برينستن بعنوان "اقتصاديات الزومبي".

نشر المقال أصلا في مجلة أيون ونشرت ترجمته قبل أيام في جريدة عمان




¨  هناك باحثون آخرون ـ مثل "جوستين وولفرز" و"بيتسي ستيفنسن" ـ ممن يستخدمون قياسات أخرى للسعادة، وهؤلاء اكتشفوا أن رابطا مهما من الناحية الإحصائية وإن يكن محدودا نسبيا، بين ازدياد الدخل والاعتراف الشخصي بالسعادة بمرور الوقت.
[i]  منهجية لتحديد صواب الفعل بناء على الموازنة بين ما يترتب عليه احتمالا من المتع والآلام (وبستر على الإنترنت) وتشير ويكبديا إلى أن المنهجية يطلق عليها أيضا "حسبة المنفعة" و"الحسبة المتعوية"