الأحد، 8 ديسمبر 2013

الصهيوينية كما يراها اليسار الإسرائيلي

الصهيوينية كما يراها اليسار الإسرائيلي

ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها

 

 


 

سوزي لينفيلد

ليس سرا أن اليسار الإسرائيلي مهمَّش، وأن الهجمات الانتحارية التي شهدتها الانتفاضة الثانية (2000-2005) لم تكتف بقتل أفراد من المدنيين الإسرائيليين، بل قتلت كذلك مصداقية اليسار ذاتها. فالأجساد الممزقة ـ لا سيما أجساد الأطفال وكبار السن ـ في الأسواق والمقاهي والحافلات جعلت من الصعب على أي أحد، إن لم يكن من المستحيل عليه، أن يتكلم عن حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ـ أو ربما أي حل على الإطلاق.

ولم يحدث منذ ذلك الحين، على المستويين الداخلي والخارجي، ما يفضي إلى تعافي اليسار. ولكن سلسلة من الحوارات أجريتها مع يساريين إسرائيليين ـ منهم الصحفيون والأكاديميون والمؤرخون ـ في يونيو الماضي في القدس وتل أبيب، صدمتني لا بما رأيته فيهم من يأس فقط، بل وبما رأيته من حيوية يبدو أنها ناجمة عن ثراء الحياة المدنية الفكرية والثقافية القائمة جنبا إلى جنب مع مشهد سياسي موحش، وهي وإن تكن قائمة بجانبه إلا أنها في الوقت نفسه منفصلة عنه. سررت أيضا بمدى تعقد التحديات التي يواجهها اليسار الإسرائيلي، والتي غالبا ما يجري تبسيطها واختزالها في الصحافة الغربية. تتضمن هذه التحديات ـ علاوة على احتلال المناطق الفلسطينية ـ النزعة اليمينية إلى القومية العرقية الإقصائية، والاضطرابات العنيفة في الدول العربية المحيطة، لا سيما دولتي الجوار مصر وسوريا، واستمرار حكم حماس في غزة، واللامبالاة السياسية، أو ربما الوهن المستشري في المواطنين الإسرائيليين. وحسب ما قال لي "إيلان جريلسامّر" الأستاذ في جامعة بار إيلان، فإن "كبرى مشكلات الطلبة هي عدم التسيس  depoliticization. فلا هم مع الصهيوينية ولا ضدها، بل ينزعون إلا اللامبالاة بكل أيديولوجية". وهناك، من بعد، تلك الجوانب العاطفية، وربما غير الواعية، من جوانب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني التي تفسر جزئيا ضراوته اللافتة. وكما يقولها الصحفي "جريشوم جورنبرج": "إن لدينا مواجهة بين شعبين في غاية العصابية".

كان من المدهش أيضا ما رأيت من مفاجآت كثيرة ـ كالأصالة في التفكير والابتعاد عن الأنماط التبسيطية ـ لدى من حاورتهم. فواحد ممن لم يقدموا اعتذارا عن قولهم بضرورة "تكسير عظام الجيش المصري" في حرب 1967 هو من بين قدامى المناصرين لقيام دولة فلسطينية ومن أشرس المنتقدين للتمييز ضد عرب إسرائيل، وواحد آخر ممن حاورتهم يريد "إخلاء إسرائيل من الصهيونية"، ويعارض كلا من عودة اللاجئين الفلسطينيين "وحل" الدولة الواحدة.

ما يلي تقرير بما عرفته. لا أقول إنه مسح علمي، بل بالأحرى سرد انطباعي. ومع ذلك فسوف يقدم ـ فيما أرجو ـ صورة لليسار الإسرائيلي المعاصر أكثر اكتمالا من الصورة التي غالبا ما تظهر في الصحافة الغربية، الرئيسية منها واليسارية (والأخيرة، لا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا، تميل إلى النشر للمغتربين الإسرائيليين المناهضين للصهيونية من أمثال "إيلان بابّي" و"آفي شاليم" الأمر الذي يفضي إلى المغالاة في أهمية آرائهم التي لا تمثل داخل إسرائيل إلا هامشا بالغ الضآلة). وبحسب ما يلاحظ "جورينبرج" ـ الذي يصف نفسه بـ "اليهودي الصهيوني الأورثوذكسي المتشكك اليساري" ـ فإن "البُعد يمحو التفاصيل. ويصبح من السهل للغاية أن تكون على يقين إزاء مكان أنت في غاية البعد عنه".

***

جميع من تكلمت معهم يشتركون في اعتقاد مهيمن، خلاصته ببساطة، أن: احتلال الضفة الغربية لا بد أن ينتهي. هذا ما وصف بالشرط الأساسي، أو بالمهمة العاجلة ـ سياسيا وأخلاقيا ووجوديا ـ التي يقوم عليها كل ما عداها. والحق أنه ليس من المتخيل أن يتخذ شخص يعتبر نفسه يساريا أي موقف آخر. (هناك إسرائيليون بالطبع يعارضون الاحتلال لكنهم لا يعتبرون أنفسهم يسارا) الانقسام الرئيسي داخل اليسار ليس على الاحتلال ذاته، بل بين القائلين بحل الدولتين والقائلين بحل الدولة، الذين يمثلون أقلية شديدة الصغر وإن تكن واضحة. يؤمن يسار حل الدولتين ـ اليسار الصهيوني ـ بدولة علمانية للشعب اليهودي توفر حقوقا متساوية لجميع المواطنين، وتوجد بجوار دولة فلسطينية. بينما يعتبر اليسار المناهض للصهيونية أن الدولة اليهودية فاقدة للشرعية، ويناصر تكوين دولة ثنائية القومية. (ومن آيات السخرية، أو مما يتسق والمنطق بحسب وجهة نظرك، أن حل الدولة الواحدة هذا يتبناه بعض غلاة اليمين، وبعض المستوطنين، وحماس: فهؤلاء جميعا يؤمنون أن فلسطين الانتداب كل غير قابل للتجزؤ). وفي أوساط اليسار المؤمن بحل الدولتين ثمة اختلاف على كيفية إنهاء الاحتلال أو على ما إذا كان يمكن أن ينتهي، وعلى مكان المستوطنات في سياسات الصهيونية.

في حين أن "اليسار" في الولايات المتحدة وبريطانيا وأغلب أوربا الغربية هو مرادف تام لمناهضة الصيونية، فإن ذلك أبعد ما يكون عن الصحة داخل إسرائيل. فأغلب الذين حاورتهم يتكلمون عن أنفسهم بلا تردد ولا إحساس بالذنب بوصفهم يساريين وصهاينة، واثقين أنه ما من تعارض بين الاثنين. "أستطيع أن أعرّف نفسي باليساري الصهيوني" هكذا يقول "جريلسامر"، 65 عاما، كاتب سيرة "ليون بلوم" والمشارك في مظاهرات مايو 68 في وطنه الأصلي فرنسا. "من ناحية، نحن نقف إلى حد كبير ضد اليمين الإسرائيلي، والحكومة الحالية، والمستوطنين. وأنا أناصر حل الدولتين، وواضح جدا أنني دائم الاندهاش ممن يفكرون بطريقة أخرى. وأنا صهيوني، لأن من حق الشعب اليهودي أن تكون له دولة في فلسطين".

هناك وعي حاد بين الصهاينية اليساريين بأن مشروعهم السياسي الأخلاقي ـ الذي يزداد انحرافا عن سياسات الدولة الإسرائيلية ـ يعاني مرضا عضالا. "زيف شتيرنهيل" أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، 78عاما، خبير في الفاشية الأوربية وناقد حاد للاحتلال والمستوطنات، ولما يطلق عليه مصطلح "النزعة العكسية" في السياسات الداخلية الإسرائيلية التي تنحو منحى عنصريا فيما يتعلق بالمواطنة. ولعله الصهيوني الوحيد الذي نشرت له "نيو ليفت رفيو". يقول شتيرنهيل ـ الذي تعرض في عام 2008 لإصابة من جراء قنبلة زرعها في سيارته مستوطن أمريكي المولد ـ "إننا لو لم نتمكن من أن نوجد دولة إسرائيلة ودولة فلسطينية متجاورتين ـ وتكون الدولة الإسرائيلية ليبرالية منفتحة ـ ولو أن القصة هي أن نصبح دولة ذات قوميتين: فهذه نهاية الصهيونية، وبداية شيء مختلف ليس لي على المستوى الشخصي أي اهتمام به. فلو أن كل ما أردت الانتماء إليه هو مجتمع يهودي لكان بإمكاني أن أعيش في نيويورك أو باريس. ولكنني هنا لأنني أريد شيئا آخر".

ما هذا الشيء الآخر؟ يوضح: "قبل وقت غير بعيد كنت أتكلم مع ليبرالي أمريكي شهير، ليبرالي يهودي، قال لي ’ما العيب في دولة ثنائية القومية؟ لكم أن تحتفظوا بلغتكم، وثقافتكم’. وهذا بالضبط ما أراه عيبا فيها. لأن ما كنا نصبو إليه لم يكن ثقافة عبرية وأدبا عبريا، بل كنا نصبو إلى سيادة وطنية. أنا لست متدينا: ويهوديتي ليس فيها عناصر كثيرة سوى الدولة والسيادة. فالدولة ثنائية القومية بالنسبة لي هي نهاية الحكاية". السؤال الملح الخطير الذي يواجهه الصهاينة اليساريون من أمثال جريلسامر وشتيرنهيل هو: هل يمكن عكس مسار اتجاه ما يمكن أن نسميه بالصهيونية القائمة بالفعل؟ هل يمكن لقصة الصهيونية اليسارية أن تستمر؟ أم أنها سوف تلحق بمشاريع القرن العشرين السياسية الفاشلة ـ لا سيما المشاريع الطوباوية ـ إلى مزبلة التاريخ الشهيرة؟

على الرغم من الاتفاق على شناعة الاحتلال، استشعرت انقساما جيليا داخل اليسار الإسرائيلي: في كيفية نظره إلى الصراع، واليسار الدولي، والصهيونية ذاتها. من الصعب على غريبة مثلي أن تعرف مدى اتساع هذا الانقسام أو عمقه، ولو أن البعض من أبناء الجيل الأكبر ـ الذين كانوا واعين في 1968 أو نحو ذلك ـ  يصر على أن الانقسام بسيط للغاية. وإن كنت غير واثقة أن "نوم شيزاف" يشاطرهم الرأي.

شيزاف، 38 عاما، صحفي عميق الفكر، يشارك في مجلة +972 الإلكترونية النشيطة المعارضة لحكومة نتانياهو في جميع القضايا تقريبا، ولليساريين الإسرائيليين في بعضها. (من مقالاتها الحديثة: "مساوئ السياسة العسكرية في إسرائيل" و "الإدمان الكولونيالي: سياسات حكومة نتانياهو الملتوية"). خلافا لمن كبروا في ستينيات القرن العشرين، لم يعرف شيفاز يوما إسرائيل بغير احتلال. وفيما يتعلق بكراهية اليسار الدولي لإسرائيل يقول: "في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كان اليسار يتمرد على آبائه الذين لزموا الصمت أثناء الحرب العالمية الثانية. لو أنهم تجاوزوا الخمسين، فهناك فرصة لأن يكونوا بالفعل قد سئموا فكرة مواجهة إسرائيل". وهذا زعم مشكوك فيه، فبعض زعماء حركة المقاطعة المناهضة لإسرائيل، على سبيل المثال، ينتمون إلى أجيال أكبر، كما هو حال رئيسي تحرير نيو ليفت ريفيو، ولندن رفيو أوف بوكس المناهضتين للصهيونية. (رئيس تحرير المجلة الأخيرة يبلغ من العمر خمسة وسبعين عاما ويصف نفسه بـ "المعادي السافر لإسرائيل"). النقطة التالية في كلام شيزاف أكثر دقة: "لو أنك تحت الخمسين، وبالذات لو أنك تحت الأربعين، فمن البديهيات بالنسبة لليسار الدولي أن تكوني بحاجة إلى رفض السياسات الإسرائيلية واعتبار الصهيونية نمطا من الكولونيالية لا بد من البحث عن بديل له. فالصهيونية بالنسبة لهم تمثل جهدا مستمرا لتهميش الغير، وخداعهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم". بالنسبة لشيزاف ـ وهو صبار [Sabra  أي مولود في إسرائيل] خدم في الجيش الإسرائيلي أربع سنوات ـ هناك القليل جدا، لا الكثير للغاية، من الأعمال الدولية المخزية تجاه إسرائيل. "في الوقت الراهن، ينصب تركيز اليسار الدولي على الاحتلال، وهم محقون في هذا. فالاحتلال شر. لا يدانيه في ذلك شيء آخر. في رأيي، إسرائيل لا تحظى بالقدر الكافي من الانتقادات".

في عشاء حضرته في تل أبيب مع شيزاف ومجايلين له من دارسي الفلسفة الحاليين أو السابقين، ومنهم من درس على يد الفيلسوف والناشط المناهض للاحتلال "آدي أوفير" ـ رأيت معارضة شديدة للاحتلال، ودعم إنشاء دولة واحدة بدا جوهريا، وازدراء مؤسسة الحكم الراهنة كان طاغيا. (وهم في هذا المعني يشبهون الأمريكان اليساريين شبها كبيرا). سخر بعض الحاضرين بلا مواربة من فكرة الخطر الإيراني ومن فكرة المساواة بين نقد إسرائيل ومعاداة السامية، وهو أمر أستبعد أن يشاركهم فيه آباؤهم. وثمة مفارقة أخرى فاعلة في هذا المقام: وهي أنه على الرغم من أن هؤلاء الشباب قد يصفون أنفسهم بما بعد الصهاينة أو حتى المناهضين للصهيونية، فإنهم أنفسهم منتجات الصهيونية التي كانت تطمح إلى تكوين أمة من يهود لا يكبلهم الخوف.

ترجع غلطة إسرائيل الأساسية ـ بالنسبة للبعض ـ إلى عام 1967 ذاتها: ولا تتمثل الغلطة في خوض حرب الأيام الستة والانتصار فيها ـ فهذه تُرى بمثابة الضرورة ـ بل فيما أعقبها، أو بالأحرى ما لم يعقبها. يقول المؤرخ "بيني موريس"، 64 سنة، مؤلف الكتاب الرائد "ميلاد مشكلة اللاجئين الفلسطينية، 1947ـ1949" وأحد أصلاء "المؤرخين الجدد"، يقول إنه "في عام 1967، كان علينا أن نهزم الجيوش العربية. ثم كان ينبغي أن ننسحب من الضفة الغربية، من جانب واحد، أي بدون حتى اتفاقية سلام، نخرج وحسب". وفي هذه الحالة كانت القمة العربية المعقودة في الخرطوم في سبتمبر 1967 ـ التي أكدت على أنه لا سلام مع إسرائيل، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات مع إسرائيل ـ لتفقد أية قيمة لها. موريس يعتبر عدم انسحاب إسرائيل ـ على الرغم من العداوة المحاطة بها ـ "خطأ تاريخيا رهيبا". وهو ما أراه مدهشا بعض الشيء، في ضوء أن موريس انحرف كثيرا خلال السنوات الأخيرة عن مواقف اليسار وبات لا يعتقد أن أغلب الفلسطينيين سوف يوافقون على حل الدولتين أو يلتزمون به على أقل تقدير. لكن مهما يكن، يقول موريس، "علينا أن نخرج من المناطق"، وبدون توقيع معاهدة لو لزم الأمر، فالبقاء إلى الأبد "ليس خيارا". لكن الانسحاب الأحادي هذا أمر لا يقره اليساريون الإسرائيليون جميعا، لاعتبارات تتعلق بما يستتبعه من تطورات. يذهب الناقد الأدبي وناشط السلام القديم "نيسيم كالديرون"، 66 سنة، إلى أن "فكرة الانسحاب الأحادي كانت جيدة للغاية سنة 67، لكنها بمرور السنين أصبحت خاطئة. لا بد من اتفاقية مع الفلسطينيين على الحد الأدنى، وإلا فإن ما سنتركه خلفنا سوف يتحول إلى منطقة أخرى لحماس".

 

غير أن أحدّ خلاف شهدته هو الخلاف على مستوطنات ما بعد 67، لا سيما فيما يتعلق بما تعنيه بالنسبة للصهيونية. هل المستوطنات جوهر الصهيونية، أم نقض لها؟ هذا الجدال في إسرائيل جدال سياسي في عمقه وليس تنظيريا. وفي حوار أجريته في مايو الماضي في برلين مع المؤرخ الإسرائيلي الألماني "دان داينر" قال إن للمستوطنين ـ وهم قلة صغيرة ـ كل هذا النفوذ الهائل في إسرائيل لأنهم يمثلون إرادة الشعب الإسرائيلي الأعم، إرادته الجمعية اللاواعية. شأنهم في ذلك شأن الانتحاريين بين الفلسطينيين حسب ما أكد داينر. ووفقا لهذه الرؤية، فإن الغالبية في جوهرها تحيل أعمق قيمها، أو أعمق مخاوفها وأمنياتها على أقل تقدير، إلى الهامش الأبعد الذي، من ثم، لا يكون الهامش ولا الأبعد على الإطلاق. ولا يكون من المدهش في شيء أن يعتقد داينر، 67 عاما، أن الصراع غير قابل للحل. "بوسعك أن تقسّمي عقارا، أما المقدس، فهو غير قابل للتقسيم".

يضع شيزاف نظرية مماثلة، على الأقل فيما يخص الإسرائيليين. لقد لقيت المستوطنات الواقعة خارج نطاق الخط الأخضر دعم جميع الحكومات الإسرائيلية ـ من الليكود ومن العمل ـ منذ 1967، فهي ليست نتاج عمل سري يتم تحت الأرض. وعليه، يذهب شيزاف إلى أن "المستوطنات كانت دائما مشروعا وطنيا. والظن بأن أقلية قد أرغمت الدولة عليها هي محض خرافة يسارية غايتها خداع للذات".

غير أن هناك من يذهبون إلى أن المستوطنات تمثل تحولا مشوها للصهيونية وليس وجها حقيقيا. ولقد عرضت هذه الرؤية عرضها الأكثر إقناعا في كتاب جورنبرج الصادر في 2011 بعنوان "تفكيك إسرائيل" [The Unmaking of Israel] الذي ذهب فيه إلى أن المستوطنات تمثل فشل إسرائيل في "التحول من ثورة إلى مؤسسة، من حركة إلى دولة". فما كان ثوريا في عام 1947 (أو 1927) ـ أي استصلاح واستزراع مناطق جديدة ـ صار رجعيا في 1968 (أو اليوم). إن مستوطنات ما بعد 1967، في نهاية المطاف، تبطل تقسيم 1947 لفلسطين الذي أيده الصهاينة. وهي تعيد توفير شروط الجيتو بوضعها أقليات من اليهود وسط أغلبيات معادية، وتلك على وجه التحديد هي ورطة الشعب اليهودي التاريخية التي استهدفت الصيونية تغييرها تغييرا حاسما.

في حوار في مقهى بالقدس، أكد جورنبرج، 57 عاما، أن المستوطنات "مسئولية جميع" الإسرائيليين. ولكنه أسهب في فرضيته الأصلية فقال إن المستوطنة "تتلاءم كوسيلة وكقيمة مع الفترة الثورية، ولكنها عند التطبيق على دولة ذات سيادة تكون أشبه بمرض منيع. فهي تنقلب على نفسها، تنقلب على الدولة". ويساوي جرونبرج ـ الذي ولد في سان لويس ونشأ في كاليفورنيا ـ ما بين القيم الأمريكية  المتعلقة بامتلاك سلاح و"الفردية العاصفة  rugged individualism". فامتلاك السلاح قد يكون نافعا، بل وضروريا، في مجتمع حدودي ناء، لكنه "أمر غير ملائم بالمرة في مجتمع مدني ما بعد صناعي ـ مجتمع معقد كل فرد فيه يعتمد على بقية الأفراد. الفردية العاصفة تدمر أمريكا"، برغم أن كثيرا من الأمريكيين قد يصرون على أنها ـ برغم ذلك ـ تمثل قيمة أمريكانية أصيلة. و"القوة العسكرية وحب الأرض"، بالمثل، بالنسبة لإسرائيل "كانا لازمين لتكوين الدولة، وبمجرد تكوين الدولة، أصبحا أمرين إشكاليين بصورة لا تصدق. وذلك ما يجعل تحريرنا أنفسنا من كل هذا أمرا بالغ المشقة".

شترينهيل، بدوره، يعتبر مشروع المستوطنات جزءا من العجز الإسرائيلي عن إدراك الفوارق الأساسية بين الحركة الثورية التي تحتاج إلى الأرض، وبين الدولة الديمقراطية الممأسسة التي تحتاج إلى الحدود الثابتة، والاستقرار، وسيادة القانون، والمكان القائم بين مجتمع الأمم. يقول إن "الحصول على الأرض كان هدف الصهيونية الحقيقي. كذلك كان الأمر حتى ما قبل 1948، وكان ينبغي أن يتوقف في 49، ولكن ما بعد 67 لم يكن إلا استمرارا لقصة ما قبل 48. أصبح اغتنام الأرض من جديد مأربا رئيسيا للدولة. هذه هي المشكلة التي لم نستطع منذ أكثر من نصف قرن أن نجد لها حلا. ونحن الذين خلقناها بأيدينا". وتشير التجربة الإسرائيلية فيما بعد 67 إلى أن الدولة إذا لم تنضج بحيث تتجاوز حالتها الثورية، إنما هي دولة تخاطر ـ في أفضل الحالات ـ بإبطال سبب وجودها نفسه، بتدمير نفسها (وانظروا مثلا إلى الصين أثناء الثورة الثقافية). وهنا تظهر مفارقة أخرى: إن أي دولة فلسطينية مستقبلية سوف تواجه ـ بصورة شبه يقينية ـ نفس مشكلة التحول إلى المرحلة ما بعد الثورية التي ثبت أنها مزعجة حقا بالنسبة للإسرائيليين.

يعتقد جورنبرج ـ أن إخلاء المستوطنات ممكن بالقطع. وذلك أيضا ما يراه "برادلي بيرستن"، 61 عاما، الذي يكتب عمود "مكان خاص في الجحيم" ليومية هاآرتس اليسارية اللبرالية التي تعد من أكثر الصحف تأثيرا في إسرائيل. "لكي تتخلص من المستوطنات، تحتاج إلى زعيم في اليمين تتوفر لديه الإرادة لذلك. لقد أيد 67% شارون في الانسحاب من غزة.  وليس هذا بالمجتمع الذي يؤيد المستوطنين ضمنيا. لقد قام [مناحم] بيجن بتفكيك مستوطنات سيناء وكانت إسرائيل بالكامل تدعمه. والدعم الشعبي ـ في نهاية المطاف ـ سيكون موجودا". غير أن نظرة بيرستن المتفائلة هذه أبعد ما تكون عن الشيوع. فالانسحاب من الغزة اقتضى ـ بجانب العديد من العوامل الآخرى ـ إعادة تسكين قرابة 8500 مستوطن، في مقابل نحو 350000 مستوطن يعيشون الآن في الضفة الغربية و185000 في القدس الشرقية. علاوة على أنه ـ حسبما يبيّن شتيرنهيل ـ حتى حينما كانت المستوطنات قليلة والمستوطنين ضعافا، لم تكن "الطاقة"، و"الشجاعة"، و"الإرادة السياسية" لإيقاف الاستطيان موجودة.

يكتب ديفيد شولمان ـ أستاذ اللغويات بالجامعة العبرية، 64 عاما، عن إسرائيل في "ذي نيويورك رفيو أوف بوكس"، وهو ناشط قديم في جماعة تعايش الفلسطينية الإسرائيلية اليهودية المناهضة للاحتلال. شولمان يعرف الضفة الغربية تمام المعرفة، والفلسطينيون بالنسبة له ليسوا شيئا مجردا. يقول إن أمله الأساسي في التغيير يكمن في مواطنيه الإسرائيليين، ولكن مع الفلسطينيين ـ أو لمزيد من الدقة، مع إمكانية أن يقوم الفلسطينيون بتكوين "حركة مقاومة غير عنيفة، أو غير عنيفة جزئيا. ولا يعني ذلك أنهم قادرون على ذلك. أنا لا أعرف إن كانوا قادرين". يذهب شولمان إلى أن إسرائيل لا ـ ولن ـ تستطيع أن تذبح جماعات من المعارضة السلمية، "فما من سبيل يمكّنها من قتل آلاف الفلسطينيين". ولكنه يحذر، مع ذلك، من أن الفلسطينيين سوف يتكبدون خسائر حتى في ظل سلمية الحركة، إذ "سوف يتعرض البعض منهم لإطلاق النار". وبرغم هذه المخاطر، فيما يقول شولمان، فإن الصيغة غير العنيفة "وصلت إلى المتن الأساسي من الناشطين الفلسطينيين. أنا لا أفكر في حماس، فتلك قصة أخرى".

على الرغم من توسع المستوطنات السرطاني، يرفض أغلب من تحاورت معهم فكرة أن تكون المستوطنات تمثيلا لجوهر الصهيونية، أكثر مما تمثل الدولة البوليسية جوهرا للاشتراكية. فحتى شيزاف ـ الذي يعيش عمره كله مع الاحتلال ـ يقول "إنني لا أعتقد أن الأيديولوجيات تتمثل في أشياء، وأنا شخص مادي". وفي هذا يتوسع إيال تشاورز، 54 عاما، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب. يقول "لا وجود لـ ’جوهر’ للصهيونية. فالصهيونية حركة شديدة التغير في خواصها". اعتنقها العلمانيون والمتدينون، الاشتراكيون والرأسماليون، دعاة الحرب ودعاة السلام، القوميون والعالميون، بل إن المرء ليتساءل ما الذي يجمع فاشيا صرفا مثل زيئيف جابوتينسكي بمنظّر ماركسي مثل بير بوروتشوف. ويمضي تشاورز فيقول إن "النظرة إلى التاريخ وكأن الاحتلال ضرورة هي نظرة محدودة للغاية". الغريب أن اليساريين الدوليين الذين يدافعون بعنف عن مقدرة الماركسية على الازدهار بمختلف السبل ـ وعلى الاستمرار في توليد نفسها ـ يصرون في الغالب على أن الصهيونية لا يمكن أن يكون لها إلا مصير واحد ومحدد بصرامة.

في كتابه الصادر سنة 2007 بعنوان "الأمل الأسود: العمل من أجل السلام في إسرائيل وفلسطين" تساءل شولمان كيف لإسرائيل "وقد كانت ذات يوم موطن المثاليين والإنسانيين الطوباويين، أن تكون أيضا هي التي أنشأت وأطلقت العنان لمشيحانية  messianismقاتلة، وانتحارية في نهاية المطاف". واعتبر هذا التطور "لغزا وأحجية تاريخية". وفيما كان جالسا في صالة بيته في القدس، مضى يعبر عن نفس الحيرة المنطوية على الرعب ـ والتي تلمح إلى نقيض الحتمية ـ إزاء منحنى السياسة الإسرائيلية. الاحتلال، والمستوطنات، والعنصرية: "على المرء أن يقول إن هذا الجانب المظلم كان كامنا وظهر وساد. لا أعتقد أنه كان أصيلا. أتصور أن مثل هذه الأمور السائدة اليوم كان لتعتبر في العقود الأولى بمثابة الانحراف والضلال. أما الآن فقد بتنا في وضع من لديهم نظام كامل للاحتلال. لا أتصور أن يذهب أحد إليه فيراه وهو فاعل دون أن يصل إلى الحكم عليه بالتوحش. النظام ككل، يصعب على المرء أن يصدق أنه وصل إلى هذا الحد".

أضخم التحديات التي تواجهها الصهيونية ـ فيما يرى تشاورز ـ هو إقامة الدولة، وقد فشلت فيه إسرائيل فيما يرى. وهذا تحليل مدهش بعض الشيء، نظرا لأن الصهاينة الأوائل ـ حتى في مرحلة ما قبل الاستقلال في 48 ـ كانوا شديدي النجاح في إقامة المؤسسات اللازمة لدولة ديمقراطية ناجحة، ومن ذلك الاتحادات المهنية، والأحزاب السياسية، والنظامين التعليمي والصحي، والقضاء، والبرلمان، والصحافة الحرة، والجيش. بل إن بعض أعضاء السلطة الفلسطينية في رام الله قالوا علانية إنهم يحاولون استنساخ النموذج الصهيوني الأول. ولكن يهود الشتات ـ فيما يحاجج به تشاورز ـ لم يكن لديهم مجال عام ولا مقدرة على إقامة مؤسسات سياسية ـ ناهيكم عن أن تكون ديمقراطية. وعلى الرغم من أن اليهود كانت لهم مكانة مرموقة في الحركات الثورية واللبرالية التي شهدتها أوربا القرن التاسع عشر ـ والعشرين ـ لا سيما الاشتراكية والشيوعية منها، إلا أن اليهود ـ كيهود ـ تأخروا نسبيا في اللحاق بمشروع الحكم الذاتي. وتشاورز ـ شأن شتيرنهيل ـ يحدد الأزمة الراهنة في أسبقية المادي على الديمقراطي. يقول تشاورز "إن إرثنا السياسي على مدار 1500 عام كان بالغ الضعف"، فـ "الارتباط بالأرض" ـ وهو قمية أساسية لدى الصهاينة الأوائل ـ أثبت  أنه "أقوى بكثير من الرؤية السياسية المشتركة. هذا المزيج من ضعف المجال السياسي ومشكلة الاحتلال، هذا المزيج أثبت أنه مدمِّر".

ومن سوء الحظ أن التكوين السياسي الضعيف هذا ـ لو أن له وجودا ـ قد يمثل عاملا مشتركا بين الفلسطينيين والإسرائيليين: "والمأساة هنا" فيما يقول تشاورز "هو أن لديك حركيتن وطنيتين يسيطر عليهما الارتباط بالأرض. لا تريان الدولة شيئا مركزيا. والأمر لدى الفلسطينيين أفدح [مما هو لدى الإسرائيليين]". وقد أعرب العديد ممن قابلتهم عن شيء من الشك فيما إذا كان أغلب الفلسطينيين ـ وأكثرهم لا زالوا يعيشون في مجتمعات عشائرية ـ يريدون أن يقيموا لأنفسهم دولة حديثة مستقلة، أم هم يريدون استرداد أرض الأسلاف القائمة في إسرائيل.

إحساس الضحية ـ  الذي يبرره التاريخ بالقطع، والذي يتم إنماؤه باهتمام ـ  هو أيضا للأسف من العوامل المشتركة بين الشعبين. يلاحظ شولمان أنه "إذا لم يتبق في العالم معادون للسامية، فإن الإسرائيليين سوف يعيدون اختراعهم، وذلك ببساطة لكي يستمروا في الإحساس بأنهم ضحايا ـ وهذا في واقع الأمر هو التيار التحتي في القومية الحديثة. وهذا، بالمناسبة، يصدق أيضا على الفلسطينيين الذين لديهم هذا الابتهاج الهائل نفسه بأنهم ضحايا. وأنا أعتبر هذا اختيارا من نوع ما، قد لا يكون اختيارا واعيا تمام الوعي، لكنه اختيار برغم ذلك". إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ـ في ضراوته المقيتة وصلابته المضجرة ـ  مشحون بشتى أنواع المعاني السيكولوجية، وشتى أنواع الاختيارات.

ليس من المدهش أن الإسرائيليين في انسجامهم مع هذه الجوانب الجوانية غير العقلانية من جوانب الصراع يفوقون المراقبين الخارجيين الذين يشيرون في بعض الأحيان إلى أن صلب هذا الصراع إنما يتعلق بمبادلة الأرض ولا شيء آخر. يوضح كالديرون أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يفرز "المتعصبين في الجانبين. لا يخطر في بال أغلب العرب أن إسرائيل الضئيلة هذه سوف تستمر في الفوز بالحرب تلو الحرب، وأن العالم العربي الضخم سوف يستمر إلى الأبد على ما هو فيه من ضعف. ولذلك لا تسمح الدول العربية للفلسطينيين أن يتقبلوا واقع قوتهم العسكرية الضعيفة. في الجانب الإسرائيلي، دأب رئيس الوزراء [السابق] ليفي إشكول على الكلام عن إسرائيل بوصفها ’شمشون التعيس’. إن الإسرائيليين ببساطة يطالعون الخريطة فيصيبهم الرعب. وإن شعبا مصابا بالرعب لن يميل إلى الإنصات لصوت العقل". وإن هذه القوى بالذات ـ أي الخوف والمذلة ـ هي التي لا بد من معالجتها حتى يتسنى العثور على أي حل دائم للصراع.

***

على الرغم من أن حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) لفتت الكثير من الأنظار في نيويورك ولندن ، إلا أنها فيما يبدو لا تمثل ثقلا يذكر في أذهان من يعيشون بتل أبيب أو القدس. ولقد أعرب بعض من تكلمت معهم عن ضيقهم منها ("البريطانيون يعظوننا نحن عن الكولنيالية؟).  ولكن البعض ذهب إلى أن المقاطعة ودعمها "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين قائمة على سوء فهم عميق للسياسات الإسرائيلية الداخلية، تقوم على فرضية غير تاريخية وغير مثبتة مفادها أن إسرائيل مع الاحتقار أو التخويف المتزايد سوف تتجه بطريقة ما صوب اليسار. وعلى العكس من ذلك: "اليمين الإسرائيلي هو الذي يحتاج إلى شيء من قبيل حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ليحوّل الانتباه عن الحجج اليمينية البالية [المدافعة عن المستوطنات]" فيما يرى بيرستن. "ولا هبة أفضل عند اليمينين الإسرائليين من اتهام إسرائيل بالدكتاتورية العنصرية غير الشرعية التي لا حق لها في الوجود. لو أنك قلت إن ’الخطيئة الأصلية’ كانت 1948، فأنت تخدمين اليمين الإسرائيلي. وقد أخرجت المستوطنات من الموضوع، لأنك بهذه الرؤية، جعلت من تل أبيب مستوطنة".

ربما لأنها حقيقة من حقائق الحياة الإسرائيلية، لم يشر إليها أحد ممن حاورتهم، تلك هي حقيقة أن أغلب الدول العربية المجاورة لإسرائيل تقاطعها بالفعل، وأنها تجتنب إسرائيل اقتصاديا وسياسيا وثقافيا منذ أكثر من ستة عقود؟ (خلال زيارة قمت بها إلى رام الله في خريف 2012، قال لي مسئول بالسلطة الفلسطينية إنه يرفض حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) جزئيا بسبب تاريخ المقاطعات لليهود كما في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، أو في العالم العربي منذ 1948). ما من جديد في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، كل ما فعلته أنها اقتدت بأيقونات تقدمية مثل ليبيا وسوريا والعراق في سعيها إلى تحويل إسرائيل إلى ما أطلقت عليه حنا أرندت بالأمة الـ "منبوذة".

جاء على ألسن كثير ممن قابلتهم ما ينطلق من إيمان بأن اللبراليين واليساريين في الغرب لا يفهمون، ولا يبالون بأن يفهموا، خصائص إسرائيل الثقافية والسياسية. إسرائيل مكان، لا هي رمز ولا مجاز، ليست الجزائر أو جنوب أفريقيا، وليست ضاحية يهودية في أمريكا. وهذه ليست وجهة نظر بل معلومة. يتهم شيزاف "اليهود الأمريكيين بأن لديهم رؤية مشوهة للمستوطنين ـ من الهارديم، وحتى من السفرديم ـ تقارب العنصرية. ورؤية للنخبة الإسرائيلية ـ اللبرالية والديمقراطية ـ تنطوي في واقع الأمر على تصور عن الذات. هم مرتبطون بفئة محددة من إسرائيل يشيطنون ما عداها. هناك في الشعب اليهودي، وفي اليسار، عجز عن إدراك الهوية الإسرائيلية المميزة التي تختلف كثيرا عن هوية اليهود الأمريكيين. هم يتصورون أن الإسرائيليين يهود [يتصادف أنهم] يعيشون في إسرائيل، وهذا خطأ. أنا يهودي الثقافة والتاريخ، لكن هويتي هي أنني إسرائيلي". هذا التمييز الذي يوضحه شيزاف ليس حديثا، فهو ملحوظ في واقع الأمر منذ أيام ما قبل الدولة. في رواية آرثر كوستلر الصادرة سنة 1946 بعنوان "لصوص الليل"، يلاحظ صحفي أمريكي ـ محقا! ـ أنه في حين يغرق أغلب اليهود "في الجيتو" فإن أهالي الكيبوتزات kibbutzniks  فصيلة جديدة "فقد توقفوا عن كونهم يهودا وصاروا عبرييين".

مثل شيزاف، يشعر "شلومو صاند" أستاذ التاريخ بجامعة تل أبيب بالاستياء من رفض اليسار الأجنبي لرؤية إسرائيل بما هي إسرائيل. وقلد سبق أن أغضب صاند، 66 عاما، الكثير من الإسرائيليين، بمن فيهم اليسار، بكتابه الصادر سنة 2009 بعنوان "اختراع الشعب اليهودي"، ومفهوم من عنوانه الاستفزازي سبب الغضب. (مع ذلك، أصبح من أكثر الكتب مبيعا في إسرائيل). أصبح صاند إلى حد ما اليساريَّ المعادي للصهيوينية المفضل لدى الخارج،  برغم أن هذا الخارج يثير ضيق صاند بمحاولاته أن يلبس بلده تواريخ شعوب أخرى وأمراضها ـ يرى صاند أن "حل جنوب إفريقيا" أي إلغاء الأبارتيد قد "تسبب في كثير من الأذى" لمقدرة اليسار الغربي على رؤية أية حلول واقعية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد انتهى أبناء جنوب أفريقيا إلى بلد واحد. ولكن كل هذا النماذج الماضوية لا تصلح. تكرار النموذج مأساوي دائما" ويضيف صاند أنه "ليس بوسع أحد أن يعيد التاريخ، فذلك يخلق مآسي جديدة. إنما التصحيح ممكن. والتعريف بما جرى ممكن. خلافا للرجوع. وهذا سبب رفضي لحق الفلسطينيين في العودة". برغم انتقاده لإسرائيل انتقادا قويا، ولاذعا في بعض الأحيان ("أشد مجتمعات العالم الغربي عنصرية، وأنا لا أبالغ") وللأيديولوجية الصهيونية، يعارض صاند إقامة دولة واحدة وينتقد ما يسميه "بنقيض الصهيونية الذي لا يفرق بين حق إسرائيل في الوجود وانتفاء حق إسرائيل في احتلال الشعب الفلسطيني". لقد شعر كثير ممن تحاورت معهم بالإحباط من عجز اليسار الغربي عن قبول الصهيونية وسيلةً لتقرير المصير الذاتي الوطني ـ وهي من قيم اليسار الأساسية ـ ومن إصراره أيضا على أن الصهيونية بطبيعتها غير لبرالية، في أفضل الحالات. يقول شتيرنهيل إن "الصهيونية لم تكن أكثر رجعية من أي حركة قومية أخرى. وإن علينا أن نناضل ضد هذه النزعات العرقية العضوية في الصهيونية، مثلما تفعل شعوب أوربا الشرقية، ومثلما فعلت شعوب أوربا الغربية قبل 1945. الصهيونية قومية، لا هي أسوأ من ذلك ولا أفضل". ولكنه يعترف برغم ذلك بـ "حقيقة أننا لم نستطع أن نقيم دولة على فكرة المواطنة [المتساوية]، ولم يكن ذلك صدفة". ويبقى هذا هو التحدي الذي يواجه الديمقراطية الإسرائيلية. يذهب جورنبرج إلى أن الأمريكيين، في ضوء نموذج الولايات المتحدة القائم على التعددية الثقافية، لا يفهمون "فكرة أن يريد شعب ذو ثقافة وتاريخ معينين حق تقرير مصيره". ومع ذلك، يضيف أن الصهيونية تعد مختلفة عن غيرها من القوميات، فـ "لكل شعب حق تعريف نفسه، إلا اليهود". ولقد قال لي تشاورز "كنت أقرأ مؤخرا أشياء أعطاها لي زميل وقال إنها من أمريكا، كتبها ناس من قبيل جوديث باتلر، وأصدقك القول، أنا مصدوم. عدم الاعتراف نهائيا بشرعية دولة اليهود ـ أنا محتار أمام هذا".

***

"طبيعي أن يكون هناك متفائلون ومتشائمون، وإن بداخل الكثيرين منا كلا الاثنين" هكذا يقول كالديرون عن الإسرائيليين. وقد لوحظ هذا التمزق على نحو خاص في ردود الأفعال على محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت في يوليو الماضي بدفع من وزير الخارجية الأمريكية جون كيري.

من خلال رسائل إلكترونية مع من حاورتهم في إسرائيل، يمكن تقسيم ردود الأفعال إلى فئتين: قليل من تفاؤل القلب، كثير من تشاؤم العقل. كتب أحدهم يقول: "ربما يجد الإسرائيليون أنفسهم وقد أبرموا اتفاقا بالصدفة". وكتب "نظريا، في مرحلة ما لن يكون من الممكن تحمل تكلفة الفشل".

بصفة عامة، كان إحساس الفجائعية العميقة يطغى على كثير ممن حاورتهم ـ بل وعلى بعض ممن دردشت معهم ـ لا سيما الأكبر سنا. هؤلاء قوم ولدوا قبل الاحتلال بكثير، وكثير منهم خاض حرب الأيام الستة، وبعضهم خاض ما هو أسبق منها. وتساءل أكثر من واحد منهم عما لو أن الصهيونية التي ناضلوا من أجلها طوال حياتهم بلغت نهايتها، وكان الحزن يغلف أصواتهم. وفيما كنت أصغي إليهم، كنت أسمع أحيانا أصوات البلاشفة من الحرس القديم في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك بدوره جيل عزة وتفان بذل جهدا هرقليا لخلق عالم جديد ـ عالم يحيطه الأعداء، شأن إسرائيل ـ ورأى الدمار، والتدمير الذاتي، يلحقان بالمثل السياسية التي أفنوا فيها أعمارهم. وهذا لا يعني أن إسرائيل سوف تنهار انهيار الاتحاد السوفييتي.

لم يتحدث واحد ممن حاورتهم عن "السلام" بالمعنى القديم للمصطلح ـ معنى أوسلو. جميع السيناريوهات المحتملة كان يكسوها الشك، والظن، والقلق. فيتساءل نيسيم كالديرون "كيف لامرء أن يفكر في حل نهائي لصراع يلتزم أكثر اللاعبين فيه بعدم إنهائه: إيران، المستوطنون، حزب الله، حماس، تريدين أكثر؟ كيف لامرئ أن يكون على يقين من أي شيء في وجود مصر اليوم، أو سوريا الغد، أو في ظل الاحتمال الجاري مناقشته حاليا بأن يجري انتخاب [اليميني المتطرف أفيجدور] ليبرمان رئيسا تاليا للوزراء في إسرائيل؟

يقول شيزاف إن الفلسطينيين والإسرائيليين بتاريخيهما مترابطون ترابطا لا انفكاك له، وإيضاحا لفكرته ينقل عن الشاعر الغنائي الإسرائيلي "ميئير آريل" قوله إن "في نهاية كل جملة عبرية ثمة عربي يجلس وفي يده أرجيلة". يذهب شيفاز، في ضوء اعتماد الطرفين بهذا الشكل على بعضهما البعض إلى أن "الصراع لا يمكن، وربما لا ينبغي، حله". ستبقى هناك معركة سياسية قائمة. ولكنني أريد أن يحل بدلا من السيطرة والعنف والقهر نموذج للتعاون، للتعويض.

يقول ديفيد شولمان "حتى الحل غير المثالي، الذي يمكن للطرفين بطريقة أو بأخرى أن يتقبلاه، النتائج المفيدة له سوف تكون مذهلة، وسوف تغير وضعنا الوجودي بالكامل". من سوء الحظ، أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يثبت استعصاءه استعصاء كارثيا على الحلول: استعصاءه حتى على السياسة نفسها.

الذين يظنون أن اليساريين الإسرائيليين مستعدون للتخلي عن بلدهم، برحيلهم عنه جماعيا، بتسليمه للفلسطينيين، بتركه لليمين ـ مخطئون. ولكن إحساس الكارثة في أوساط اليسار هائل. يقول شتيرنهيل ـ وهو كثير الأسفار في أوربا إن "الذين كانوا حلفاء لنا وأنصارا، في الوسط وفي اليسار، لا يفهمون ببساطة ما نفعله. إلى أين نحن ذاهبون. أخشى أنني أعرف يقينا إلى أين نحن ذاهبون. إلى الاصطدام بحائط". وهذا خبر جيد لمن يؤمنون أن المشروع الصهيويني جريمة عنصرية كولنيالية موصومة بالاحتلال وصمة لا زوال لها. أما لبقيتنا، وأزعم أن من ضمنها الفلسطينيين، فهذا ليس بالخبر الجيد بالمرة.

"إنني أفكر في الاحتلال كل يوم" هكذا اعترف لي إيال تشاورز في نوبة عاطفية قرب نهاية لقائي معه. "لا يمر عليّ يوم دون أن أشعر بالعار. إنما الفلسطينيون، لا أنا، هم الذين يعانون. ستة واربعون عاما، لا نحن عشنا ولا هم، ضاعت الحياة علينا جميعا".

 

نشرت في 13 نوفمبر 2013 في بوسطن ريفيو ونشرت ترجمتها في جريدة عمان في يومي 7و9 ديسمبر 2013