الاثنين، 1 أبريل، 2013

كل شيء قصص



كل شيء قصص
كيث ريدجواي

لا أعرف شيئا عن الكتابة. وذلك بلا شك من سوء حظي، إذ إنني أعيش منها. ولو لم تمانعوا، فأنا أيضا لا أعرف شيئا عن العيش. وكثيرا ما يطلبون منا نحن الكتاب ـ لا سيما عندما يوشك أن يصدر لنا كتب جديد ـ أن نكتب عن الكتابة. وأن نجري حوارات نوضح من خلالها كيف فعلنا ذلك الشيء الذي يبدو أننا فعلناه. بل إن منا من يقوم بالتدريس ـ مثلما بدأت أفعل مؤخرا ـ لطلبة يريدون أن يعرفوا سبيلا إلى تولي المنصب المرموق المتعلق بالكتابة القصصية. هؤلاء أقول لهم ابتداء: ليس لديَّ من أجلكم أي شيء. أنا لا أعرف أي شيء. فلا تنظروا إليّ.
لقد كتبت ستة كتب حتى الآن، ولكن ذلك بدلا من أن ييسر الأمر عليّ زاده تعقيدا حتى بلغ به حد العبث. فليست لدي أدنى فكرة عما أقوم به. وكل القرارات التي يبدو أنني اتخذتها ـ فيما يتعلق بالحبكات والشخصيات ومن أين تكون البداية وأين تكون النهاية ـ ليست بقرارات على الإطلاق. إنها تسويات. فالكتاب محض أمل. وأنا حينما أبدأ في قضم أظافري أدفع به لأرى ما يرى الآخرون فيه. وأنتظر في رعب أحكام هؤلاء الآخرين، أحكامهم التي تبدو ـ سواء جاءت إيجابية أم سلبية ـ ظالمة؛ لأنها أحكام يصدرونها على شيء أنا لم أفعله في واقع الأمر. إنما هي تتعلق بشيء وقع لي. الأمر أشبه قليلا بشخص يزحف خارجا من سيارة انبعجت عليه في حادثة فإذا به يجد في استقباله حشدا من الغرباء يرفعون إليه لوحة بالرقم القياسي الذي حققه.
من الواضح أن هناك ما يجري. ففي غضون كل بضع سنوات أنجح في الخروج بكتاب. وبالطبع هناك أشياء أعرفها. أعرف كيف أنتظر إلى ما قبل الدقيقة الأخيرة ثم أضع على الورق أي شيء. أعني الدقيقة الأخيرة السابقة على رحيل الفكرة إلى الأبد. أعرف كيف أستبعد كل ما يبدو لي ـ بعد حين ـ قسريا، عمديا، أو مفتعلا مفبركا. أعرف أنني لا بد أن أضع نفسي في القصة. لا أقصد ذلك بالمعنى الحرفي. بل بالمعنى العاطفي. لا بد أن أبالي بالذي أكتبه ـ سواء تعلق ذلك بالشخصيات، أما بما تفعله، أم بما تحس به أم بعلاقتها بالعالم. أعرف أن مهنتي هي أن أخلق منظورا. وأن أفرض هذا المنظور على القارئ. وأعرف أنني لكي أفعل ذلك بأي قدر من النجاح فلا بد لي ـ على نحو غامض ـ أن أخاطر بكل شيء. أعرف أنني لو لم ينفطر قلبي انفطارا في تأليف الكتاب أكون قد جانبت الصواب. ولست واثقا مما أعنيه بهذا بالضبط. ولكنني أعرف إحساسه تماما.
لا أقوم بأبحاث. وفي ضوء أنني انتهيت مؤخرا من كتاب عن اثنين من المخبرين السريين في لندن، يبدو قولي هذا على قدر ما من الحماقة. إذ ليست لدي أية فكرة حقيقية عما يفعله المخبرون السريون بأيامهم. ولذلك فقد لجأت إلى التخمين. افرضت أنهم لا بد يقومون بالتحقيق في أشياء. حاولت أن أتخيل كيف يكونون. وأنا شاهدت من الأفلام والمسلسلات مثل ما شاهدتموه أنتم. وقرأت مثل ما قرأتموه من قصص الإثارة الرخيصة. وأعرف أن كل شيء خيال قصص. كل شيء تقريبا. حتى البحث نفسه ما هو إلا خيال قصص بطيء، ما هو إلا وسيلة لطمأنة الكاتب. ولم أكن بحاجة إلى طمأنة. فأنا أحب الكتابة انطلاقا من الحيرة، والذعر، والإحساس بأن كل شيء موشك على الانهيار. لذلك أبحث عن الخيال في كل الأشياء.
وأعني ما أقول ـ كل شيء قصص. فأنت حينما تحكي لنفسك قصة حياتك، أو قصة ما جرى لك في يومك، فأنت تحرر وتكتب وتنسج سردية من نثار من الأحداث والتجارب العشوائية. حواراتك قصص. أصدقاؤك وأحبابك شخصيات أنت مخترعها. لقاءاتك معهم أشبه باجتماعات مع محرر كتابك ـ رجاءً، هم يتوسلون إليك، وأنت تتوسل إليهم، أعد كتابتي. يكون لديك تصور مسبق عن الأمور، وتفرض هذا التصور على ذاكرتك، وبهذه الطريقة تفكر، مثلما أفكر أنا، أنني أعيش شيئا قابلا للوصف. في حين أن ما نعيشه بالفعل، وما نخبره بالفعل ـ بحواسنا وبأعصابنا ـ ما هو إلا فوضى، بلهاء، وجميلة، وعبثية، ولا حدود لها.
لذلك أحب أن أستمع إلى الناس الذين ليس لديهم وقت للقصص. الذين لا يقرءون إلا السير الذاتية والكتب العلمية الشعبية. أحب أن أستمع إلى من يتكلمون عن موت الرواية. أحب أن أتلقى محاضرات عن تفاهة القصص، وتفاهة تأليف الحكايات. وكأن ذلك ليس ما نفعله جميعا، كل يوم، طول الحياة. إن القصص تمنحنا كل شيء. تمنحنا الذاكرة، والفهم، والبصيرة، والحياة. وبها نخترع أنفسنا والآخرين. وبها نشعر بالتغير وبالحزن وبالرجاء وبالحب وبها نحكي لبعضنا البعض عن بعضنا البعض. وكلنا، كما هو واضح، بارعون في هذا.

نشر الموضوع أصللا في ذي نيويوركر ونشرت الترجمة في جريدة عمان بتاريخ 7/9/2012