الأربعاء، 24 أبريل 2013

سري تشارلز سيميك



سري

تشارلز سيميك
مقارنة مع كسول أنا شخص في غاية النشاط.
وليم دين هاولز
للكتاب جميعا أسرارهم المتعلقة بطرائقهم في العمل. سري هو أنني أكتب في السرير. يا شيخ! لعلكم تقولون هذا، وقد علمتم أني مسبوق في هذا الأمر بـ "مارك توين" و"جيمس جويس" و"مارسل بروست" و"ترومان كابوتي" وكثير كثير غيرهم. بل إن "فلاديمير نابوكوف" كان يحتفظ ببطاقات الملاحظات أسفل مخدته حتى إذا جافاه النوم في ليلة وود لو يقضي الوقت في العمل. ومع ذلك، أنا لم أسمع عن شعراء غيري يؤلفون في السرير، برغم أنه: هل هناك ما هو أكثر طبيعية من أن يخط أحد قصيدة غرامية بقلمه الجاف متكئا إلى ظهر حبيبته؟ صحيح أن هناك "إديث سيتويل" التي كانت تستلقي في التابوت استعدادا لمواجهة هول الصفحة البيضاء، و"روبرت لويل" الذي كان يستلقي على جنبه على الأرض ليكتب، أو أن ذلك ما قرأته في موضع ما. وأنا فعلت ذلك مرات ولكنني أفضل أن تكون هناك مرتبة، ومن الغريب أن الأريكة لم تغرني قط، ولا الشيزلونج، ولا الكرسي الهزاز، ولا أيا من شتى أنواع الكراسي المريحة.
لسبب ما، لم أخبر أحدا بهذا من قبل. طبعا زوجتي تعرف، وكذلك جميع القطط والكلاب التي ربيناها. بل لقد كان منها ما يشاركني السرير فينعس قليلا بجواري، أو يشاهدني في توجس وأنا أتقلب من هذا الجنب إلى ذاك، وكثيرا ما أصطدم به دونما قصد، فيما أنا في عجلة من أمري أريد أن أدون  شيئا على كراسة صغيرة أو دفتر يكون بين يدي. فأنا لست من نوع الذين يجلسون في السرير وقد وضع الواحد منهم وراء ظهره مخدتين ومن أمامه صينية من ذوات السيقان التي يستعين بها الخدم إذ يقدمون للأثرياء إفطارهم وهم في أسرتهم. إنما أستلقي وسط فوضى الملاءات والأغطية، ونثار الصفحات والمسودات المهجورة وأوراق الملاحظات والكتب التي قد أحتاج إلى الاستعانة بها، وأجزاء من جسدي تظهر في مراحل متتابعة من التعري، فأظهر، يقينا، بمظهر غير المستريح، والأحمق بما يتجاوز القدرة على التصديق، خاصة أنني إن أنهضت من هذا المكان نفسي وسيَّرتها إلى الغرفة المقابلة لوجدت منضدة للكتابة صغيرة وخاوية من أي شيء اللهم إلا لابتوب فضي مغلق، ورفيع، وأنيق.
كتب "أندريه برتون" في إحدى قصائده السريالية أن "الشعر والحب الاثنين مكانهما السرير". وقد كنت صغيرا حينما قرأت ذلك، وفتنني لما أكد لي خبرتي الشخصية. حينما تتغلب عليَّ الرغبة في الكتابة، لا أجد أن لي خيارا سوى أن أكون في وضع أفقي، أو أن أسرع إلى السرير إن كنت نهضت منه قبل ساعات. أما الصمت أو الضجيج فلا يعنيان لي شيئا. في الفنادق أعلق على مقبض الباب لافتة "ممنوع الإزعاج" فآمن العاملات اللاتي ينتظرن لتنظيف غرفتي. ومن دواعي خجلي، أنني غالبا ما أعرض عن زيارات المتاحف، ومشاهدة المناظر الطبيعية، لأبقى جالسا أكتب في السرير. وما تنطوي عليه الكتابة في السرير من خطأ هو ما يشدني إليها. فليس أكثر إشباعا للمرء من كتابة شيء يشعر أن العالم يستنكره. كما أنني لأسباب مجهولة بالنسبة لي، أكون أكثر مغامرة في الخيال وأنا مستلق. في حين لا أملك وأنا جالس إلى منضدة إلا أن أراني كمن يلعب دورا. ويمكنكم القول إنني أمثل ـ في هذه القصيدة لجيمس تيت ـ كلا من القرد والعالم المجنون الذي يجري عليه التجربة:
تعليم القرد كتابة القصائد
لم تواجههم مشاكلُ
وهم يعلمون القرد كتابة القصائد:
في البداية قيدوه إلى مقعدٍ
وربطوا قلما في يده
(أما الورقة فكانت مثبتةً بالمسامير).
أحنى د. بلوسبَير كتفيه
وهمس في أذنه:
"أنت الآن مثل إله...
لم لا تجرب أن تكتب شيئا".
عادة العمل في السرير بدأت معي منذ الطفولة. فشأن كل طفل طبيعي لا يعاني من أية أمراض، كنت أدعي المرض في صباحات بعض الأيام حين لا أكون عملت الواجب وتكون أمي في غاية العصبية لأنها تأخرت بالفعل على العمل. كنت أعرف كيف أتلاعب بالترمومتر حين تضعه تحت إبطي فتظهر فيه الحرارة مرتفعة بما يكفي لإنذارها وإكراهها على إبقائي في البيت وعدم الذهاب إلى المدرسة. كانت تصيح وهي في طريقها إلى الباب "خليك في السرير"، فكنت أطيعها بضمير حي، وأقضي ساعات من أمتع الساعات في قراءة ذاكرتي، وفي أحلام اليقظة، والنعاس الخفيف إلى أن ترجع في العصر. مسكينة أمي. ربما تكون صدفة، ولكنني صعقت حينما عرفت بعد موتها أنها كانت في ثلاثينيات القرن الماضي توشك أن تتزوج موسيقارا صربيا في باريس لم يكن يحلو له تأليف الموسيقى إلا في البانيو. فكرة أنه كان يمكن أن يكون أبا لي ترعبني وتبهجني في الآن نفسه. كنت سأجلس في السرير أؤلف الشعر وهو يمكث في البانيو يؤلف سمفونية، بينما أمي تصرخ علينا من الصالة لكي يأتي أحدنا فيخرج كيس القمامة.
في القرون الماضية، في غرف بلا تدفئة، كان من المنطقي بدون أدنى شك أن يبقى المرء تحت أغطيته لأطول وقت ممكن، أما اليوم مع توفر وسائل الراحة والتشتيت التي تنتظرنا في أماكن أخرى من البيت، لم يبق من السهل تماما حتى بالنسبة لواحد مثلي، أن يبقى في السرير لساعات. في الصيف يمكنني الاستلقاء في ظل شجرة، أصغي إلى زقزقات الطيور، وورق الشجر وهي تعزف موسيقاها الناعمة الحالمة، ولكن هنا بالتحديد مكمن المشكلة. فكلما كان المنظر جميلا، بدا لي أي عمل أنتجه متعارضا معه. وجربوا مثلا أن تضعوني في شرفة على المتوسط عند الغروب، ولا يمكن أن أفكر ولو لثانية في كتابة قصيدة.
في نيوهامشر التي أعيش فيها خمسة شهور من الجليد والشتاء القاسي، يكون أمام المرء الاختيار ما بين أن يموت من الملل أمام التليفزيون، أو أن يصبح كاتبا. وإذا لم يكن السرير متاحا لي للكتابة، فاختياري الثاني هو المطبخ، بروائح الطبخ والطعام. لا أحتاج إلى إلهام أكثر مما توفره لي حلة شوربة أو رائحة تنبعث من خضار باللحم على النار. في مثل هذه اللحظات، أتذكر مدى قرب الشبه بين كتابة الشعر والطبخ. فمن أبسط المكونات والتوابل وأكثرها تنافرا فيما يبدو، وإما باستخدام وصفات مجرَّبة أو بتلفيق أي شيء مستوحى من اللحظة، يصنع المرء وجبات لا تنسى، أو تنسى. ولا يبقى للشاعر من عمل إلا أن يزين قصائده بعودي بقدونس، ويقدمها للذواقة في عالم الشعر.

من مدونة نيويورك رفيو أوف بوكس
نشرت هذه الترجمة في جريدة عمان بتاريخ 24 فبراير 2012