السبت، 20 أبريل 2013

يتامى الحرب الباردة



يتامى الحرب الباردة

جوناثان ميرسكاي






في الشطر الأكبر من القرن الماضي، كانت علاقات الولايات المتحدة بالتبت تتسم بالخضوع للصينيين وتقديم الدعم المعنوي لدالاي لاما. ففي وقت مبكر يرجع إلى عام 1908 وجه الدبلوماسي الأمريكي "وليم روكهيل" نصيحة لـ "دالاي لاما" الثالث عشر قال له فيها إن "علاقات المودة الوثيقة مع الصين أمر لا غنى للتبت عنه، إذا لا بد للتبت أن تبقى جزءا من امبراطورية "تا تسيينج" [مانشو]، وذلك لصالحها". ولم يتغير الكثير مع دالاي لاما الرابع عشر بعد مائة عام من الزمن. إثر اجتماع في عام 2011 مع الرئيس أوباما في قاعة الخريطة بالبيت الأبيض ـ إذ كان من شأن المكتب البيضاوي أن يبدو رسميا أكثر مما ينبغي ـ تم اقتياد دالاي لاما للخروج من الباب الخلفي حيث سلال القمامة. وكل ذلك بالطبع لا يرمي إلا إلى اجتناب إدانة بكين التي تعتبر حتى النقد الرقيق لسياستها تجاه التبت من قبيل "التدخل".
غير أنه كان ثمة انحراف دراماتيكي واحد عن هذا النهج. فعلى مدار قرابة عقدين بعد استيلاء الصين على التبت سنة 1950، أدارت المخابرات المركزية الأمريكة عملية غايتها تدريب متمردي التبت وجمع المعلومات عن الصينيين في سياق جهودها لاحتواء انتشار الشيوعية في العالم. وبرغم أن أحدا اليوم لا يعرف إلا القليل عن هذا البرنامج، إلا أنه أنتج على الأقل انقلابا معلوماتيا رائعا ووفر لدالاي لاما مصدر دعم. وعشية مقابلة "ريتشارد نيكسن" التاريحية مع ماو سنة 1972، تم إلغاء البرنامج فجأة، وعادت الولايات المتحدة إلى سياستها التقليدية مع التبت. ولكن ذلك لم يؤد إلى القضاء على تركة غياب الثقة التي لا تزال تصبغ العلاقات الصينية الأمريكية. ولم تكن الصين على علم ببرنامج المخابرات المركزية الأمريكية وحسب، بل إنها أصدرت "تقريرا أبيض" سنة 1992 بشأن هذا البرنامج. وقد تضمن التقرير معلومات منسوبة إلى مصادر غربية موثوق فيها تتعلق بأنشطة الوكالة، وإن ألقى التقرير اللوم الأساسي في التمرد على "زمرة دالاي لاما" وهو التعبير الذي لا تزال بكين تستخدمه إلى اليوم.
بدأت المقاومة بعد أن قام جيش التحرير الشعبي بغزو التبت في أعقاب هزيمة الوطنيين، وبعدما قامت الصين بإرغام حكومة دالاي لاما على الاعتراف بالإدارة الصينية للمنطقة. في سنة 1955، خططت مجموعة من زعامات التبت سرا لانتفاضة مسلحة، وبعد عام من ذلك اندلع التمرد، وقام المتمردون بمحاصرة مؤسسات الحكومة المحلية وقتلوا مئات من العاملين فيها علاوة على بعض الصنيين. وفي مايو سنة 1957، تأسست منظمة متمردة وقوة مقاتلة متمردة، وبدأ قتل المسئولين الشيوعيين، وقطع خطوط الاتصالات، ومهاجمة المؤسسات والقوات الصينية المنتشرة في المنطقة.


مقاتلون على حدود التبت في السنوات الأولى من مقاومتهم المدعومة أمريكيا


وبحلول ذلك الوقت، كانت المقاومة قد حظيت بالدعم الأمريكي، وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، بدأت المخابرات المركزية الأمريكية في البحث عن سبل لمساعدة أهل التبت في سياق حملتها المتنامية لاحتواء الصين الشيوعية. وبحلول النصف الثاني من ذلك العقد، كان الإطلاق الرسمي لـ "المشروع سيرك  Project Circus " حيث بدأ نقل المقاومين من أبناء التبت جوا للتدريب في الخارج، وبدأت الطائرات تلقي الأسلحة والذخيرة في مواقع استراتيجية داخل التبت. وفي سنة 1959، أقامت الوكالة منشأة سرية لتدريب مجندي التبت الجدد في كامب هيل على مقربة من ليدفيل في كولورادو، وقد وقع الاختيار على ذلك الموقع لأنه ـ بارتفاعه عشرة آلاف قدم عن سطح البحر ـ قد يكون شبيها بجو الهيمالايا. وبحسب بعض الروايات فقد مر ببرنامج كولورادو مائة وسبعون من رجال عصابات كامبا المسلحة.
وفي حين أن جهود المخابرات المركزية الأمريكية لم تفرز انتفاضة شعبية ضد المحتلين الصينيين، إلا أنها مثلت أحد أعظم النجاحات الاستخباراتية في الحرب الباردة التي جاءت على هيأة كنز هائل من وثائق الجيش الصيني التي استولى عليها مقاتلو التبت وسلموها للمخابرات المركزية الأمريكية في عام 1961. ولقد كشف ذلك عن انخفاض     الروح المعنوية بين الجنود الصينيين بسبب المجاعة الهائلة التي أهلكت الصين في خلال [خطة ماو تسيدونج التنموية الطموحة المعروفة بـ] "الوثبة العظمى إلى الأمام". ومع ذلك شهدت واشنطن ـ على مدار العقد التالي ـ اختلافات متزايدة فيما يتعلق بأنشطة المخابرات المكزية في التبت، وفي عام 1971، وبينما كان هنري كيسنجر يرتب لمقابلة نيكسن مع ماو، تم إلغاء البرنامج.
"على الرغم من أن التبت ربما لم تكن مطروحة على مائدة المباحثات  في بكين، إلا أن حقبة الدعم الرسمي الأمريكي لقضية التبت كانت قد انتهت" بحسب ما يقول رجل المخابرات الأمريكي المخضرم "جون كينيس ناوس" في كتابه الصادر سنة 1999 بعنوان "يتامى الحرب الباردة: أمريكا ونضال التبت من أجل البقاء" ويضيف قائلا إنه "لم يكن للتبت من دور في معادلة كيسنجر". وبحلول عام 1975 كان بوسع الرئيس الأمريكي "جيرالد فورد" أن يؤكد للمتشكك الصيني، والزعيم المستقبلي هناك، "دينج زياوبينج" قائلا "دعني أؤكد لك يا سيادة نائب رئيس الوزراء أننا نرفض ولا نؤيد أي تصرف حكومي [من الولايات المتحدة] فيما يتعلق بالتبت".
يعتقد كثير من أصدقاء التبت والمعجبين بدالاي لاما ـ ممن يناهضون العنف ـ أنه لم يكن يعلم شيئا عن برنامج المخابرات المركزية الأمريكية. لكن "جيالو ثوندب" وهو من أشقاء دالاي لاما كان متورطا عن قرب في العملية، و"ناوس" الذي شارك في العملية يكتب أن "جيالو ثوندب ظل يطلع شقيقه دالاي لاما على الشروط العامة لدعم المخابرات الأمريكية". وبحسب ناوس، فإن وكالة المخابرات المركزية كانت تدفع لدالاي لاما اعتبارا من الخمسينيات خمسة عشر ألف دولار شهريا. ثم توقفت عن ذلك في عام 1974.
في عام 1999، سألت دالاي لاما عما إذا كانت عمليات المخابرات الأمريكية قد أضرت بالتبت فقال "نعم، هذا صحيح". كان التدخل ـ فيما يرى دالاي لاما ـ مضرا لأنه كان يستهدف المصالح الأمريكية في المقام الأول لا مساعدة التبت على أي نحو مستديم. وقال لي إنه "ما أن تغيرت السياسة الأمريكية تجاه الصين، حتى أوقفوا مساعدتهم. ولولا ذلك لاستمر نضالنا. لقد كان كثير من أهل التبت يعلقون آمالا كبيرة على ما تسقطه طائرات المخابرات الأمريكية، ولكن الجيش الصيني كان يأتي فيدمرها. وكانت لدى الأمريكيين أجندة أخرى غير أجندة أهل التبت".
وذلك كان صحيحا إلى أبعد حد، واختلاف أهداف المخابرات والتبت يتضح على أكبر نحو ممكن لدى عالمة الأنثروبولوجيا الناطقة بالتبتية "كارول مكجراندهان" في كتابها "تواريخ محبوسة: التبت والمخابرات المركزية الأمريكية والحرب المنسية" (الصادر في 2010). وبرغم اللغة الأنثروبولوجية التي تصبغ كتابها في بعض الأحيان، إلا أن الحكاية التي تحكيها تبين مدى اختلاف عملية المخابرات الأمريكية في ذاكرة المخضرمين الأمريكيين والتبتيين الذين عاصروها. والمثال السافر على مسألة الاختلاف هذه يتجلى في مسألة وثائق الجيش الصيني، التي تروى تفاصيل العثور عليها في مخبأ ضابط صيني رفيع الرتبة رواية رهيبة في عدد هائل من الوثائق المطبوعة في متحف المخابرات المركزية في واشنطن. علاوة على كشف هذه الوثائق لانخفاض الحالة المعنوية لدى الصينيين، تكشف أيضا عن مدى ممارسة الصينيين للعنف في التبت. وتكتب مكجرانهان أن "تلك المعلومات كانت الدليل الوحيد الموثّق الذي تملكه الحكومة التبتية [في المنفى] على أعمال الصينيين الوحشية، ومن ثم فقد كانت لا تقدر بثمن". ولكن نادرا ما يرد ذكر للوثائق والعثور عليها في جلسات مكجرانهان الحوارية المطولة مع الذين عايشوا فترة المقاومة. "فكيف لمنجز بهذه الأهمية، يحظى بكل ذلك التقدير لدى الحكومتين الأمريكية والتبتية، ألا يكون حاضرا في ذاكرة الجنود؟"
من بين أسباب هذا أن المقاتلين التبتيين لم يعرفوا شيئا عن قيمة تلك الوثائق التي لم يستطيعوا قراءتها. وقد حكى أحد الجنود لمكجرانهان يقول:
"هاجم جنودنا شاحنات صينية واستولوا على بعض وثائق الحكومة الصينية. بعد ذلك رفع الأمريكيون قيمة ما يدفعونه لنا. لم يعرف أحد ما الذي كانت تحتويه تلك الوثائق. في ذلك الوقت لم يطرح أحد أي سؤال. فالذي كان يكثر في الأسئلة، كان يثير شكوك الآخرين".
ويحكي قائد عملية المخبأ لـمكجرانهان أن "المخابرات المركزية الأمريكية كافأتني على الوثائق بساعة أوميجا" ولكنه هو الآخر لم يكن يعرف الكثير عن أهمية الوثائق. وحسبما تبين مكجرانهان بتفصيل مسهب، فإن الجنود كانوا أكثر انشغالا بدالاي لاما الذين كانوا يريدون أن يعيدوه إلى منصبه زعيما أعلى لاستقلال التيبت.
بعد إنهاء مهمة المخابرات الأمريكية، بات وضع التبت يزداد هامشية كل يوم في سياسة واشنطن تجاه الصين، بحسب ما يبين ناوس في كتاب ثان له عنوانه "ما وراء شانجريلا: أمريكا والتيبت في القرن الحادي والعشرين". الواقع أن الرؤساء الأمريكيين الآن يواجهون قوة عالمية في بكين. في لغة تلخص المبررات الأمريكية لتجاهل التيبت، يقول وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق لشئون شرق آسيا "مارشال جرين" لناوس إنه "لم يكن ثمة ما يمكن أن نفعله لأهل التبت إلا من خلال تحسين علاقتنا مع الشيوعييين الصينيين عسى أن نكون بذلك في وضع يسمح لنا بالضغط عليهم لتحسين سياساتهم تجاه التبتيين". ولكن جرين "اعترف أن ذلك لم يكن أكثر من منطق".
وعما قريب سوف يلتقي الرئيس أوباما بالزعيم الصيني الجديد "زي ديبينج". ولسوف يقوم مستشاروه بتذكيره باللقاء الذي جرى بين سلفه "بيل كلينتن" والرئيس الصيني آنذاك "جيانحج زيمين" في السابع والعشرين من يونيو سنة 1998. ففي ذلك اللقاء أكد كلينتن لجيانج قوله "إنني أوافق على أن التيبت جزء من الصين، جزء من الصين يتمتع بحكم ذاتي. وأتفهم السبب الذي يجعل من هذا الاعتراف شرطا مسبقا للحوار مع دالاي لاما". واعتمادا على ما اشتهر عنه من جاذبية، أضاف كلينتن "إنني قضيت وقتا مع دالاي لاما. وأعتقد أنه شخص أمين، وأعتقد أنه لو جرى حوار بينه وبين الرئيس جيانج، فسوف يعجب كل منهما بالآخر إعجابا كبيرا". فما كان من جيانج ـ فيما يقال ـ إلا أن رجع برأسه إلى الوراء وضحك. وأزيل اقتراح كلينتن من المحضر الصيني الرسمي للقاء.

نشر الموضوع أصلا في مدونة نيويورك رفيو أوف بوكس ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان