الأحد، 13 يناير، 2013

ذكريات عن تشيخوف



ذكريات عن تشيخوف


المجتزأ التالي مأخوذ من كتاب "ذكريات عن تشيخوف" الذي يعد أول ترجمة توثيقية لأنطون تشيخوف يتم إعدادها بالاعتماد على مصادر أولية كالرسائل واليوميات والمقالات ومذكرات عائلة تشيخوف وأصحابه ومعاصريه، وقد قمت بجمع كل ذلك من أرشيف تشيخوف في يالطا وموسكو، وكذلك من مكتبة نيويورك العامة، والمكتبة الروسية، ومكتبة الكونجرس. وجميع هذه المواد تظهر هنا للمرة الأولى باللغة الإنجليزية. ولعل أقرب ما اكتشفته إلى نفسي هو ذلك المقال الذي كتبه تشيخوف عن كتاب يروي  حياة نيقولاي برزيفالسكي، وهو جغرافي روسي شهير. ففي ذلك المقال كتب تشيخوف يقول ـ وكان ذلك في أقصى نهاية القرن التاسع عشر ـ "إننا لا نسأل أنفسنا ونحن نقرأ هذا الكتاب: لماذا فعل هذا؟ ولا نحن نتساءل: وما الذي حققه؟ ولكننا نقول: لقد كان على حق، لقد أصاب فيما فعل". ومثل هذا يحق في حياة تشيخوف، أيضا.
بيتر سكيرين، محرر "ذكريات عن تشيخوف".
***
نصائح الكتابة
إيفان بونين
عرفت أنطون تشيخوف في موسكو في نهاية عام 1895، ولم أزل أتذكر عبارات قليلة قالها لي تشيخوف في ذلك اليوم.
ذات يوم سألني "هل تكتب؟ هل تكتب كثيرا؟"
قلت له "أنا في واقع الأمر، لا أكتب بكل تلك الكثرة".
فتجهم وجهه وقال بصوت حزين غير معهود منه "أمر مؤسف. لا ينبغي أن تسلم يديدك للكسل، ينبغي أن تكون دائما في حالة عمل. طوال حياتك".
ثم أضاف شيئا ليست له علاقة واضحة بما سبق، قال "يبدو لي أنك عندما تكتب قصة قصيرة، يكون عليك أن تقتطع منها البداية والنهاية، فنحن معشر الكتاب نضع أكثر أكاذيبنا في هذين المكانين. عليك أن تكتب أقصر، أن تصل بكتابتك إلى أقصر مدى ممكن".

وكان تشيخوف يقول لي أحيانا عن تولستوي "أنا معجب به إعجابا عظيما. وأكثر ما يعجبني فيه أنه يحتقرنا جميعا، يحتقر كل الكتاب. وربما الوصف الأدق هو أنه يتعامل معنا ـ نحن الكتاب ـ بوصفنا حيزا فارغا تماما. قد تعترض بأنه من حين لآخر يثني على موباسان أو كوبرين أو سيمينوف أو أنا. ولكن لماذا يثني علينا؟ الجواب بسيط: ذلك لأنه ينظر إلينا جميعا باعتبار أننا أطفال. قصصنا القصيرة، أو رواياتنا، كلها بالنسبة لأعماله لعب عيال. ولكن شكسبير ... بالنسبة له، السبب مختلف. شكسبير يثير ضيقه، لأنه كاتب راشد، ولأنه لا يكتب بالطريقة التي يكتب بها تولستوي".
*من "الكلمة الروسية " 1904
***
الكنبة
بيتر جينديتش
كان ليو تولستوي يحب تشيخوف حبا حقيقيا، ولكنه لم يكن يحب مسرحياته. قال مرة لتشيخوف "على الكاتب المسرحي أن يأخذ القارئ من يده ويسير به في الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه. أما شخصياتك فأين ينبغي أن أتابعها؟ إلى الكنبة الموجودة في غرفة المعيشة طبعا، وذلك لأنك لا تذكر أي مكان آخر لهذه الشخصية". وكان كلاهما ـ أي تولستوي وتشيخوف ـ يضحكان من هذه الكلمات.
بعد ذلك قال لي تشيخوف "عندما أكتب مسرحية، وأريد أن تخرج إحدى شخصياتي من خشبة المسرح، أتذكر تلك الكلمات، وأسأل نفسي: إلى أين ستذهب هذه الشخصية؟ وأشعر بالبهجة والغضب". كان عزاء تشيخوف الوحيد هو أن تولستوي لم يكن يحب مسرحيات شكسبير.
حكى لي تشيخوف قائلا "عارف، أنا زرت تولستوي مؤخرا في جاسبرا. كان طريح الفراش بسبب المرض. ومن جملة ما تكلم عنه أن تكلم عني وعن أعمالي. وأخيرا، ولما أوشكت أن أحييه وأنصرف، أمسك بيدي وقال "بل حيني بقبلة". ولما انحنيت أقبله همس في أذني بصوت هرم وبشيطنة باقية ’عارف، أنا لا أحب مسرحياتك. شكسبير كان كاتبا رديئا، لكنني أرى أن مسرحياتك أنت أردأ من مسرحياته".
من "كتاب الحياة" (1922)
***
الوصفة
إيفان بيلوسوف 
 كان أنطون بافلوفيتش جالسا أمام مدفأة، ناظرا إلى النار. وبين حين وآخر يقتطع من لحاء جذع شجرة أمامه قطعة يلقي بها في النار، ذاهلا، مستغرقا فيما يبدو في التفكير في شيء ما.
نادته خادمته من الخارج. فتركنا لبعض الوقت. ورجع أخيرا، فلما سألناه فيم تأخر كل هذا الوقت، أجاب على مضض قائلا "كانت هناك حالة مرضية تنتظرني".
اندهشت "في هذا الوقت؟ أهي حالة صديق؟". رد تشيخوف "إطلاقا، بل هي أول مرة أراها في حياتي. طلبت مني أن أكتب لها وصفة بدواء يمكن أن يكون سُمَّا، والصيدليات لا تصرفه بدون وصفة طبية".
"ولم تكتبها لها، صح؟"
لم يجب أنطون بافلوفيتش بأي شيء. جلس قبالة المدفأة، وراح يلقي إليها مزيدا من الخشب. وطال بنا الصمت حتى قال في هدوء "لعل هذا خير لها. لقد نظرت في عينيها، وعرفت أنها قررت أمرا، وأنها عاقدة العزم على تنفيذ هذا الأمر. وإن نهرا كبيرا غير بعيد من هنا، وإن الجسر الحجري أيضا غير بعيد. وهي إن رمت نفسها من عليها لملاقيةٌ حتما عذابا أليما قبل أن تموت. فالسم، ربما، يكون خيرا لها".
وسكت. وسكتنا مثله. ثم بدأنا، لنغير الموضوع، حديثا في الأدب.

من "ثلاثون يوما" (1929)

***
البورتريه
نيكولاي بانوف
"من فضلك تعال غدا، سأقضي اليوم أفكر في أعمالي القادمة، وأنت يمكنك أن ترسم لي البورتريه" هكذا قال لي أنطون بافلوفيتش.
كان يوما حارا خانقا، والنوافذ كلها مفتوحة، وبرغم ذلك لم يتسلل أي أثر لنسمة، بل ولم يكن بالخارج أي أثر لريح.
كان تشيخوف جالسا إلى المنضدة التي يكتب عليها، غارقا في أفكاره.
شخصت إلى عينيه الأسيانتين المنهكتين محاولا أن أرسم تخطيطا سريعا لرأسه المائلة إلى الجنب.
كان عقله مستغرقا في عمله، ولكن وجهه بدا متداعيا، وقسماته ـ كما بدا لي ـ كانت تذوب في الهواء. كانن في عموده الفقري انحناءة ما، وكان مظهره العام يوحي بأنه منهك أشد الإنهاك. كان قد نحف كثيرا، بل لقد كان الهزال قد تمكن منه.
كانت جلسته، برأسه المائل، ووجه المنهك، وحركات يديه النحيفتين المتوترة، كانت جميعها توحي بأنه رجل يصغي إلى صوت داخلي، صوت ما لشخص  قوي صحيح البدن أن يسمعه، فلقد كان المرض متوغلا فيه.
صعب علي كثيرا النظر إلى قسمات شخص بلغ منه المرض ذلك المبلغ، ولكن الأمر كان لا يقدر بالثمن، لي ولروسيا كلها.
سألني "هل ترى أي شيء جدير بالرسم؟"
نظرت إلى وجهه الحزين وقلت "لا، لا يبدو أن ثمة ما يشبه الذي أريد أن أصوره. أنت تبدو حزينا كل الحزن، ومنهكا تماما".
"فلتجعله هكذا إذن. من فضلك لا تغير أي شيء. الانطباع الأول دائما هو الأصدق".
من آرت ريفيو" (1904)



هوامش

إيفان بونين (1870 ـ 1953) كاتب روسي بارز  حصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 1933، كان صديقا مقربا لتشيخوف في الفترة من 1900 إلى 1904.
بيترجينديتش (1855 ـ 1925) روائي ومسرحي ومترجم ومؤرخ أدبي عرف الكثير من الكتاب الروس في العقود الثثلاثة الأولى من القرن العشرين وترك كتابات كثيرة عن حياة من عاصرهم.
إيفان بيلوسوف (1870 ـ 1953) شاعر وكاتب أطفال. أهدى أحد كتبه إلى تشيخوف بقوله "إلى الكاتب العملاق، من الكاتب القزم، إلى تشيخوف من بيلوسوف، فرد عليه تشيخوف "لقد قرأت كتابك باستمتاع عظيم".
نيكولاي بانوف (1871ـ1916) رسام روسي عاش في يالطا. في العاشر من أغسطس سنة 1903 رسم تخطيطا لبورتريه لتشيخوف وكتب انطباعاته عما رسمه، وقدم البورتريه هديه لتشيخوف.

*المجتزأ منشور على مدونة نيويورك رفيو أوف بوكس بتاريخ يوليو 2011