الأحد، 10 يونيو، 2012

من الذي يخاف من التمويل الإسلامي؟


من الذي يخاف من التمويل الإسلامي؟
مسعود حيون

في نهاية الشهر الماضي قالت الحكومة التونسية حديثة الانتخاب إنها سوف تبقي على التركيبة العلمانية والبنى المالية السابقة على الثورة كما هي. وبعيدا عن تونس، في هونج كونج العلمانية الثرية، تدفع الحكومة هناك باتجاه إنشاء منصة للتمويل الإسلامي على أمل أن تتحول إلى دبي الشرق الأقصى. فما الذي يجري على الأرض؟
فتشوا عن قوة التسويق. إن مصدر تونس الأساسي للسياحة والصادرات هي أوربا التي لا ينقطع فيها الصراخ والتذمر من المهاجرين المسلمين والشريعة وكيف أنهما كانا السبب في ظهور العنف وسط الحركات الأوربية المناهضة للتطرف الإسلامي في السنين الأخيرة. في حين تقوم هونج كونج والمنطقة الصينية الكبرى بمغازلة الاقتصاد الإسلامي راجية من وراء ذلك أن تروي ظمأها إلى الوقود. ونتيجة لذلك نرى أنفسنا أمام هذا التناقض الغريب: حكومة إسلامية ترفض التمويل الإسلامي وآلة رأسمالية علمانية تزعم أنها ترحب به.
التمويل في القرآن
يدور التمويل الإسلامي في غالبه حول منع القرآن للربا ـ والتي تفهم بوصفها جميع أشكال الفوائد بحسب الممارسات الحديثة. وبدلا من التعامل في المجردات non-tangibles  من  قبيل الفائدة والائتمان، يقيم النظام الإسلامي القروض على الضمانات ويعامل المقرضين ـ وهي كلمة سيئة السمعة في الأدبيات الإسلامية مثلما في اليهودية والمسيحية ـ بوصفهم "مستثمرين".
ففي رهن عقاري إسلامي مثلا، يقوم البنك بشراء المنزل المستقبلي للعميل من الوسيط العقاري. وبدلا من أن يقوم البنك بفرض فائدة على القرض الذي يعطيه للزبون، فإنه يفرض رسم خدمة ثابتا يضاف إلى الثمن المدفوع في المنزل.
"إنه تظاهر بعدم الإقراض، لكنه في واقع الأمر إقراض" حسب ما يقول فريد أبو الفتح خبير اقتصاد الشرق الأوسط في شركة الاستشارت الدولية "آي إتش إس جلوبال انسايتس". يوضح أبو الفتح أن المنفعة الاقتصادية من التمويل الإسلامي هي ـ في الغالب ـ أنها تسمح لفوائد الاقتصاد الإلسلامي بـ "المساهمة في النظام المالي دونما شعور بارتكاب خطأ".
مرحبا بوول ستريت في تونس
لقد تعهد حزب النهضة الحاكم في تونسيا نهاية الشهر الماضي للمجتمع الدولي بأن يبقى الاقتصاد والدستور في تونس علمانيين. ولقد كان موقف الحزب من ذلك الأمر واضحا تماما. وكان ممثلو حزب النهضة قد وعدوا المستثمرين الدوليين ـ بمجرد الفوز في انتخابات الجمعية الدستورية التونسية في أكتوبر الماضي ـ بأن القطاع المالي في الدولة لن يشهد نهضة إسلامية. هذا ويذكر أن الاقتصاد التونسي يعتمد في نموه على السياحة والاستثمار الأوربيين.
وقد قال وليد بنيني ـ نائب رئيس حزب النهضة ـ خلال اتصال هاتفي معه من تونس إن "هناك ناسا يريدون نموذج النظام البنكي العلماني القديم. وهذا النظام سوف يستمر، لأنه يحظى بقبول دولي".
وأوضح بنيني أن البنية الأساسية المالية العلمانية هي واحدة من بين قليل من "منجزات نظام بن علي [المخلوع]" التي ستبقى دون مساس بها. وقال بنيني "إننا لا نحاول أن ندفع الآخرين إلى الظن بأننا مجرد راديكاليين لا ينتظر منهم إلا الإخلال بتوازن المجتمع".
وعلى الرغم من أنه يعتقد أن أوربا تقوم حاليا بفهم أدق للتمويل الإسلامي، إلا أنه يعتقد أنه لا يزال هناك ما يصم القانون الإسلامي في أوربا. قال بنيني "أما عن خوف الغرب من الشريعة، فما هم خائفون منه هو شيء آخر. إذ هم لا يعرفون الشريعة. هم يحسبون أنها قطع للأيدي وما شاكل هذا. ولكن غاية الإسلام هي الانفتاح والشفافية والمساواة بين الرجال والنساء، بموضوعية وعدالة".
ولكن حزب النهضة، برغم كل إنكاره للتمويل الإسلامي أمام الجمهور الغربي، ليس ضده على الإطلاق، ويخطط للدفع باتجاه المزيد من التمويل الإسلامي كخيار يتاح أمام المواطنين التونسيين المسلمين المتدينين في المستقبل.
وقال بنيني إن "هناك بنكين يقومان حاليا بتقديم خدمات التمويل الإسلامي في تونس. والمجال مهيأ ولدينا الخبراء القادرون على تفعيل هذه الممارسات ... البنوك في تونس لا تحتاج إلا إلى أن تعرف كيفية تنفيذ هذه العروض بتأن وروية. كل ما نفعله هو أننا نفتح المجال لفرصة أخرى، دونما تقييد أو إرغام لأحد على اتباع هذا النموذج".
وشأن كثير من المؤمنين بالتمويل الإسلامي، يشعر بنيني أن مبادئ هذا التمويل كان يمكن أن تحول دون وقوع الأزمة الاقتصادية العالمية، بالحيلولة دون حدوث الفقاعة الائتمانية. وأوضح أن التعامل بالائتمان والفائدة يعمل على استعباد الفقراء للدين، وأن القروض المقدمة على شكل معونات أجنبية دأبت على دفع الدول النامية إلى أسفل. أما القروض الإسلامية فتقوم على الضمانات التي تكون وقاية من الدين المزمن.
قال بينيني إن في التمويل الإسلامي "نفعا للإنسانية، ومعروف أن التمويل الإسلامي قادر على حل المشكلات الدولية الناجمة عن الأزمة".
مرحبا بالشريعة في هونج كونج
في الوقت الذي تقوم فيه تونس بالتقليل من دلائل محاولاتها لتقديم التمويل الإسلامي على مستوى بسيط، تناضل هونج كونج من أجل إنشاء سوق سندات إسلامي يرحب بالاقتصاد القادم من الخليج العربي الثري بالنقد وبالموارد الطبيعية.
وقد قال متحدث باسم مكتب هونج كونج لشئون الخدمات التمويلية والخزانة "إننا نرمي إلى إنشاء سوق مالي كبير وضخم  لترويج التمويل الإسلامي في هونج كونج. ولقد كان هذا السوق الإسلامي مشروعا محتملا في هونج كونج منذ أن تم طرح هذا المفهوم على المجلس التشريعي المستقل في عام 2008. ولقد قامت هونج كونج مؤخرا باتخاذ إجراءات رسمية للتغلب على العوائق التشريعية والبيروقراطية بهدف تأسيس هذا السوق.
في الوقت نفسه، كانت جامعة هونج كونج واحدة من مؤسسات كثيرة للتعليم العالي في المنطقة التي أنشأت برنامجا دراسيا للتمويل الإسلامي تهيؤا لإنشاء السوق القادم. ولقد كان للدول الإسلامية ـ مثل كازخستان ـ دور أساسي في اقتصاد المنطقة الصينية الكبرى، وذلك من خلال تزويد الاقتصاد الصيني الناشئ بالموارد الطبيعية والنقد.
وقد قال الخبير الاقتصادي أبو الفتح  إن "تقديم خدمات تمويلية إسلامية قد يكون مثيرا للاقتصاد الخليجي الغني بالنقد حيث أن في الخليج ضغطا اجتماعيا كبيرا من أجل الأخذ بالقانون الإسلامي".
عن: ذي أطلنطيك أونلاين
نشر في جريدة عمان بتاريخ 8/ابريل/2012