الثلاثاء، 20 مارس 2012

حارس التيس الليلي

جيف تالاريجو

 

على مدار شهر واحد، ما بين اكتمال قمر واكتمال قمر، كنت حارس التيس الليلي، وهي وظيفة بسيطة لا تحتاج من المرء إلا أن يعتاد السهر طول الليل وعينه على التيس تتابعه أينما ساقته أهواؤه: سواء تنقل من سلة قمامة إلى سلة قمامة، أو ذهب إلى أسفل الصفصافة العملاقة، أو مضى فقط إلى بيت صاحبه "غسان أبو ماجد" الذي ينام طوال الثمانية ساعات ونصف الساعة المفروض خلالها حظر التجوال.

في ذلك البيت بالتحديد، رقم ثمانية وثمانون في المجمع السكني السادس، وفي الغرفة الأمامية المقابلة للحمام والمطبخ، أقام التيس الأخير المتبقي لدى غسان أبو ماجد أغلب سنوات حياته العشر. أتصور أنها حياة لطيفة للغاية، بالنسبة لتيس. استمرت هذه الحياة إلى أن جاءت زوجة غسان ذات النصف قرن تقريبا فأوصدت الباب بالمزلاج في تمام الساة السابعة وخمس وخمسين دقيقة في الليلة السابقة على اكتمال قمر ابريل، تاركة التيس ينطح الباب برأسه إلى أن أنهكه النطح فنام في مكانه. ولما خرج غسان ثقيل الخطى في هواء الفجر البارد ذاهبا إلى المسجد، أوشك أن يتعثر في التيس الذي كان نائما وسيقانه ملتفة تحته، وحوافره مختبئة في فراء بطنه.

وقبل أن يلتفت غسان ليوبخ زوجته التي نسيت التيس بالخارج، جاءه صوتها من مدخل البيت.

"حفيدنا عنده حساسية من هذا الحيوان. الولد عنده زكام وسعال منذ أن ولد".

أمسك غسان لسانه، محترما سكون الصباح، لكن قولها "الحيوان" حزَّ في نفسه. انحنى على التيس وراح يداعب ذقنه إلى أن ذاب بتكرار المداعبة غضبه.

"هذا آخر شيء من رائحة الأرض".

فالت، هي الأخرى بصوت يحترم ساعة الصباح، وزوجها، والتيس، "ولكن كل الروابط انقطعت من زمان".

اتكأ غسان على يده اليسرى ووقف وهو يفرد ببطء أطرافه المتيبسة. لم يزد في الكلام مع زوجته ومضى إلى رحاب المسجد. كان غبار المخيم يتراكم على الصندل الذي ينتعله، ولكنه لم يكن يبالي، فهو سيغسل قدميه على أية حال قبل الصلاة.

***

في عصر ذلك اليوم سألني غسان إن كنت أقبل أن أعمل حارسا ليليا للتيس. قلت، وقد مر عليّ عام وأنا عاطل عن أي عمل، "طبعا".

قال "جميل، اذهب الآن ونم قليلا، ستبدأ العمل من الليلة".

ذهبت إلى منزله في السابعة والنصف فلم يوجه لي غير أمر واحد.

"إياك أن تترك التيس يتكلم أو يتواصل بأي طريقة مهما تكن مع الجنود".

بدا غريبا لي أن يتسخدم غسان كلمة "يتكلم" لكني تجاوزتها، وقد ظننت أنها مجرد زلة لسان. تركني مكلفا بذلك، لا سواه، وأغلق الباب، ونظرت أنا والتيس كل إلى الآخر، ورحنا نمشي معا في الشارع الذي أخذ الظلام يحل عليه. حتى إذا طلع الفجر، أطل علينا، في وهج برتقالة الصباح المشرقة، البرجُ العسكريُّ، أعلى بناء في المخيم، مبتسما في خيلاء.

***

في الليلة الأولى، بل في الأسبوع الأول كله في الحقيقة، لم يفعل التيس إلا ما يتوقعه المرء من تيس ـ يتشمم القمامة في شوارع جباليا بما فيها من احتمالات هائلة. كذلك كنا نقضي أغلب وقتنا، أنا متكئ بظهري على أي جدار بينما التيس يشم القمامة إلى أن يجد لقمة طيبة. كنت أصغي، وأحيانا أشاهد التيس، وقد تبلل أنفه، وهو يُعمل فكيه بإيقاع واضح في طعامه إلى أن يصبح جاهزا للبلع. وأحيانا كان يحملق فيّ وأنا أراقبه فأتذكر ما قاله غسان. وفي مرات عديدة، حسبت التيس يوشك أن ينطق، فكنت أسخر من عقلي الذي نال السهر من خياله.

ذلك ما كان من الليالي، تمر علينا في شبه صمت تام، ومنجل القمر ينتفخ إلى محاق، محيلا فراء التيس معطفا أبيض أشد نظافة مما يبدو عليه في وضح النهار.

***

أفسح السكون مجالا أرحب للتفكير: التفكير في ولدي الوحيد الذي يضيع شبابه في سجن مجهول ولمدة مجهولة، بينما القمر الذي أشاهده ـ وكان في ذلك الوقت هو القمر التاسع عشر الذي أراه منذ غياب ابني ـ يدور في السماء مثل دورانه المعهود، لم يتغير من أمره أي شيء. لكن التيس كان يشتت تفكيري. التيس الذي انقسم عليه أهل جباليا فريقين، فريق يؤمن بقداسته فهو يمثل الجيل الحادي عشر من تيوس قرية حمامة، ويمثل الجيل الرابع من تيوس المخيم، وفريق لا يمثل لهم التيس إلا ذكرى أليمة ووضيعة لما كان يوما، ولما لا يمكن أن يكون من جديد.

وفي أي فريق أنت؟ أسأل نفسي. سؤال وجيه، ولكن أخشى أن الإجابة عالقة في موضع ما من الهوة بين محاولتي أن أنسى ما جرى لأهلي ومحاولتي ألا أنسى ما حييت. لولا أن تغيرا بدأ يطرأ في ليلتي الثانية عشرة مع التيس.

***

بعد نحو ثلثي الطريق في حظر التجوال، رفع التيس عينيه وفي فمه ورقة خس ذابلة يمضغها.

أشار التيس بأنفه إلى أرض الشارع قائلا "بس".

لا بد أن أقول إنني ارتعبت، وكان لزاما عليَّ أن أتكئ بكلتا يديَّ على الأرض فأبقى متزنا. ولما بقيت محملقا في التيس لا في الاتجاه الذي أشار إليه، أومأ مرة أخرى برأسه وقال "هناك".

فعلت كما قال، ورأيت في أول الشارع خمسة أشخاص قادمين يرتدون الأسود من رءوسهم وحتى أحذيتهم. لم أتحرك، راجيا ألا أبدو ناتئا عن القمامة والجدار. وعلى بعد عشرين ياردة، في الناحية الأخرى من الشارع، توقف الخمسة. وبدأ اثنان منهم يرشون الطلاء على جدار البيت، بينما بقي الثلاثة الآخرون يتنقلون في المكان وفي أيديهم بلطات صغيرة يلوحون بها في الهواء. نظرت إلى التيس فرأيته هو الآخر يتفرج على الجدار إذ يتحول ساحلا أبيض اللون، تعلوه بعد حين خريطة من الأخضر والأحمر الدموي يشقها صقر نصفين. قلت لنفسي بهذه الطريقة إذن تطلى الجدران في جباليا. حينما نظر إليَّ التيس كنت موقنا أنه يبتسم ابتسامة خفيفة، وأنه يفكر في مثل ما كنت أفكر فيه بالضبط.

***

مع كل ليلة تمر كان التيس يتكلم أكثر. ولكنه في أغلب الليالي كان يكتفي بالبحث في صمت عن الطعام، بينما نكتشف حكايات المخيم في أغلال حظر التجول. نادرا ما كنا نرى الجنود الذين كنت ـ أنا وكثير غيري من مئات آلاف اللاجئين ـ نحسب أنهم في كل مكان. نفس الجنود الذين يذرعون أحلامنا ويرغموننا على اختلاس النظر من الأبواب والشبابيك المغلقة. الحق أنني، أعني أننا، خلال الأسبوعين الأولين لم نر الجنود يمرون غير مرة واحدة. وفي مرات عديدة رأينا مصابيح سيارات تتوارى في شوارع المجمعين السكنيين الخامس والسادس، لكن برغم أننا كنا نحسبها مصابيح سيارات جيب، إلا أنها يمكن جدا أن تكون مجرد سيارات عمال راجعين من أعمالهم الحقيرة في حقول البرتقال أو من مطابخ المحتلين ومحلاتهم.

وذات ليلة سألت التيس "أين هم كل أولئك الجنود؟"، وكان ذلك غير معتاد، فقد كنت في العادة أنا الذي أسمع.

تأخرت الكلمات قليلا. نهض التيس ليقف على ساقيه الخلفيتين، ضاربا بحافريه الأماميين في الجدار المرسوم بالجرافيتي، فكانت كل نقرة منهما على الجدار الأسمنتي في ذلك الفجر تبدو كأنها طلقة رصاص. مضع ورقة من شجرة خروب، ثم ورقة أخرى. ومر مزيد من الوقت قبل أن يلتفت ناحيتي وينطق بوضوح إجابة سؤالي.

"إنهم يحكموننا بما في رءوسنا نحن من تخيلات"

"ماذا تعني؟"

"انظر فقط إلى نفسك الآن. أنت تراني وأنا واقف حيث أنا، وترى الآن كما لو أن الجنود يرغمونني على الوقوف لصق الحائط، ويفتشونني ويفحصون أوراق هويتي".

"وماذا في أن أفكر بهذه الطريقة؟"

 "في أي مكان آخر، إلا هذا المكان، يمكن أن يفكر شخص في شيء سخيف سخافة أن يقوم جنود بتفتيش تيس؟ كم مرة تفعل التيوس مثل هذا في كل أرجاء العالم لمجرد أن تطول شيئا تملأ به أفواهها؟ ومع ذلك، وبرغم أنك ترى بدقة ما أفعله، إلا أنك لا تلتفت إلى ما تراه عيناك، بل تتخيل، وما الذي تتخيله، تتخيل ما غرسه الجيش في ذهنك".

نقلت عنه عيني، ناظرا إلى الأرض، ومضى التيس مرة أخرى يلتقط ورق الشجرة. لو كانت عندي ساعة لنظرت إليها أعرف الوقت، ولظللت أنظر إليها وأعد الدقائق إلى أن ينتهي عملي في تلك الليلة فأرجع إلى البيت حيث كانت زوجتي تخبز، فآكل معها من الخبز الطازج قبل أن أفترش الحصيرة وأنام.

***

رحل القمر التاسع عشر عن جباليا ولم تكن برودة الليل قاسية بل منعشة، في منتصف مايو. بقي في الهواء إحساس المطر، ولكن الفصل المطير كان لا يزال على بعد سبعة شهور.

في تلك الليلة كان التيس غريبا بعض الشيء، لم يكن ذلك الثرثار الذي عرفته، وخلال الساعات الأولى من حظر التجوال لم نبتعد عن بيت غسان كثيرا. بل إننا في الواقع كنا فقط على بعد خمسين ياردة من بيتي أنا، كنا قريبين للغاية ولما سألت التيس إن كان بخير قال إنه يشعر ببعض البرد قليلا، فعرضت عليه أن آتيه بسترة.

قال "لا. لا تشغل بالك".

فقلت "كفى سخافة، البيت على بعد دقيقة. تعال، تعال وقابل زوجتي".

"بل أبقى هنا أنتظر"

"غسان طلب مني ألا تبتعد لحظة عن عيني".

"لا عليك. والبيت، كما قلت، قريب فعلا".

مضيت إذن في الشارع، ولكنني نظرت خلفي مرتين أو ثلاثا، وأنا غير مرتاح وقد تركته وحده، ولو لفترة قصيرة. وفي إحدى هذه المرات رأيته يرفع ساقا ويلوح بها، كما لو كان يطمئنني ويطلب مني ألا أقلق. وقبل أن أفتح باب البيت، نظرت خلفي، فرأيت التيس في مكانه لم يتحرك من حيث تركته. اندهشت زوجتي حينما رأتني.

"أتيت آخذ سترة فقط"

"أين التيس؟"

"بالخارج"

"قلت لي إنك لا ينبغي أن تتركه وحده".

"أصله يشعر ببعض البرد. هل لدينا ما يمكن أن نلبسه له؟"

دخلت زوجتي غرفة النوم وعادت بسترة من دولاب ابننا.

"هذه أنسب له من ثيابنا نحن، مع أني لم ألبّس تيسا من قبل".

لم أعرف إن كانت زوجتي تمزح أم كانت جادة، فشكرتها وخرجت. وفي الشارع لم أر شيئا، لكنني لم أشعر بالقلق. ومع كل خطوة أخطوها دون أن أرى التيس، كنت أزداد قلقا، حتى أنني لم أصل إلى منتصف شارع المدرسة إلا وأنا أجري، متأبطا السترة. بحثت في كل مكان، دون أن يعلو صوتي بكلمة، خشية أن يكون الجنود في المنطقة فأنبههم بأي طريقة. ثم بدأت أسمع ضحكا ساخرا من أعلى، وأرغمت رأسي أن ترتفع إلى مصدر الصوت فرأيت التيس فوق أحد البيوت.

غمرني الارتياح لما عرفت أنه بخير فلم أتساءل كيف وصل إلى سطح ذلك البيت. لوحت له بالسترة، فقفز التيس من ارتفاع عشرة أقدام إلى الأرض في سلاسة شديدة.

قلت "دعني ألبسك".

رفع التيس حافره الأمامي الأيمن فأدخله في الكم الأيسر، ثم حافره الأيسر فأدخله في الأيمن، وأغلقت (سوستة) السترة على ظهره، حريصا ألا يعلق فيها شعر فرائه. كان الكمّان واسعين قليلا، ولكن الطول ملائم تقريبا له.

"كأنها مفصّلة عليك".

قال التيس "شكرا"

أشرت إليه بقطعة خبز أعطتها لي زوجتي وقلت له "جائع؟"

"لا، شكرا. تعال نسترح، أنا متعب قليلا".

وضعت قطعة الخبز في جيب سترة التيس، وهو قادني باتجاه السوق، فلما اقتربنا منه توقف.

"لماذا نترك هذا البرج منتصبا هكذا؟"

التفت إلى برج الحراسة على بعد مائة ياردة.

"وماذا تقترح أن نفعل؟"

"أنا لا أقترح شيئا. لكن تخيل كم هو سهل علينا كجماعة أن نهدمه هدما. بكل هؤلاء الناس الذين في المخيم نستطيع أن ...".

وقع علينا شعاع من الكشاف العالي، فأعمانا، غطيت عيني بذراعي، وسرعان ما تبعته أنوار مصباحي سيارة جيب ثم أنوار أخرى، وأحاطتا بنا.

صاح الجنود من على بعد ثلاثين ياردة تقريبا "لا تتحركا". أطعت، لكن التيس تحرك مبتعدا عني، مقتربا من جدار.

"قلنا توقفا".

قلت للتيس "أطعهم" لكنه تصرف كما لو كان لم يسمع شيئا.

"ولا خطوة أخرى".

قلت "هذا مجرد تيس".

"لا يهمني ماذا يكون".

"مجرد تيس لا يمكنه أن يفهمك".

اقترب الجندي. "ما الذي يرتديه؟"

قلت "سترة. إنه يشعر ببعض البرد".

"أنت قلت لي حالا إنه تيس، فكيف [بروح أمك] إذن علمت أنه بردان؟"

كدت أقول إن التيس أخبرني ولكنني أمسكت نفسي.

"عرفت وحسب. إنه تيسي".

"هل عندك تصريح بتيس؟"

"تصريح؟"

"لا يمكنك أن تحوز أي حيوان بدون تصريح من الجيش".

"التيوس تحتاج بطاقات هوية؟"

خطا التيس خطوة، ثم خطوة، باتجاه الجنود، فانطلقت رصاصات عديدة، أطاحت به عشرة أقدام إلى الوراء قبل أن يقع على الأرض. لم يتحرك. واستدارت البنادق إلي أنا.

"أنت. اذهب فانزع السترة عن التيس. ببطء".

أخذ الجنود يتراجعون عنا وهم رافعون بنادقهم، ومضيت أنا إلى التيس فانحنيت عليه، وكنت أرى أنه مات.

"يا أولاد القحاب، قتلتم آخر تيوس حمامة".

"انزع السترة".

ببطء، وبرفق، حاولت أن أفك سوستة السترة، لكن السوستة علقت ولم تستطع يداي المرتعدتان أن تفكاها.

"انزع السترة".

كانت دماء التيس قد بدأت تتجمع في الشارع. حملقت في الدم. عدت مرة أخرى أعالج السوستة، وأخيرا انفكت. رفعت ساق التيس اليسرى من الكم، وبدأت في اليمنى. وفيما كنت أخرج الحافر من الكم انكسرت الساق نصفين. وكنت أستشعر أن الجنود على وشك أن يطلقوا الرصاص، فدفعت من الكم ما بقي من الساق واستطعت أن أنزع السترة. رفعتها عاليا لكي يرى الجنود أنه ليس فيها شيء. لا قنبلة. لا سلاح. لا شيء إلا لقمة خبز، سقطت منها على أرض الشارع.

***

ابتعد الجنود بسيارتيهم، تاركيننا حيث كنا. لم أشأ أن أرجع بالتيس إلى بيت غسان على الفور. طبعا لم يكن هناك مرور، فلم أشأن أن أحركه من مكانه. وبرغم أننا كنا قريبين من بعض البيوت إلا أن أحدا لم يطل من الشبابيك أو البيبان.

جلست جنب التيس ولم أفكر كثيرا أو قليلا في الطريقة التي سآخذه بها إلى بيت سيده، على بعد عشرة دقائق. لم أفكر فيما سيقوله غسان لي بعد أن عهد إليَّ بتيسه. بل ولم يخطر لي أنني أصبحت من جديد بلا عمل وأنني سأعود مرة أخرى أبدد ساعات النهار في انتظار ساعات النوم.

تناولت الساق اليمنى المكسورة وتأملت حافر التيس. خشن، وفيه رقة. وضعته فوق جسد التيس. وكل حين كان شعاع كشاف برج الحراسة يمر بي، والغريب أنه لم يكن يعميني كما من قبل، ولكنه بات يبدو بطريقة أو بأخرى جزءا مني. كان الضوء يمتد فوقنا ويتجاوزنا، عابرا المجمعات السكنية، السادس والسابع والثامن، والتاسع، ماضيا باتجاه البحر، ثم إلى المدينة على بعد أميال، ثم إلى الجنوب، ثم يرجع إلى جباليا. لم يحدث شيء آخر. بقي قلبي يدق دولاب صدري وأصغي له. وأنا صغير، كنت بعد لعب كرة القدم، أضع أصابعي في أذني  وأصغي لطبول قلبي. ولكنني لم أكن بحاجة في تلك الليلة إلى أصابع في أذني.

انتظرت في وضعي ذلك أذان الفجر، لكنه أبى أن يجيء. وبدلا منه جاء من أول الشارع وقع حوافر حمار يجر عربة، وهو يعلو ويعلو إلى ان اقتربت العربة مني تماما.

خاطبني الرجل الذي لم أتعرف عليه من العربة:

"ماذا جرى؟"

"الجنود قتلوا تيس غسان أبو ماجد".

نظر إلي، وكان الليل لم يزل ينزاح للفجر. ولاحظت للمرة الأولى أن الرجل يحمل بطيخا بالمئات على عربته. نزل من العربة.

"دعني أساعدك".

وضعنا التيس على مؤخرة العربة.

"أهذا تيس غسان، الذي من حمامة؟"

"نعم، في المجمع السكني السادس".

عدت فأتيت بالسترة وحدثتني نفسي بأن بيننا وبين الشتاء وقتا طويلا، وأن ما ينتظرنا حقا هو شهور الصيف القاسية.

***

كنت أعرف أن غسان سيكون مستيقظا، فقد قال لي مرة إنه يستيقظ في الرابعة والنصف بالضبط، بعد أن يكون قد نام ساعات حظر التجوال الثمانية والنصف كاملة. وبذلك كأنها ليست موجودة. قال لي، حياتي خمسة عشر ساعة ونصف كل يوم.

قبل أن تصل العربة إلى بيت غسان كنت رأيته واقفا في الشارع، ورأيته يقبل علينا ليلاقينا. لم يقل شيئا، بل ولم يكد ينظر إليَّ، إنما اتجه إلى مؤخرة العربة، فحمل التيس على ذراعيه ومضى مبتعدا به.

لا أتذكر إن كنت شكرت الرجل صاحب العربة أم لم أشكره. عبرت من الزقاق إلى البيت. لم تقل زوجتي أي شيء وأنا أدخل، ربما تكون تنهدت في حزن حينما رفضت الطعام الذي قدمته لي، ولكنني لا أتذكر ذلك أيضا.

***

سمعت أن غسان مضى إلى الأرض التي كانت فيها ذات يوم حديقة البرتقال وحفر قبرا. سمعت أنه بقي يحفر ويحفر، رافضا أي عون من أي أحد، وأن أحدا وهو يحفر لم يغادر المكان، بل لقد كان الناس يتوافدون.

حل الليل حينما انتهى غسان من الحفر. كانت الحفرة عميقة لدرجة أن تعاون عدد من الرجل فجعلوا من أنفسهم حبلا بشريا واحدا ليتمكن غسان من الخروج من الحفرة.

كان وقت غير قليل قد مضى على بدء حظر التجول، حينما تحرك الجميع من المكان ومضوا يعبرون المخيم. كان الجميع على يقين من أن الجنود في جميع الأماكن ـ في الأزقة، على السطح، وبطريقة ما وسط رسوم الجرافيتي على الجدران، بل وفي شجرة الصفصاف العملاقة. كان بوسعنا أن نخبرهم، أنا والتيس، بغير ما يوقنون به، ولكن من منهم كان ليصدقنا؟

***

لم ير أحد غسان أبو ماجد بعدها. في صباح الليلة التي دفن فيها تيسه، تفقدت زوجته الغرفة الأمامية من البيت التي كان ينام فيها منذ أن ولد حفيدهما قبل ثمانية أسابيع. ولما لم تجد زوجها في نلك الغرفة، لم يذهب فكرها إلى بعيد، وقد ظنته تأخر في صلاة الفجر.

خرجت فغسلت الثياب وبدأت الشمس تجففها وزوجها لم يأت بعد. سألت بعض المارة إن كان أحدهم رآه، فعزوها جميعا في التيس ثم قالوا، لا، لم يروا غسان.

لفحت شمس الصيف شوارع جباليا وصارت جينزات الشباب السوداء تجف في عشرين دقيقة، وصار رجال المجمع السكني السادس يخرجون نحو الثالثة من عصر كل يوم بكراسيهم فيجلسون في الظل الدافئ أسفل الجدار المرسوم بالجرافيتي فيبددون ساعات العصر مثلما ظل غسان يفعل لعقود طوال. ها هنا، يتكلم الرجال ويحلمون بأيام الشتاء البعيدة، فإن جاءت يحلمون بأيام الصيف بينما المطر ينهمر حابسا إياهم في بيوتهم لا يملكون الخروج منها.

***

ويمضي نصف عام كالبرق، وإذا هو أول أيام الشتاء، والضباب عالق في الهواء، وسرعان ما يتحول الضباب قطرات مطر تنقر أسطح البيوت المعدنية.

ويقطع أحلامي بأيام الصيف البعيدة طرق، بل هو أدنى إلى الطبطبة الخافتة، على الباب الأمامي. ولا أتحرك من مكاني وقد سمعت زوجتي مارة جنب غرفتي باتجاه مدخل البيت. تفتح الباب المعدني فإذا له صرير يذكرني بالشغل، الذي وعدت به منذ وقت طويل ولم يُوفَّ بالوعد.

لا صوت هناك إلا أصداء أنين الباب، وهو ينغلق. والآن تنتقل الطبطبة إلى باب غرفتي.

"نعم"

شبح زوجتي هناك، تنظر، في الضوء الخافت، وثمة فيما يبدو لعيني شبه المغمضتين شبح آخر. لا أقول شيئا، لكي لا تعنفني زوجتي وهي تطالبني بتغيير النظارة. وحينما أجلس على حصيرة النوم وأمعن النظر أرى أن في يدها سترة.

"وجدت هذه معلقة على الباب من الخارج".

سألت "من الذي كان يطرق؟"

"لم أجد أحدا".

"لكن الملابس لا تطرق الأبواب يا زوجتي".

تكرر "لم أجد أحدا".

أتنهد وأنا أخرج من تحت البطانية.

"ناوليني السترة".

تعطيها لي وتقول "البسها".

ألبسها كما قالت وإذا بها جديدة ودافئة وأتذكر ابني. أستبعد أفكاري القاسية عما إذا كان هو الآن يشعر بالدفء في هذا الصباح من ديسمبر. أضع قدمي في الصندل، وأتجه إلى باب البيت الأمامي، وقبل أن أفتحه ألتفت ورائي إلى امرأتي الواقفة ورائي تماما.

"سأصلح الباب العصر".

لا ترد، مكتفية بأن صرير الباب نفسه يسخر من تأخري في إصلاحه. أنظر يمنة ويسرة في الشارع الخاوي الغارق في الماء وأوشك أن أغلق الباب لولا أني أرى مواطئ أقدام عند المنحنى.

أقول "كان شخص ما هنا".

"أكيد، السترة لم تأت من تلقاء نفسها".

أبقي عيني على الأرض. الزاوية اليمنى العلوية من القدم اليمني، حيث ينبغي أن يوجد آخر إصبعين، غير موجودة. تنتهى مواطئ القدمين عند عتبة بيتي، ثم ترتد إلى الشارع.

أغادر بسرعة دون أن أخبر زوجتي إلى أين أنا ذاهب. وأسمع كلماتها، حقيقة أم خيالا، وهي تطاردني في الشارع "يا رجل يا مجنون". ألبس السترة الجديدة، سترة ابني، مقتفيا أثر رجل اختفى منذ وقت طويل، وكان يحسب أن لديه تيسا يتكلم.

***

أتذكر شيئا سمعته عن غسان ذات مرة، قبل أن ألتقي به بسنوات كثيرة. وكنت أظن أنها حكاية خرافية. سمعت أنه في شبابه، حينما فرت عائلته من غزة، حمل تيسه، وكان من سابع جيل في حمامة، وسار به تسعة أميال كاملة، فلما وصلوا أخيرا همس في أذنه اللينة بوعد.

وبعد سنتين، أي سنة 1950 التي فتح فيها المخيم، ذهب غسان إلى الصفصافة العملاقة، وببلطة صغيرة قطع إصبعين من قدميه اليمنى. وفي السنة التالية، وفي اليوم نفسه، في الرابع من نوفمبر، ذهب مرة أخرى إلى الصفصافة يريد أن يقطع الإصبعيتن التاليين من قدمه اليمنى، لولا أن اقتربت منه الفتاة التي سوف تصبح زوجة له وقالت:

"وماذا أنت فاعل بعد ثماني سنوات؟"

"أقطع أصابع يدي".

"وحينما تنتهي أصابع يديك؟"

لم يقل غسان شيئا، فكسرت الفتاة الصمت وأجابت بنفسها سؤالها

"إذا كنت تريد أن تتزوجني، فلترب التيوس في ذكرى قريتنا، وأبق على أصابعك".

وذلك ما كان، وذلك ما يحملني على أن أقتفي في المطر الخفيف أثر مواطئ القدمين ذات الثمانية أصابع في الشارع وكلما ابتعدت، ازددت يقينا بما سيقودني إليه اقتفائي. أواصل التتبع، يشدني قدر محتوم. ولا أكاد أجتاز السياج المعدني الصدئ حتى أصبح في مقبرة البرتقال، والمواطئ تقودني إلى قبر بسيط، قبر لم أزره من قبل لكنني كنت أعلم علم اليقين أنه قبر التيس.

اختفت مواطئ القدمين عند حافة القبر. شخصت إليها، متدثرا بالسترة الدافئة حول جسمي. زخات المطر تتناثر على رأسي وتبل شعري قبل أن أكتشف أن في السترة غطاء للرأس. أغطي رأسي ويتبعثر المطر من فوق الغطاء، بصوت أشد ارتفاعا وخواء. بأية قوة يا ترى ينبغي أن يهطل هذا المطر لكي تمحي مواطئ الأقدام، أم تراها لن تمطر بالقوة اللازمة أبدا؟


 

نشرت في شرفات بتاريخ 20 مارس 2012