الأربعاء، 8 يوليو 2009

ندين لبعضنا بعضا بـ أن نحكي

صدر صباح اليوم عدد من ملحق شرفات التابع لحريدة عُمان مخصصا بالكامل للقصة القصيرة المترجمة، فيما يلي افتتاحية العدد وبعض المواد التي ترجمتها بنفسي، أما ترجمات الآخرين التي أشكرهم عليها، فلا أعتقد أن من حقي إدراجها هنا، جزء منها منشور على الموقع الإلكتروني للملحق ويمكن مطالعته هنا

أما قراء هذه المدونة المخلصين فسأنشر لهم هنا كل ما ترجمته، سواء نشره الموقع الإلكتروني للملحق أم لم ينشره فيما يلي بعض المواد

أضيف اليوم 12 يوليو 2009 قصة كلارا لروبرت بولانو



لماذا عدد كامل للقصة القصيرة؟
أحمد شافعي

الإجابة المختصرة:

ولم لا؟ ولم لا يكون هناك، بين الحين والآخر، عدد كامل مخصص من ألفه إلى يائه لشيء ما في حياتنا، دون أن يكون بالضرورة فنا كالقصة أو الشعر أو السينما؟ لم لا يكون هناك بين الحين والآخر نوع من رد الاعتبار لحكايات الطفولة، لذكريات المدرسة، للرسالة، هل تذكرون الرسالة، تلك التي كنا نكتبها في ورقة ثم نضعها في مظروف عليه طابع بريد، تلك التي يحكى أن أناسا ـ هم نحن؟ ـ كانوا يتواصلون من خلالها، أو يدسونها خفية في أيدي حبيباتهم؟ لم لا يكون هناك بين الحين والآخر عدد يدرك شيئا ما قبل أن يطويه النسيان؟ فـ هل القصة القصيرة شيء كهذا؟ أهي شيء مهدد بأن يطويه النسيان؟

الإجابة المستعارة:

يقترحها القاص والروائي البريطاني نيل جايمان في قصة له يستهلها بقوله إننا "ندين لبعضنا بعضا بأن نحكي القصص".

الإجابة السردية:

ذات يوم، وبينما أطالع قصة قصيرة منشورة في مجلة ذي نيويوركر الأسبوعية الأمريكية المرموقة، حتى سارعت أرسل إلى مترجمين في عمان وخارجها، أدعوهم، وأسألهم: ألم تقرأ مؤخرا قصة جميلة؟ ألا تود أن تحكيها لنا؟ ما رأيك في يوليو؟ ألا يبدو مناسبا لتحكي فيه قصة أعجبتك؟ نعم، نريد في أحد أعداد هذا الشهر أن نترجم قصصا قصيرة، أن نجعل منه عددا للقصة القصيرة الآن، لقصص حديثة نشرت بلغاتها في 2009.
وتمر الأيام والأسابيع، ولا أحد متحمس كفاية، والردود فاترة، فأحدهم يسأل "وماذا عن قصص 2008؟" فنقول "لا مانع، ليس لدينا موقف من 2008 على أية حال. كل ما نريده فقط هو أن تكون القصص حديثة". وأحدهم يسأل "وماذا عن قصص من 2008 مترجمة ومنشورة من قبل؟" وهنا نقول: لا. لدينا مانع. نريد أعمالا مترجمة خصيصا لهذا العدد.
وتأتي ردود متحمسة، ثم يسفر أكثرها عن لا شيء. وهكذا،ولأننا كنا مصرين على إخراج هذا العدد،فإن كل المشاركات التي لا تحمل اسم مترجم هي من ترجمة كاتب هذه السطور.

الإجابة التبريرية:


بدا الوضع في عمان غريبا عنه في المنطقة العربية، ففي حين تشهد بعض الدول العربية فيضانا روائيا، كانت عمان في السنوات القليلة الأخيرة تشهد ثورة للقصة القصيرة. وفي حين كان الشعراء وكتاب القصة العرب يتحولون عن الشعر والقصة إلى الرواية، أو يجمعون بينها وبين "تخصصاتهم الأصلية"، كانت القصة القصيرة تبدو في أزهى حالاتها على المستوى العماني. ولكننا نشعر أن هذا ازدهار إلى حين، وأن غول الرواية أو طوفانها بدأ يطل بوجهه الجميل. فعمان في النهاية جزء من العالم، يسري عليها ما يسري عليه، والقصة القصيرة لم تعد حاضرة حضورها القديم، واسألوا أنفسكم: كم رواية مترجمة وكم مجموعة قصصية مترجمة اشتريتموها خلال السنوات العشر الأخيرة، أو الخمس عشرة، أو العشرين؟ كما كاتبا عالميا للقصة القصيرة تعرفه وتستطيع القول إنك متابع لأعماله ومطلع على تجربته ـ بشرط أن يكون حيا يرزق، أو حتى حديث العهد بالقبر، أعني أحدا غير تشيخوف، وكالفينو، وكارفر، وغيرهم ممن رحمه الله؟
برغم ذلك، هناك من يكتبون القصة القصيرة، وهناك من ينشرونها، وهناك من يجربون فيها، وهناك في العالم قصص قصيرة حديثة تستحق أن نترجمها ونقرأها ونتفاعل معها، دون أن ينال هذا من صورتنا المسايرة للعصر كـ "قراء روايات محترفين" وكـ "كتاب روايات محتملين أو متحققين".

الإجابة الحوارية:


ـ هل نحن منحازون للقصة القصيرة؟
ـ نعم، ولكن ليس على حساب شيء آخر.
ـ بمعنى؟
ـ بمعنى أننا منحازون لأشياء كثيرة أخرى.
ـ هل يعني هذا أن نخصص عددا للرواية المترجمة؟
ـ لا
ـ لماذا؟
ـ لأن السؤال نفسه غبي
ـ وماذا عن الشعر المترجم؟
ـ يحيا الشعر المترجم
ـ ولماذا الإصرار على الترجمة؟
ـ هو فقط إيمان بضرورة الترجمة. وهو أيضا ضيق بالغ من "الحكماء" الذين يظهرون لنا على الشاشات والصفحات فيكلموننا عن أهمية الترجمة وصعوبة الترجمة وكم هي نبيلة وكيف أنها طريق النهضة، وفقط، دون أن يفعلوا الترجمة. نحن أردنا أن نفعلها بدلا من أن نتكلم عنها.
ربما لا يكون أهم ما نحتاج إليه من أجل تحقيق "النهضة" "العربية" هو بضع قصص قصيرة مترجمة عن الإنجليزية كلغة أصلية أو لغة وسيطة، ولكن شيئا مهما مما نحتاجه لكي نحقق أي شيء ـ وإن لم يزد عن مجرد المتعة ـ هو بضع قصص قصيرة مترجمة بين الحين والآخر عن هذه اللغة أو تلك.

الإجابة

نتمنى أن يكون العدد نفسه إجابة . أن يكون وجوده فقط كافيا كمبرر لوجوده.

***

كلمة قبل الأخيرة

أردنا في هذا العدد أن نلقي الضوء على تجربة مهمة ـ في تقديرنا ـ تقوم بها المترجمة المصرية هالة صلاح الدين منذ بضع سنوات، حيث تقوم بمفردها بإصدار "البوتقة" (وهي مجلة مخصصة لترجماتها من القصة القصيرة المكتوبة بالإنجليزية) وتنشرها مجانا، فأرسلنا إليها عددا من الأسئلة راغبين أن تكون محاور شهادة لها حول تجربتها.

***


كلمة أخيرة

لا نعرف إن كان أبو بكر يوسف هو أول من قدم أنطون تشيخوف إلى القارئ العربي، ولكننا نعرف أنه لا توجد، حتى الآن، أكمل من المجلدات الأربع التي قدم لنا من خلالها كاتبا يعده الكثيرون أهم اسم في تاريخ القصة القصيرة. هذا العدد هدية منا إلى أبو بكر يوسف، اعترافا بما يمثله، وامتنانا لإسهامه وتقديرا له، ومواصلة لعمله.

طموح القصة القصيرة
ستيفن ملهاوزر

القصة القصيرة ـ ما أبسط سلوكها، وما أشد تواضع أخلاقها، إنها تجلس في هدوء، منكسة العينين، كأنما تحاول ألا يراها أحد. وإن حدث ولفتت نظرك بطريقة أو بأخرى، إذا بها تسارع إلى القول في صوت ثابت، مقلل من قدره، واع تماما لكل احتمالات الخيبة والإحباط: «أنا لست رواية. لست حتى رواية قصيرة. لو هذا ما تبحث عنه، فأنت لا تريدني». نادرا ما غلب جنس أدبي جنسا آخر بهذه الطريقة. ونحن نفهم هذا، ونحني رؤوسنا مدركين أن الحجم ـ هنا في أمريكا ـ يساوي القوة. الرواية هي الـ وول مارت، هي الناقلة العملاقة، هي طائرة الأدب الجمبو. الرواية هي النهمة التي تريد أن تبتلع العالم. فماذا يتبقى للقصة القصيرة المسكينة؟ يمكنها أن تزرع حديقتها، تمارس التأمل، تسقي الورد في أصيص الشرفة. يمكنها أن تدرس الكتابة الإبداعية غير القصصية. يمكنها أن تفعل ما يحلو لها، بشرط ألا تنسى موضعها، بشرط أن تبقى هادئة ومؤدبة، بشرط ألا تعترض الطريق. «هُوو هاه» هكذا تصيح الرواية «أنا وصلت». القصة القصيرة تبحث عن غطاء تأميني. الرواية تشتري الأراضي، تزيل الأشجار، تقيّم البنايات. القصة القصيرة تعدو على الشريط العشبي، تنحشر بجانب السياج.
طبعا هناك فضائل للصغر. وحتى الرواية ستوافق على الكثير منها. فالأشياء الضخمة تنزع غالبا إلى الثقل، والارتباك، والفظاظة، بينما الصغر هو مجال الأناقة والجمال. هو أيضا مجال الكمال. الرواية بطبيعتها تنزع إلى الشمول، ولكن العالم عصي على الاندراج، ومن هنا تعجز الرواية ـ تلك المكافحة الفاوستية ـ عن إشباع رغبتها. أما القصة القصيرة ـ في المقابل ـ فالانتقائية في دمها. ولأنها تستبعد تقريا كل شيء، فإن بوسعها أن تمنح الشكل المثالي لما تبقي عليه. وبوسع القصة القصيرة أيضا أن تدعي لنفسها نوعا من الاكتمال الذي يروغ من الرواية، إذ بعد عملية الاستبعاد المتطرفة الأولى، يمكن لها أن تتسع لكل الدقائق الباقية. غير أن الرواية ـ إن حدث وتذكرت القصة القصيرة ـ تكون كريمة النفس فتقول وهي واضعة يدها الضخمة الخشنة على قلبها «على فكرة انت عاجباني. صحيح. مش هزار. انت شديدة الـ ... انت شديدة الـ ...» ها؟ شديدة الجمال! شديدة الرشاقة! شديدة الرقي! شديدة الذكاء أيضا! الرواية لا تكاد تقوى على احتواء نفسها. وفي النهاية، ما الفارق الذي تحدثه الرواية؟ إنها ليست إلا كلاما. ما تهتم له الرواية هو الشسوع، والسلطة. ففي أعماق قلبها، هي تزدري القصة القصيرة التي ترضى بأقل القليل. وهي لا تحفل بتزمت القصة، وكبحها للشهوة، وأنفتها، ونكرانها للذات. الرواية تريد. تريد الأرض. تريد العالم كله. أما الكمال فإنه عزاء من ليس لديهم سواه.
وللقصة القصيرة الكثير والكثير. فهي متواضعة في ادعاءاتها، معتزة في خجل بفضائلها العذبة، لا تبالي بمنافستها الوقحة، ترضى بالجلوس في الخلف تاركة الرواية تتصدر العالم الضخم. ولكن، ولكن. هذه الجلسة المتواضعة ـ أأكون مخطئا، أم في الأمر بعض المبالغة؟ هذه النظرات القادمة من بعيد ـ أليست فيها لمسة مكر؟ أيمكن أن يكون للقصة القصيرة المسكينة مطامحها؟ أتراها تجرؤ على هذا؟ لو صح هذا، فلن تفصح علنا عن مطامحها هذه، بسبب حدة غريزة حماية الذات، بسبب تاريخ طويل من اللجوء للسرية مواجهةً للقمع. ففي عالم تحكمه الروايات المتبجحة، تعلم الصغر أن يشق طريقه بحذر. ولذا سيكون علينا أن نحدس سرها. أنا شخصيا أتخيل أن القصة القصيرة تخفي أمنية. أتخيل القصة القصيرة تقول للرواية: خذي كل شيء، كل شيء، أما أنا فلا أريد غير حبة رمل. وإذا الرواية تهز كتفيها بلا مبالاة، وفرح واستخفاف، وتبارك الأمنية.
ولكن حبة الرمل هي مخرج القصة. حبة الرمل خلاص القصة. وأعرف هذا من وليم بليك: «أن ترى العالم في حبة رمل». تخيلوا: العالم في حبة رمل، أي أن كل جزء من العالم، مهما يكن صغيرا، يحتوي العالم في تمامه. أو بعبارة أخرى: لو ركزتم أنظاركم على جزء يبدو تافها من العالم، فلن تروا، في العمق منه، إلا العالم نفسه. في تلك الحبة الوحيدة من الرمل ثمة الشاطئ الذي يحتوي حبة الرمل. في تلك الحبة الوحيدة من الرمل ثمة المحيط الذي يضرب الشاطئ، والسفينة التي تمخر المحيط، والشمس التي تشرق على السفينة، والرياح المجرية، وملعقة شاي من تكساس، وبنية الكون. وهنا ترون طموح القصة القصيرة، الطموح الرهيب الكامن خلف التواضع الماكر: أن تجسد العالم كله. القصة القصيرة تؤمن بالتحول. تؤمن بالقوى الخفية. الرواية تؤثر الأشياء الواضحة. ليس لديها صبر على حبات الرمل الوحيدة، التي تسطع وتتوهج، فتصعب رؤيتها. الرواية تريد أن تكتسح كل شيء في حضنها الرهيب ـ السواحل والجبال والقارات. ولكنها لا يمكن أن تنجح، لأن العالم أوسع من الرواية، وهو يمرق ويمرق في كل لحظة، والرواية تثب وتثب من مكان لآخر، في جوع دائم، ونهم دائم، وخوف دائم من أن تنتهي، لأنها حينما تتوقف، منهكة ولكن في غير ما سلام، سيفلت منها العالم. بينما القصة القصيرة تركز على حبتها الرملية، في إيمان رهيب بأن هناك، وهناك بالذات، في راحة يدها، يكمن الكون. إنها تنشد معرفة حبة الرمل هذه نشدان عاشق معرفةَ وجه معشوقه. إنها تتطلع إلى لحظة تكشف فيها حبة الرمل حقيقتها الحقة. في لحظة الاتساع الصوفي تلك، حينما تنبجس الزهرة الكونية من البذرة الصغيرة، تستشعر القصة القصيرة قوتها. تصبح أكبر من نفسها. تصبح أكبر من الرواية. تصبح كبيرة كبر الكون. هنالك يكمن لاتواضع القصة القصيرة، وعنفها السري. منهجها هو الإيحاء. ضآلتها هي سر قوتها. ضخامة الرواية الثقيلة تبدو صورة مضحكة لضعفها. لا تعتذر القصة القصيرة عن شيء. فقط لا تزال تريد أن تكون أقصر. تريد أن تكون كلمة واحدة. لو أنها تعثر على تلك الكلمة، لو أنها تستطيع أن تنطق ذلك المقطع الصوتي، سترون الكون كله يضج بالهتاف. ذلك طموح القصة القصيرة الخارق، ذلك يقينها العميق، وفي ذلك عظمة الصغر.

* ستيفن ميلهاوزر قاص وروائي أمريكي صدرت أحدث مجموعاته بعنوان «ضحك خطر: ثلاث عشرة قصة قصيرة». صدر له من قبل رواية «إدون ملهاوس: حياة وموت كاتب أمريكي» عام 1972 وحصلت في فرنسا على جائزة بري ميديسي ومنذ ذلك الحين أصدر تسعة كتب بين الروايات والقصص والروايات القصيرة. يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية في كلية سكيدمور. تحولت قصص له إلى أفلام سينمائية، وترجمت أعماله إلى أربع عشرة لغة.

ثلاث قصص قصيرة جدا
أنطوني فارالو

الصبي

كان والدا الصبي يحذرانه دوما أنهما سوف يخرجان ويتركانه في البيت إن لم يتوقف عن تصرفاته الخاطئة. وذات يوم فعلاها. قالا له «لقد حاولنا أن ننبهك» وأغلقا الباب وانطلقا بالسيارة. تجاهلا تلويحته لهما (تذكروا أنهما كانا غاضبين منه). تابعهما الصبي من الشباك. ولم يكن من قبل قد أدرك كم يكون أبواه ظريفين في السيارة. كأنهما دميتان صغيرتان. أو حيوانان أليفان.
ومرت سنوات.
كبر الصبي. صار يقص العشب في الممشى الأمامي بحصادة أبيه التي تركها ويصلح الثياب بآلة أمه السنجر. كان في الإجازات يدعو الجيران لتناول شراب التفاح الدافئ وكعكة المكرونز. وكان جيرانه يريدون دائما أن يسألوه «ما الذي حدث لأبويك؟» ولكنهم بطريقة أو بأخرى لم يتطرقوا قط إلى الأمر. وكانوا يسألونه عن وصفة كعكة المكرونز.
فكان يعترف «إنها مزيج من الوصفات».
في المدرسة الثانوية لعب البيسبول وكان نجم مسرحية التخرج. قابل فتاة تلف شعرها بشريط وكان أحيانا يدعوها إلى بيته، وهناك حكا لها عن أبويه. بكت الفتاة وقبلته وحلت الشريط عن شعرها. إحدى عشرة كلية قبلت أوراق الصبي. كان الصبي يلعب البلياردو ليلا على منضدة أبيه، التي كان الصبي قديما يختبئ تحتها بعد أن يتصرف بشكل غير لائق. أو ربما كان الصبي يتخيل ذلك لا أكثر. الأمر أنه لم يكن قادرا أن يتذكر ما الذي فعله فدفع أبويه إلى الخروج. فكر أنه شيء ما. شيء ما فعله.
وذات يوم كان الصبي جالسا على مقعد الاسترخاء الذي أصلحه مؤخرا حين ظهر والداه في مدخل البيت. (لم يكن الصبي يصدق من قبل تعبيرا من هذا النوع، ولكنه كان يرى بعينيه أنه حقيقي، فالناس يمكن بالفعل أن يظهروا هكذا بغتة في المدخل). كان أبوه، وكانت أمه، أيضا. ياه!
قال أبوه «ماذا فعلت بمقعد الاسترخاء؟»
أخذ الصبي معطفي أبيه وأمه المبلولين من المطر. وسأل الصبي «هل تريدان أن تشربا شيئا؟»
قال الأب «نحن لسنا ضيوفا». كبر الأب، وبات صوته مرتعشا. جاء إليهما الصبي ببعض الشاي.
جلس الثلاثة في غرفة المعيشة ومضوا يشربون الشاي. كانت خيوط الضوء تدخل من الشبابيك الأمامية راسمة أشرطة طويلة عبر الغرفة. تأمل الصبي أبويه. كانت أمه لا تزال جميلة على طريقتها، ولكنها أكبر، وأثقل، وعيناها ترفضان مقابلة عينيه. أبوه كان يقبض بيديه على قبعته ـ نفس القبعة! ـ ويجول بعينه في الغرفة بخيبة أمل بادية. تتحرك عقارب الساعات بصوتها الرتيب. وسيارات تمر بين الحين والآخر، فتجدد الصمت الذي يلف الثلاثة.
وأخيرا قال أبو الصبي «كل ما أردناه هو أن نلقنك درسا، فاهم؟ لتعي درسا»
رمت أم الصبي فنجانها وأمسكت وجهها بيديها وصاحت «ذلك كل ما أردناه. قل إنك تفهم».

الأيام الأولى

في الأيام الأولى ينام الطفل في سبت الغسيل.
«أليس في هذا خطر؟» يتساءل الأب، ولكن من أين له أن يعرف أي شيء؟ هذا طفله ـ طفلهما ـ الأول. الأب متوتر. ولم يسبق للأب أن توتر بهذا الشكل من أي شيء. تشرح له الأم أن «هذا ورد في الكتاب». ولكن الطفل لن يستطيع النوم في سبت الغسيل، ومن يستطيع؟
السبت مشقوق من أحد طرفيه، فقد طولب مرات كثيرة بإمساك المناشف المبلولة بينما يسنده الأب على السيارة ريثما يعثر على المفاتيح. ليست لديهم غسالة، أو مجفف، فهما مرغمان على الذهاب إلى المغسلة. في الأيام الأولى يغسل الأب سبعة عشر حملا من الغسيل.
في الليل، يتناوبان تهدئة الطفل. فالطفل قادر على البكاء. والطفل يثني ظهره ويصرخ، محمر الوجه، عاقدا قبضتيه بشدة.
يسأل الأب «ما الذي يقوله الكتاب؟». ولكن الأم نائمة. في الأيام الأولى ينامان كلما أمكنهما ذلك. في الأيام الأولى تحلم الأم بالكتان.
الأب والطفل لهما روتين ليلي. يحمل الأب الطفل على مقربة من صدره ويتواثب به على السرير الذي تنام عليه الأم بينما ينظر إلى غصن الشجرة الوحيد الذي يمكن رؤيته من شباك غرفة النوم. يحب الأب هذا الغصن، ويؤمن أن الطفل يحبه أيضا، فقد حدث مرتين أن نام الطفل بعد أن لفت الأب انتباهه إلى فروع الغصن وهي تقتنص نور القمر بطريقة آسرة. يزداد تنفس الطفل عمقا، وبطئا. في الأيام الأولى تستيقظ الأم على الأب وهو يتواثب، مغمض العينين.
في أول سبعة عشر حملا من الغسيل، يتفحص الأب المجفف من الداخل ليتأكد أنه لم يلق بالطفل إليه مع الثياب. يعرف أنه خوف غير مبرر، ربما بسبب قلة النوم، ولكن من يدري. في الأيام الأولى يشاهد الأب أوبرا في تليفزيون المغسلة.
«أظن علينا أن نطمئن من الطبيب على برازه». تقول الأم وهي تتفحص أحد الحفاضات. الطفل يرضع من صدرها. «شكله ليس مثل براز الكتاب».
يتناول الأب الكتاب، ويبحث في الفهرست عن البراز. في الأيام الأولى يوجد الكتاب فوق التليفزيون.
أحيانا يبدو الغصن مضيئا بصورة خلابة في نور القمر. كيف لم يلاحظ الأب من قبل مدى سطوع نور القمر؟ في الأيام الأولى يرى الأب بومة وثلاثة وطاويط على الشباك.
ذات ليلة ينام الطفل بغتة داخل السبت.
«كان الكتاب على حق» تهمس الأم.
«دائما يعجبني هذا الكتاب» يقول الأب.
مع حمل الغسيل الثامن عشر لا يتفحص الأب المجفف من الداخل. يأخذ الثياب ويطويها داخل السبت. ولا يخطر بباله وهو يقترب من الموقف، حيث ينبغي عليه أن يسند السبت على السيارة، ان الأيام الأولى مضت، وأن الأيام التالية لها بدأت.

كانت تتساءل أحيانا عما سيحدث

كانت أحيانا تتساءل عما سيحدث لو عرف. سيغضب طبعا، لا مفر من هذا. سيجن جنونه. سيقول أشياء لا يعنيها، كما يفعل دائما في كل شجار. سيقول إنه لا يصدق أني فعلت هذا به. كيف قدرت أن تفعل هذا به؟ لماذا تفعل به دائما أشياء كهذه؟ هل فكرت ولو للحظة في هذا؟ وسيريد أن يعرف إن كانت بجد قد فكرت ولو للحظة في كل الطرق التي خذلته بها. سيسرد طرقا عديدة. سيضرب أمثلة. هو دائما مغرم بضرب الأمثلة، من قبيل، «هذا بالضبط مثل المرة التي أعطيت فيها تلك المرأة عملتها النادرة بعد أن وجدتها في المنفضة» أو «هذا بالضبط مثل المرة التي سألتك فيها إن كنت أرسلت صندوق الطعام واتضح أنك تركتيه في سارسوتا»، أو «هذا بالضبط ما أتوقعه من امرأة تسرق الكابل».
بعد ذلك سوف يتجهم. يا إلهي كم سيتجهم لو عرف. سيتناول سترته ويخرج من البيت وهو يهوش. سيصفق الباب ـ تراخ ـ ويعود بعد ساعة، وهو غير قادر على التفكير في أي شيء يمكن أن يعمله ويكون مساويا لكم غضبه. بعد ذلك، سيشرب قليلا من البيرة من الثلاجة، ويستمع للموسيقى عبر سماعات الأذن، والعبوس يكسو وجهه مثلما يكسوه دائما كلما شرب بيرة واستمع للموسيقى عبر سماعات الأذن. سينام على الكنبة تاركا التليفزيون مفتوحا. وحين تقول له تصبح على خير سيتظاهر أنه لم يسمعها. سيتنقل بين القنوات، مشاهدا كل البرامج التي تكرهها كل الكراهية، والتي تعرف أنه هو أيضا يكرهها، مثل سي إس آي، وبنات الجيران. وفي اليوم التالي سيخرج من البيت قبلها، عسى أن يثير قلقها.
ولكنها أحيانا لا تتساءل عما يمكن أن يفعله لو عرف، وكل شيء يكون على ما يرام. يذهبان معا إلى السينما، أو المكتبة، أو سوق الخضار، ولا تفكر مطلقا فيما سيحدث لو عرف. يتكلمان، يتبادلان النكات، يضحكان. تمر أيام. وأسابيع. يمارسان الروتين السعيد المعتاد دائما. يأكلان في العديد من المطاعم الهندية ويزوران عائلته في أركانسو. يمارسان الحب. طبعا يفعلان هذا. ويمر وقت كثير فتصحو في بعض الصباحات وهي مبتهجة ومتفائلة، بل ومنتشية، ولكنها حينئذ تنكر فيتبدد الإحساس وتتساءل عما سيفعله لو عرف.

* فازت مجموعة أنطوني فارالو القصصية «بصوت عال» بجائزة درو هاينز الأدبية التي تمنحها مطبعة جامعة بيتسبرج عام 2008. فازت مجموعته الأولى «حدث في مثل هذا اليوم» بجائزة جون سيمن للقصة القصيرة التي تمنحها مطبعة جامعة أيوا عام 2005. نشرت قصصه القصيرة في العديد من المجلات المرموقة، والقصص الثلاث المترجمة هنا نشرت في عدد 2009 من مجلة أجني.

بدأ يؤلم
جيمس لاسدن

ـ يعجبك الغداء مستر براير؟
ـ ممتاز
ـ كنت في سورليز؟
ـ لا، بل في... مكان صيني.
ـ المدام اتصلت
اتصل بالبيت، ردت زوجته
ـ في أي مصيبة كنت حتى الآن؟
ـ آسف يا حبيبتي. غداء مزعج و...
غريب كذبه عليها مرة أخرى. وحول جنازة!
ـ توم في الطريق. هات سلمون وأنت راجع، هاته من عند دالجليش. سلمون بحري، لا سلمون مزارع. الأفضل تذهب فورا، قبل أن ينفد السلمون.
إنه يوليو، صيف حارق. مشى ببطء، يفكر في الطقوس التي حضرها للتو. من بين الخمسة أو الستة مشيعين لم يكن يعرف غير المحامي الذي عرفه بماري منذ عشر سنوات والذي أخبره بموتها منذ أسبوع.
صعقه الخبر، لم يكن يعرف أنها مريضة، ولكنه أيضا لم يكن رآها منذ سبع سنوات. أثناء الطقوس وجد نفسه يبكي ولا يملك أن يسيطر على نفسه.
رفع البائع في دالجليش سمكة بطول ذراعه من تحت غطاء من الثلج والأعشاب البحرية.
ـ ما رأيك في هذه؟
ـ أوكي، ممكن ...
ـ الأحشاء والقشر؟
ـ من فضلك
شق البائع بطن السمكة بسكينة قصيرة، ساكبا الأحشاء الصفراء المنداة في دلو. سكب الماء على القشور العالقة واللحم الأحمر الداخلي ثم لف السمكة في ورقة ووضعها في كيس بلاستيكي. كانت أطول بست بوصات من ثلاجة المكتب.
ـ ملعون أبو السلمون
نزل إلى المخزن. كانت هناك مصايد بالصمغ فيها فئران وخنافس ميتة، ولكن الجو كان أبرد من الطابق الأعلى. استطاع بصعوبة أن يضع السمكة في درج خزانة ملفات قديمة. قضى بقية العصر في العمل على قوائم إيجارات جديدة. وعندما انتهى كانت عيناه تحترقان. تأخر الوقت وعليه أن يسرع إلى محطة مترو الأنفاق. دخل تشارنج كروس عرقان، لاهثا، ولحق في الوقت المناسب نمرة أربعة وستين.
في القطار نمرة أربعة وستين، المزدحم بركاب آخر الأسبوع، وجد نفسه يفكر في ماري. كانت أحيانا تغني في أذنه أغنية لا معنى لها، بفم قريب كأنها تسر بشيء. تذكرغرابة عزلتها في لندن، ولامبالاتها الأغرب بتلك العزلة. لم يكن بوسعهما تدبر نفقات الفنادق فكانا يتظاهران بأنها زبونة مهتمة بإحدى عقارات شركته. وكل بيت دخلاه كان عالما مختلفا. وكل ممارسة للحب في "شقة فكتورية فخمة على مستويين" أو "شقة دافئة ذات حديقة" مغامرة في سلسلة حيوات محتملة يحفل كل منها بمتعه الطائشة: فهما في عصر يوم اشتراكيان ثريان، وفي آخر طالبان بوهيميان ... ولثلاث سنوات شعر أنه الرجل الأسعد في الدنيا، والأوفر حظا. لم تطلب منه ماري قط أن يترك أسرته، وكان يعتبر هذا أيضا جزءا من حظه.
ثم، فجأة، أنهت كل شيء. قالت له "أنا أحبك. وهذا بدأ يؤلم".
كانت زوجته تنتظره على باب المحطة.
ـ أين السلمون؟
فجأة سرى الرعب داخله.
ـ نسيته
استدارت عنه فجأة، ثم نظرت إليه بسرعة
ـ أنت عبيط. بجد أنت بني آدم عبيط

* جيمس لاسدن، شاعر وقاص وروائي بريطاني يقيم في الولايات المتحدة. تحولت قصة قصيرة له بعنوان "محاصَر" إلى فيلم لبرتولد برتولوتشي. مارس تدريس الشعر والقص في جامعات برنستاون ونيويورك وكولومبيا.

مخاوف غير مبررة
فرناندو سورنتينو

لست شخصا اجتماعيا بدرجة كبيرة، فغالبا ما أنسى أصحابي. أمضيت مرة سنتين قبل أن أذهب في أحد أيام يناير سنة 1979 ـ وكانت أيام حر شديد ـ لزيارة صديق لي يعاني بطريقة ما من مخاوف لا مبرر لها. اسمه ليس مهما، فلنطلق عليه ـ لنطلق عليه فقط ـ اسم إنريك فياني.
في يوم ما من مارس 1977 تغير مسار حياته.
يبدو أن إنريك كان في غرفة المعيشة في بيته، قرب باب الشرفة، حين رأى فجأة عنكبوتا "هائلا" ـ حسب قوله ـ على حذائه الأيمن. ولم يكد يفكر أن هذا أضخم عنكبوت رآه في حياته، حتى ترك الحيوان مكانه على الحذاء، وانسل داخلا بين الساق والبنطلون.
أصاب "الذهول" إنريك فياني ـ حسب ما قال. فلم يكن قد حدث له شيء كريه كهذا من قبل. وفي تلك اللحظة تذكر قاعدتين قرأهما في مكان أو آخر، وهما (1) أن جميع العناكب، بدون استثناء، حتى الأصغر من بينها، تحمل سما، وبوسعها أن تنفثه و(2) أن العناكب تلدغ فقط في حالة إحساسها بالهجوم أو الانزعاج. وكان واضحا له أنه لا بد أن يكون في العنكبوت الضخم قدر وافر من السم، ومن النوع مكتمل السمية. ولذلك فكر إنريك فياني أن أحكم شيء يمكن أن يفعله هو أن يبقى ساكنا، ما دامت الحشرة سوف تنفث فيه، لأقل حركة يقوم بها، جرعة نهائية من السم القاتل.
هكذا بقي متسمرا لخمس ساعات أو ست، آملا بصورة منطقية أن يترك العنكبوت في النهاية موضعه على ساقه اليمنى، فمن الواضح أنه لن يستطيع المكوث طويلا في موقع لا يجد فيه أي طعام.
وما إن وصل إلى هذه النبوءة المتفائلة، حتى شعر أن الزائر قد بدأ بالفعل يتحرك. كان العنكبوت ثقيلا، وجسيما، لدرجة أن إنريك فياني كان يشعر ويحصي دبات أقدامه الثماني المشعرة، واللزجة قليلا، على لحم ربلته المنتفخة. ولكن الضيف لسوء الحظ لم يكن يتحرك ليرحل، بل إنه بدلا من ذلك عشش بصدره و بطنه النابضة الدافئة في الفجوة الموجودة عندنا جميعا خلف ركبنا.
حتى هنا يكون لدينا الجزء الأول ـ والأساسي طبعا ـ من هذه القصة. بعد ذلك حدثت تنويعات ليست بالغة الأهمية، ومن ذلك حقيقة أن إنريك فياني أصر ـ من فرط خوفه من اللدغ ـ على البقاء متحجرا لأطول فترة ممكنة برغم أن زوجته وابنتيه كن يتوسلن إليه أن يتخلى عن هذه الخطة. وإذا بهم جميعا في هذه الحالة من الشلل التي لم يكن من الممكن في ظلها إحراز أي تقدم.
بعد ذلك شرفتني جارثيلا ـ الزوجة ـ إذ استدعتني لأرى إن كان بوسعي حل المشكلة. وكان ذلك حوالي الثانية ظهرا: ضايقني قليلا أن أتخلى عن قيلولتي الأسبوعية الوحيدة، فلعنت في سري الناس الذين يعجزون عن تدبير أمورهم. وما أن وصلت منزل إنريك فياني حتى وجدت مشهدا مثيرا للشفقة: كان واقفا بلا حراك، وإن لم يكن في وضع متيبس، كأنه في حالة الاستراحة العسكرية، وجارثيلا والبنتان يبكين.
استطعت أن أبقى على هدوئي وحاولت أن أهدئ من روع النساء الثلاثة أيضا. ثم قلت لإنريك فياني إنه لو وافق على خطتي، فإنني قادر على القيام بعمل سريع مع العنكبوت الغازي. فتح إنريك فياني فمه أقل فتحة ممكنة، بحيث لا تصل اهتزازة ما إلى عضلة ساقه، وسألني:
"خطة ماذا؟"
شرحت له، سآخذ موسى، وأقوم بعمل شق طولي من أعلى إلى أسفل في بنطلونه إلى أن أصل إلى العنكبوت بدون حتى أن ألمسه. وبمجرد أن يحدث هذا، سيكون من السهل عليّ أن أضربه بجريدة مثنية، فأطرحه أرضا ثم أقتله أو أمسكه.
همهم إنريك فياني قائلا بيأس "لا، لا". وقال وهو يحاول أن يتمالك نفسه "ستتحرك رجل البنطلون فيلدغني العنكبوت. لا، لا، هذه فكرة مرعبة".
تصيبني الناس العنيدة بضيق بالغ. وخطتي التي يمكن أن أقول ـ ولا فخر ـ إنها مثالية، يأتي هذا التعيس الذي ضيع على قيلولتي ليرفضها، وليت رفضه لها عن سبب وجيه، بل لأنه ـ من الآخر ـ كان يتعالى عليها.
قالت جارثيلا "أنا الآن لا أعرف ما الذي يمكن بحق الجحيم أن نفعله، والليلة أيضا عندنا عيد ميلاد باتريشيا الخامس عشر".
قلت "ألف مبروك" وقبلت فتاة عيد الميلاد.
"ولا يمكن أن نترك الضيوف يرون إنريك وهو واقف هناك كالتمثال".
"وأليخاندرو، ماذا سيقول؟"
"أليخاندرو من؟"
"صديقي" باتريشيا، طبعا، هي التي قالت هذا.
قالت كلوديا، الشقيقة الصغرى، "عندي فكرة، يمكن أن نتصل بـ دون نيكولا و ..."
فليكن واضحا أنني لم أكن مبهورا بخطة كلوديا، ولم يكن لي أصلا أية علاقة بتبنيها. لقد كنت في الواقع مستميتا في معارضتها. ولكن الجميع كانوا يؤيدونها من كل قلوبهم وإنريك فياني بالذات كان الأكثر حماسا من غيره.
وهكذا دخل علينا دون نيكولا، وعلى الفور، ولأنه رجل أفعال لا أقوال، بدأ الشغل. فبسرعة أخذ يقلب القصعة، وطوبة بعد طوبة، أخذ يبني حول إنريك فياني أسطوانة طويلة رقيقة. أتاح ضيق الثكنة ـ ولم يكن الضيق مشكلة بأية حال ـ لإنريك فياني أن ينام واقفا دون أن يخاف من السقوط أو من فقدان وضعها الصحيح. بعد ذلك بدأ دون نيكولا يكسو البناء بملاط، ثم طلاه بالأخضر الطحلبي بحيث تتماشى مع الستائر والكراسي.
ومع ذلك لم ترض جارثيلا عن الأثر العام للمسلة الصغيرة في غرفة المعيشة، فجربت وضع مزهرية ورد فوقها ومصباح زينة. وفي تشكك، قالت:
ـ لخبطة مؤقتة والسلام. يوم الاثنين سأشتري شيئا شكله محترم
ولكي لا يشتد على إنريك فياني الشعور بالوحدة، فكرت أن أبقى لحضور حفلة باتريشيا، لولا أن أرعبتني فكرة مواجهة الموسيقى التي يحبها شبابنا لدرجة الجنون. وكان دون نيكولا قد راعى على أي حال أن يضيف نافذة مستطيلة صغيرة أمام عيني إنريك فياني، ليسلي نفسه بمشاهدة آيات الشذوذ. بعدما رأيت أن كل شيء صار طبيعيا، سلمت على عائلة فياني ودون نيكولا وعدت إلى البيت.
كنا في بيونس آيرس في تلك السنوات غارقين في الشغل والالتزامات: والحقيقة أنني تقريبا نسيت تماما أمر إنريك فياني. إلى أن حدث أخيرا، منذ أسبوعين فقط، أن وجدت لحظة فراغ فذهبت لأطل عليه على السريع.
وجدت أنه لا يزال يعيش في مسلته الصغيرة، ولكن الآن صار هناك نبات متسلق رائع أزرق الزهر ملتفا حولها كاسيا إياها بالورق الأخضر؟ أزحت قليلا بعض الخضرة الكثيفة ومن خلال النافذة الصغيرة استطعت أن ألمح وجهه الذي بدا على درجة من الشحوب تشعرك أنه شفاف. قالت لي جارثيلا ـ وقد خمنت السؤال الذي سوف أطرحه ـ إن الطبيعة قد أعفته، من خلال نوع معين من التكيف الحكيم، من جميع الضروريات المادية.
لم أشأ أن أرحل دون أن أجهر مرة أخرى بصوت العقل. طلبت من إنريك فياني أن يتعقل، فبعد ثلاثة وعشرين شهرا من الحياة في المسلة، من المؤكد أن يكون عنكبوتنا قد مات، وبوسعنا الآن أن نهدم تحفة دون نيكولا و...
كان إنريك فياني قد فقد القدرة على الكلام، أو لم يكن من الممكن بأية وسيلة أن يسمع صوته، فقال لا بعينيه، في يأس.
حاولت معه، ور بما في قليل من الأسى، خرجت.
أنا بشكل عام لا أفكر في إنريك فياني. ولكن مؤخرا، تذكرت حاله مرتين ثلاثة، فانفجرت في الغضب: آه من تلك المخاوف غير المبررة، لولا سطوتها، لرأيتموني أمسك معولا وأسوي بالأرض بناء دون نيكولا الأخرق، ولرأيتم كيف أن إنريك فياني ـ في مواجهة الحقائق الدامغة التي يعلو صوتها على صوت الكلام ـ سيقتنع أن مخاوفه كانت بلا أساس.
ولكن بعد هذه الانفجارات، أرجع فأقول لنفسي غير ذلك، وأعود فأنتصر لاحترامي للرجل، مدركا أنه ليس لي أي حق في التدخل في حياة الناس أو في حرمان إنريك فياني من ميزة يعدها كنزه الأعز.

* فرناندو سورنتينو (1942-) كاتب أرجنتيني صدرت أعماله القصصية الكاملة عام 2006 .ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأوربية.

* الترجمة إلى الإنجليزية بقلم: ناعومي ليندستورمد

كلارا

روبرتو بولانو*

كان لها نهدان كبيران، وساقان نحيلتان، وعينان زرقاوان. هكذا يحلو لي أن أتذكرها. لا أعرف كيف وقعت في غرامها بجنون، ولكن هذا هو الذي حصل، ومنذ البداية، أعني منذ الأيام الأولى، بل والساعات الأولى، مضى كل شيء على ما يرام، ثم عادت كلارا إلى مدينتها في جنوب اسبانيا (بعد اجازة قضتها في برشلونة)، وبدأ كل شي يتداعى.

ذات ليلة حلمت بملاك: رأيتني أسير في حانة فارغة وضخمة، حين أبصرته جالسا في زاوية ومرفقاه على المائدة ومن أمامه فنجان قهوة بالحليب. قال، رافعا رأسه إليّ، إنها حب عمرك، فقذفت بي قوة نظرته، ونار عينيه، إلى الطرف الآخر من الغرفة. بدأت أصيح، أيها النادل، أيها النادل، ثم فتحت عيني هاربا من ذلك الحلم البائس. في ليال أخرى لم أكن أحلم بأحد، ومع ذلك أستيقظ مبللا بالدموع. وفي ذلك الوقت، كنت أنا وكلارا نكتب لبعضنا البعض. رسائلها كانت مختصرة. هاي، كيف حالك، الدنيا تمطر، أحبك، باي. أفزعتني تلك الرسائل في البداية؛ فكرت أن كل شيء انتهى. ولكنني بعد دراستها بمزيد من العناية استنتجت أن الدافع إلى إيجاز رسائلها هو الرغبة في تلافي الغلطات النحوي، فقد كانت كلارا معتزة بنفسها، ولم تكن تكتب جيدا، فأرادت ألا تظهر هذا، ولو كان الثمن إيذائي أنا بهذا البرود البادي.

كان عمرها في ذلك الوقت ثماني عشرة سنة. وكانت تدرس الموسيقى في أكاديمية خاصة بعد أن تركت المدرسة الثانوية، كما كانت ترسم مع رسام متقاعد متخصص في المناظر الطبيعية، ولكنها لم تكن تهتم كثيرا بالموسيقا، وكذلك كان حالها إلى حد بعيد مع الرسم، كانت تحبه، وإن لم تستطع أن تشغف به. وذات يوم تلقيت منها رسالة تخبرني فيها ـ بأسلوبها المشذب المعتاد ـ أنها سوف تشارك في مسابقة للجمال. فكان ردي ـ الذي امتلأت به ثلاث ورقات على الوجهين ـ موشحا مسهبا في جمالها وسحر عينيها وكمال قوامها إلخه. كانت الرسالة نصرا محققا للذوق الفاسد، فتساءلت بمجرد أن أكملتها، هل ينبغي أن أرسلها أم لا، وفي النهاية بعثتها.

مضت بضع أسابيع قبل أن تصلني أخبارها. كان يمكن أن أتصل، ولكني لم أرد أن أتطفل، كما أنني كنت مفلسا في ذلك الوقت. حصلت كلارا على المركز الثاني في المسابقة وأصابها الاكتئاب لمدة أسبوع. والمدهش أنني تلقيت منها برقية: "المركز الثاني نقطة وصلتني رسالتك نقطة تعال قابلني"

أخذت القطار بعد أسبوع متجها إلى مدينتها، وكان أول قطار يغادر في ذلك اليوم. وكنت قبل ذلك بالطبع ـ أي بعد وصول البرقية ـ قد اتصلت بالتليفون وسمعت قصة المسابقة أكثر من مرة. الظاهر أنها تركت أثرا كبيرا على كلارا، لذلك حزمت حقائبي، وركبت القطار بأسرع ما استطعت وفي وقت مبكر للغاية من صباح اليوم التالي كنت هناك في تلك المدينة الغريبة. وصلت شقة كلارا في التاسعة والنصف، بعدما شربت في المحطة قهوة ودخنت بضع سجائر تضييعا لبعض الوقت. فتحت الباب امرأة بدينة [منكوشة] مهوشة الشعر، وحين قلت إنني جئت لكي أقابل كلارا نظرت إلي وكأنني حمل في طريقه إلى الذبح. جلست دقائق (بدت طويلة بصورة غريبة في ذلك الوقت، وحين فكرت في الأمر برمته بعدها تبين لي أنها كانت فعلا كذلك) منتظرا كلارا في غرفة المعيشة التي بدت مريحة، بلا سبب خاص، مزدحمة كثيرا ولكنها مريحة وممتلئة بالنور. وحين دخلت كلارا، بدا دخولها كأنه تجلي إلهة. أعرف أنه كان من الغباء أن أفكر بتلك الطريقة ـ وأن من الغباء قول هذا ـ ولكن هذا ما كان.

مضت الأيام التالية مبهجة ومقبضة. شاهدنا أفلاما كثيرة، تقريبا فيلما في اليوم، مارسنا الحب (كنت أول رجل نامت معه كلارا، وقد بدا لي هذا أمرا عارضا، أو حدثا جللا، ولكنه في نهاية الأمر كلفني الكثير)، وتمشينا، والتقيت أصحاب كلارا، وذهبنا إلى حفلتين رهيبتين، وطلبت منها أن تأتي لتعيش معي في برشلونة. وكنت أعرف بالطبع في ذلك الوقت كيف سيكون ردها على طلبي. وبعد شهر، ركبت القطار الليلي عائدا إلى برشلونة، وأتذكر أنها كانت رحلة فظيعة.

بعدها بقليل، أوضحت لي كلارا في رسالة هي الأطول منها على الإطلاق، لماذا لم تستطع أن تستمر: كنت أضعها تحت ضغط لا يحتمل (باقتراحي أن نعيش معا) وانتهى كل شيء. بعدها تكلمنا ثلاث أربع مرات على التليفون. أظنني أيضا بعثت لها رسالة مليئة بالإهانات والغرام. ومرة، حين كنت مسافرا إلى المغرب، اتصلت بها من الفندق الذي كنت أنزل فيه، وفي تلك المرة استطعنا أن نجري حوارا متحضرا. هي على الأقل اعتبرته متحضرا. أو أنا.

بعد سنوات حكت لي كلارا أجزاء فاتتني من قصتها. ثم، بعد سنوات أخرى، حكت لي هي وأصحابها قصة حياتها كاملة مرة أخرى، منذ البداية، أو منذ اللحظة التي انفصلنا فيها، فلأنني كنت شخصية ثانوية، لم أشكل فارقا يذكر بالنسبة لهم، أو لي في واقع الأمر، برغم أن الاعتراف بذلك لم يكن سهلا قط. كما هو متوقع، لم يمض وقت طويل على نهاية ارتباطنا (أعرف أن كلمة "الارتباط" فيها تزيد، ولكنها أفضل كلمة في ذهني) تزوجت كلارا، وكان سعيد الحظ ـ بصورة منطقية جدا ـ أحد أصحابها الذي قابلتهم في زيارتي الأولى للمدينة.

ولكن، قبل ذلك، عانت من مشكلات سيكولوجية: كانت تحلم بجرذان، تسمعها بالليل في غرفة نومها، وعلى مدار شهور، الشهور السابقة على زواجها، كانت تنام على الأريكة في غرفة المعيشة. أتصور أن تلك الجرذان اختفت بعد زفافها.

إذن، تزوجت كلارا. وزوجها، زوج كلارا العزيز، فاجأ الجميع، بمن فيهم هي نفسها. فبعد عام أو اثنين ـ لا أعرف بالتحديد، ومع أن كلارا أخبرتني، فقد نسيت ـ انفصلا. ولم يتم الانفصال بصورة ودية. صرخ الرجل، وصرخت كلارا، صفعته، فرد بلكمة خلعت لها فكها. أحيانا، حين أكون وحدي بلا قدرة على النوم ولا رغبة في إشعال النور، أفكر في كلارا، فتأتيني فورا وهي في مسابقة الجمال وفكها ملخلخ، غير قادر على الثبات في مكانه، بينما تسوق إلى أقرب مستشفى بيد على المقود ويد تسند الفك المخلوع. أود أن أرى الأمر طريفا، ولكنني لاأستطيع.

ما أراه طريفا بحق هو ليلة زفافها. أجرت عملية البواسير قبلها بيوم، لذلك أتصور أنها في ليلة الزفاف لم تكن متماسكة تماما. وربما لا. لم أسألها قط إن كانت استطاعت أن تمارس الحب مع زوجها. أظنهما مارساه قبل العملية. على أي حالة، ما أهمية هذا؟ كل هذه التفاصيل تقول عني أكثر مما تقول عنها.

انفصلت كلارا على أية حال عن زوجها بعد عام أو اثنين من الزفاف، وبدأت تدرس. لم تستطع أن تلتحق بجامعة لأنه لم تنه الدراسة الثانوية، ولكنها جربت كل ما عدا ذلك: التصوير الفوتوغرافي، الرسم مرة أخرى (ولا أعرف لماذا، وإن كانت دائما قد تصورت أنها يمكن أن تكون رسامة جيدة)، الموسيقى، النسخ على الآلة الكاتبة، تكنولوجيا المعلومات، وجميع هذه البرامج التي تمنح الشهادة بعد عام واحد والتي توفر فرص عمل يثب عليها الشباب اليائس أو يسقط فيها. ومع أن كلارا كانت سعيدة بفرارها من زوج كان يضربها، إلا أنها في أعماقها كانت تشعر باليأس.

عادت الجرذان، والاكتئاب، والأمراض الغامضة. وعلى مدار سنتين أو ثلاثة عولجت من القرحة إلى أن اكتشف الأطباء أنها لا تعاني أي مشكلة، على الأقل في المعدة. وفي ذلك الوقت تقريبا، قابلت لويس ـ المدير التنفيذي ـ وصارا عشيقين، وأقنعها بدراسة شيء متصل بإدارة الأعمال. وأخيرا، وجدت كلارا ـ على حسب ما يقول أصحابها ـ حب عمرها. ولم يمض وقت طويل حتى كانا يعيشان معا، وحصلت كلارا على وظيفة في مكتب، بشركة قانون أو وكالة ما ـ قالت كلارا إنها وظيفة لطيفة جدا، ولم تكن في نبرتها شبهة تهكم ـ وبدا أن حياتها أخذت المسار الصحيح، وإلى الأبد هذه المرة. كان لويس شخصا حساسا (لم يضربها قط)، ومثقفا (كان في ظني من ضمن المليوني أسباني الذي اشتروا أعمال موزار الكاملة بالتقسيط) وصبورا (ظل ينصت إليها، وينصت إليها كل ليلة في كل إجازة أسبوعية). ولم يكن لدى كلارا الكثير مما تقوله لنفسها، ولكنها لم تضجر قط من قوله. لم تكن حانقة بعد على مسابقة الجمال، وإن كانت تأتي على ذكرها بين الحين والآخر، فالأمر الآن يتعلق بنوبات الاكتئاب، وتوترها النفسي، واللوحات التي كان ينبغي أن ترسمها ولم يتسن لها ذلك.

لا أعرف لماذا لم ينجبا أطفالا، ربما لم يكن لديهما وقت، ولو أن لويس ـ بحسب كلارا ـ كان مجنونا بالصغار. كانت تستغل وقتها في الدراسة والاستماع إلى الموسيقى (موزار، ومؤلفين آخرين أيضا، في مرحلة لاحقة) والتقاط الصور التي لم تعرضها قط على أحد. كانت ـ بطريقتها الغامضة الفاشلة ـ تحاول الدفاع عن حريتها، تحاول أن تتعلم.

في الحادية والثلاثين، نامت مع شخص من المكتب. كان مجرد شيء وحصل، ليس خطبا جللا، على الأقل بالنسبة لهما، ولكن كلارا غلطت وحكت لـ لويس. وكانت الخناقة مرعبة. حطم لويس كرسيا كان قد اشتراه، أو لوحة، وسكر، ولم يكلمها مدة شهر. ولم يعد شيء منذ ذلك اليوم ـ بحسب ما قالت كلارا ـ كما كان من قبل، برغم الصلح، وبرغم الرحلة إلى المدينة الساحلية، التي كانت رحلة كئيبة مملة.

بلغت الثانية والثلاثين وحياتها الجنسية تكاد تكون غير موجودة. وقبيل أن تبلغ الثالثة والثلاثين، قال لها لويس إنه يحبها، ويحترمها، ولن ينساها، ولكنه منذ شهور يرى امرأة معه في الشغل، مطلقة وعندها أطفال، لطيفة، ومتفهمة، وإنه يخطط للانتقال لكي يعيش معها.

ظاهريا، استقبلت كلارا الانفصال ببساطة (كانت أول مرة يتركها شخص). ولكنها عادت بعد شهور إلى الاكتئاب من جديد وكان عليها أن تستريح لوقت من العمل وتخضع لعلاج نفسي، لم ينفعها كثيرا. الأقراص التي وصفت لها ثبطتها جنسيا، برغم أنها قامت ببعض المحاولات المتعمدة وغير المشبعة للنوم مع رجال آخرين كنت أنا من بينهم. بدأت تتكلم من جديد عن الجرذان التي لم تتركها في حالها. وكانت كلما شعرت بالتوتر، ذهبت إلى الحمام (في أول ليلة نمنا فيها معا، ذهبت إلى الحمام ربما عشر مرات لكي تتبول). كانت تتكلم عن نفسها بضمير الغائب. وحكت لي مرة أن هناك ثلاث كلارات بداخلها: بنت صغيرة، وحيزبون شمطاء تستعبدها أسرتها، وشابة ـ هي كلارا الحقيقية ـ لم تتمن شيئا إلا أن تترك المدينة إلى الأبد، وأن ترسم، وتصور، وتسافر، وتعيش. في الأيام القليلة الأولى بعد عودتنا إلى بعضنا البعض، كنت خائفا على حياتها. كنت أحيانا أمتنع عن الخروج للتسوق خشية أن أرجع فأجدها ميتة، ولكن مع مرور الأيام تبددت تلك المخاوف تدريجيا، وأدركت (وربما أكون استسهلت فأقنعت نفسي) أن كلارا لن تنتحر، ولن تلقي نفسها من بلكونة شرفتها ـ ولن تفعل أي شيء.

بعد قليل من ذلك، تركتها، ولكنني قررت هذه المرة أن أكثر من الاتصال بها، وأن أبقى على تواصل مع صديقة لها تستطيع أن تضعني في الصورة (ولو بين الحين والآخر). وبهذه الطريقة عرفت أشياء قليلة كان الأرحم ألا أعرفها، وقصصا لم ترح بالي، وأخبارا على كل نرجسي أن يتفاداها.

عادت كلارا إلى العمل (وكان للأقراص الجديدة التي بدأت تتناولها مفعول السحر على مظهرها)، وبعد وقت قصير نقلتها الإدارة ـ ربما عقابا على غيابها الطويل ـ إلى فرع في مدينة أندلسية أخرى، وإن لم تكن بعيدة للغاية. انتقلت للسكن هناك، وبدأت تتردد على الجمنازيوم (ولم تكن في الرابعة والثلاثين بالجمال الذي عهدته فيها وهي في السابعة عشرة) واتخذت أصدقاء جددا. وهكذا قابلت باكو، وكان مطلقا، مثلها.

لم يمض وقت طويل حتى تزوجا. في البداية كان باكو يحكي لكل من يجد فيه قابلية للاستماع عن رؤيته لصور كلارا ولوحاتها. وكانت كلارا ترى في باكو شخصا ذكيا ذا ذوق جيد. ولكن مع مرور الوقت، لم يعد باكو مهتما بجهود كلارا الجمالية وأراد أن ينجبا طفلا. كانت كلارا في الخامسة والثلاثين وفي أول الأمر لم تكن مغرمة بالفكرة، لكنها استسلمت، وأنجبا طفلا. وبحسب كلارا، أشبع الطفل كل أشواقها ـ تلك هي الكلمة التي استخدمتها. وبحسب أصدقائها، كانت حالتها تسوء باطراد، مهما يكن معنى ذلك.

في مرة، ولأسباب ليست لهذه القصة علاقة بها، كان علي أن أقضي ليلة في مدينة كلارا. اتصلت بها من الفندق وعرفتها بمكاني، ورتبت لمقابلتها في النهار التالي. كنت أفضل أن أراها في الليل، ولكن بعد صدامنا السابق اعتبرتني كلارا ـ وربما لسبب وجيه ـ عدوا من نوع ما، فلم ألح عليها.

كدت ألا أتعرف عليها. زاد وزنها، وبرغم المكياج بدا وجهها مطفأ، لا بسبب الزمن بل بسبب الإحباط، وذلك ما أدهشني، فلم أكن أتصور مطلقا أن كلارا تطمح إلى شيء. ولو أنك لا تطمح إلى شيء فكيف للإحباط أن يصيبك؟ ابتسامتها أيضا تحولت. فمن قبل كان فيها دفء، وشيء من الغباء، كانت ابتسامة فتاة من مدينة إقليمية، ولكنها صارت ابتسامة خبيثة مؤذية يسهل أن ترى من خلفها الاستياء والغضب والحسد. تبادلنا القبلات على الوجنات كأي أحمقين وجلسنا، ولوهلة لم يدر أي منا ما الذي يمكن أن يقول. حتى كسرت أنا الصمت إذ سألتها عن ابنها، فقالت إنه في الحضانة ثم سألتني عن ابني. قلت، بخير. وأدركنا نحن الاثنين أننا لو لم نفعل شيئا فإن اللقاء سيصبح محزنا بصورة لا تحتمل. كيف ترى شكلي؟ بدا بسؤالها هذا كما لو أنها تطلب مني أن أصفعها. قلت بآلية، كعهدي به دائما. أتذكر أنا شربنا قهوة، ثم مضينا نسير لوقت طويل في طريق على جانبيه شجر يؤدي مباشرة إلى المحطة. كان قطاري يوشك على الرحيل. ودعنا بعضنا البعض عند باب المحطة، وكانت تلك آخر مرة أراها فيها.

ولكننا تكلمنا على التليفون قبل أن تموت. كنت أتصل بها كل ثلاثة أربعة شهور. وتعودت بالخبرة ألا أقترب من الأمور الشخصية أو الحساسة (مثلما تبقى تتكلم في الرياضة عندما تدردش مع غرباء في الحانات) فكنا نتكلم عن عائلتها التي بقيت في تلك المكالمات مجردة كأنها قصيدة تكعيبية، أو عن مدرسة ابنها، أو عن وظيفتها، وكانت لا تزال في نفس المكتب، وعلى مدار السنوات تسنى لها أن تعرف كل شيء عن زملائها وحياتهم، وجميع المشكلات التي يعاني منها الموظفون، فأعطتها تلك الأسرار الصغيرة لذة كبيرة أو ربما طاغية. حاولت مرة أن أجعلها تقول شيئا عن زوجها، ولكنها سكتت عن هذا. قلت لها أنت تستأهلين كل خير. قالت كلارا، غريبة. سألت: ما الغريب؟ قالت، غريبة أن تقول هذا، وأنت بالذات من دون الناس. غيرت الموضوع بسرعة، زاعما أن العملات تنفد مني (لم يكن عندي قط تليفون خاص، ولن يكون، كنت دائما أتصل من كابينة عمومية)، وأسرعت فودعتها وأغلقت الخط. كنت أدرك أنني لن أحتمل شجارا آخر مع كلارا، وأنني ما كنت لأستمع إليها وهي تعمل عل تبرير آخر من تبريراتها التي لا تنتهي.

وفي ليلة، منذ وقت غير بعيد، قالت لي إن عندها سرطان. كان صوتها باردا كعادته، كان نفس صوتها الذي تحكي به حكايتها وهي منفصلة عنها كأنها مجرد حكاءة، تبدي التعجب في غير مواضعه، وتمر مرور الكرام على ما ينبغي أن تستفيض فيه، وهي غالبا الأجزاء التي يمكن أن تتأذى منها. أتذكر أني سألتها عما إذا كانت ذهبت إلى طبيب، أم أنها شخصت السرطان بنفسها (أو بمساعدة باكو). قالت طبعا. وسمعت على الطرف الآخر من التليفون ما يشبه نقيقا. كانت تضحك. تكلمنا باختصار عن أبنائنا ثم طلبت مني (ولا بد أنها كانت تشعر بالوحدة أو الضجر) أن أحكي لها عن حياتي. اختلقت شيئا ما مرتجلا، وقلت إني سوف أكلمها الأسبوع التالي. وفي تلك الليلة نمت نوما سيئا للغاية. تكالبت علي الكوابيس، واستيقظت بغتة وأنا أصرخ مقتنعا أن كلارا كذبت علي: ليس عندها سرطان، شيء ما يحدث لها، بالتأكيد، مثلما حدثت أشياء لها طوال العشرين عاما الماضية، تلك الأشياء التافهة البشعة، المليئة بالخراء والابتسامات، ولكن ليس عندها سرطان. كانت الخامسة صباحا. قمت وسرت إلى باييسو ماريتيمو والريح من خلف ظهري، وكان هذا غريبا، لأن الريح عادة تهب من جهة البحر، ولعلها لم تهب قط من الجهة المقابلة. لم أتوقف حتى وصلت إلى كابينة تليفون مجاورة لأضخم مقاهي باييسو. كانت شرفتها خاوية والمقاعد مسلسلة في المناضد، وكان ثمة متشرد نائم على دكة محتضنا ركبتيه ويهتز بين الحين والآخر كأنما يرى أحلاما سيئة.

لم يكن دفتر تليفوناتي يضم غير رقم واحد آخر في مدينة كلارا. اتصلت به. وبعد وقت طويل رد صوت امرأة. قلت من أنا، وفجأة لم أجد شيئا آخر يمكن أن أقوله. ظننت أنها سوف تغلق الخط، ولكنني سمعت تكة ولاعة وسحب دخان عبر شفتين. سألت المرأة، ألا زلت على الخط؟ قلت، نعم. هل كلمت كلارا؟ قلت نعم. هل قالت لك إن عندها سرطان؟ قلت نعم. حسن، هذا صحيح.

أخذت السنوات التي مرت منذ التقيت بكلارا تتكالب على رأسي، كل ما مر في حياتي، وأغلبه بلا أي علاقة بكلارا. لا أعرف ما الذي قالته المرأة التي على الطرف الآخر، على بعد مئات الأميال، أظن أني بدأت أبكي برغم إرادتي، كما في قصيدة روبن داريو. تحسست جيوبي بحثا عن سيجارة، وأنصت إلى شذرات من القصة: أطباء، عمليات، بتر الثدي، مناقشات، وجهات نظر مختلفة، تمهل، أنشطة لكلارا لست أعرفها ولست قريبا منها ولا يمكن أن أساعدها، لا، لا يمكن، ليس الآن. كلارا لا يمكن أن تنقذني الآن.

حين أغلقت الخط، كان المتشرد واقفا على بعد خمس خطوات مني. لم اسمعه وهو يقترب. كان طويلا جدا، ومرتديا كثيرا من الملابس بسبب الجو، وكان يحملق في، كأنه مصاب بقصر النظر، أو ربما كان يخشى أن أقوم بحركة مفاجئة. كنت حزينا لدرجة أنني لم أخف، وإن كنت أدركت فيما بعد، وأنا أمشي عبر شوارع وسط البلد المتلوية، أنني حين رأيته نسيت كلارا للحظة، ولأول مرة، لأول مرة.

تكلمنا على التليفون كثيرا بعد هذا. في بعض الأسابيع كنت أكلمها مرتين في اليوم. كانت مكالماتنا مقتضبة وغبية، ولم يكن هناك مجال لأقول ما وددت فعلا أن أقوله، فكنت أتكلم في أي شيء، كنت أقول أول ما يخطر على بالي، ولم يكن غير هراء قصدت به أن أجعلها تبتسم. ومرة غلبتني المشاعر وحاولت أن أستعيد الأيام الماضية، فلبست كلارا درعها الثلجي، ووصلتني الرسالة بسرعة، فتغاضيت عن النوستالجيا. وبينما كان موعد العملية يقترب، ازدادت وتيرة مكالماتي. ومرة تكلمت مع ابنها. ومرة مع باكو. كان الاثنان يبدوان بخير، صوتهما يقول إنهما بخير، على الأقل لم يكونا متوترين مثلي. ولعلي مخطئ في هذا. بل من المؤكد أنني مخطئ في واقع الأمر. وفي عصر يوم قالت كلارا إن الجميع قلقون عليّ. فظننت أنها تقصد زوجها وابنها، ولكن "الجميع" كانت تحوي عددا أكبر من الناس، أكثر مما أتخيل، إنهم الجميع. اتصلت بها عصر اليوم السابق على يوم دخولها إلى المستشفى. رد باكو. لم تكن كلارا موجودة. لم يرها أحد أو يعرف عنها خبرا منذ يومين. عرفت من نبرة صوت باكو أنه يشك في احتمال وجودها معي. قلت له مباشرة إنها ليست هنا، وتمنيت في تلك الليلة من كل قلبي لو أنها تأتي إلى الشقة. انتظرتها والمصابيح مضاءة، وأخيرا غلبني النوم على الأريكة، وحلمت بامرأة جميلة جدا لم تكن كلارا: امرأة طويلة نحيفة صغيرة، ذات ثديين صغيرين، وساقين طويلتين، وعينين بنيتين غامقتين، لم تكن ولن تكون كلارا، امرأة محت بحضورها كلارا، وجعلت منها مجرد امرأة فقيرة ضائعة تجاوزت الأربعين.

لم تحضر إلى شقتي.

في اليوم التالي اتصلت بباكو. وانتظرت يومين ثم اتصلت من جديد. لم يصلهم خبر بعد عن كلارا. عندما كلمت باكو للمرة الثالثة كلمني عن ابنه وشكا من سلوك كلارا. قال، كل ليلة أتساءل أين يمكن أن تكون. عرفت من صوته ومن طبيعة الكلام الذي كان يقوله أن ما كان يحتاجه مني، أو من شخص، أي شخص، هو الصداقة. ولكنني كنت في حالة لا تسمح لي أن أمنحه هذا العزاء.

الترجمة من الأسبانية إلى الإنجليزية: كريس آندروز.

نشرت بتاريخ 4 أغسطس 2008 في ذي نيويوركر

* روبرتو بولانو (1953 ـ 2003) شاعر وقاص وروائي تشيلي