الاثنين، 15 فبراير 2016

مدينة الشعراء والقراصنة

مدينة الشعراء والقراصنة
رينالدو لاداجا 

طالما بدا لي أن ثمة مؤامرة في السخاء البالغ الذي أبدته تواريخ الفن والأدب في مطلع القرن العشرين إزاء نشأة الحركة الطليعية، وعدم التفاتها تقريبا إلى أبهى ما فعلته تلك الطليعية، أعني إقامة وسقوط ما عرف بدولة "الوصاية الملكية الإيطالية على كارنارو". لولا أن استبعاد هذه الحلقة يبقى مفهوما بطريقة أو بأخرى. فما جرى بين عامي 1919 و1920 في مدينة فيوم Fiume     المتنازع عليها كفيل بتعقيد الحكاية السائدة، أعني حكاية التناغم بين الفن الحديث والسياسات التقدمية. وأعني بما جرى بين هذين السنتين قيام تحالف بين جنود وفنانين ومغامرين وتحت قيادة شاعر هو "جابرييل دانونزيو" باحتلال المدينة بنيَّةٍ مبدئيةٍ تتمثل في ضمها إلى إيطاليا. وهذا بالفعل كفيل بتعقيد أسطورة التناغم بين الفن الحديث والسياسات التقدمية. ولكن عددا من الحركات الطليعية ـ وفقا لما لاحظه المؤرخ "روجر جريفين" في كتابه الممتاز "الحداثة والفاشية" ـ كانت تتفق مع الفاشية في طموحها إلى علاج العالم (أو أوربا على الأقل) من الانطوائية وفقدان الحيوية. هذه أوضاع نفهمها بوصفها منتجات ثانوية للحداثة modernity لا سيما إثر حرب أعلنت عجز الحداثة عن الوفاء بوعد التقدم المادي والاجتماعي. في تلك اللحظة المأزومة جاءت كلتا الحركتين [أي الفاشية والطليعية] واعدتين بالعودة إلى حيز أسبق يمكن فيه لمبعوثي الإنسانية الجديدة أن يجمعوا معا بذور عالم المستقبل. وهكذا، في فيوم، كان الفاشيون والداديون والمستقبليون والبلاشفة، ولو لأشهر معدودة، في معسكر واحد.
فلنحاول أن نتخيل إيطاليا في نهاية الحرب العالمية الأولى. ملكية دستوترية لم تتجمع مناطقها المتفرقة إلا حديثا جدا، وكانت قد دخلت الحرب في عام 1915 جزءا من التحالف البريطاني الفرنسي بعد عام من نشوب الحرب، بعد أن حصلت من فرنسا وبريطانيا على ضمانات بأراض على سبيل التعويض. ثم حدث أن ألحق صراع السنوات الثلاث التالية بالمجتمع الإيطالي التقليدي الزراعي اضطرابا أعمق مما ألحقه بحلفائها. فلم يؤد الحشد الهائل للحرب وإحلال الشابات بدلا من الشباب في عالم العمل، إلى تقويض قاعدة الاقتصاد وحدها، بل وتقويض بِنَى مجتمع ما قبل الحرب نفسها. وتغيرت التوقعات السياسية لدى بعض جماعات المجتمع: كانت الحكومة من قبل قد وعدت بسلطة جديدة غير مسبوقة للطبقات الدنيا المحرومة (وهو وعد سوف تتبيَّن الطبقة السياسية سريعا أن الحكومة لن تفي به). وطالت الحرب، وبدا أن هناك شبابا لا يعرفون نمط حياة إلا النمط المثير الذي عركوه على الجبهة حيث مات مئات الآلاف منهم. ولكن من بقوا على قيد الحياة بقوا يتذكرون الهياكل العظمية اليابسة السافرة في تلال كارسو الصخرية حيث وقعت أشرس المعارك، فباتوا لا يتصورون كرامة لأنفسهم منفصلة عن كرامة بلدهم.
مقاتلو الأرديتي ـ 2 أكتوبر 1919



ثلاثة من مواطني فيوم وأسلحتهم الأثيرة ـ أغسطس 1920


وما صح على أولئك صح على الجيش كله، ولكنه صح بصفة خاصة على القوات الهجومية المعروفة بالـ أرديتي arditi.   كان مقاتلو الأرديتي قد رفضوا أثناء الحرب كل أنواع السلاح التي من شأنها إثقال حركتهم، مؤثرين القنابل اليدوية يحملونها في جيوبهم والخناجر يمسكونها بين أسنانهم وهم يعدون صوب خنادق العدو التي نادرا ما كانوا يصلون إليها. كان يروق لهم وصفهم بـ "التماسيح" ويحلو لهم تعاطي الكوكايين، وتنتشر فيهم المثلية. وما كان لقائد أن يضمن ولاء أولئك الرجال الهائجين. ولما انتهت الحرب لم يجدوا لأنفسهم ـ شأن الفرايكوربس Freikorps        في ألمانيا ـ مكانا في المجتمع الذي كان أغلب من فيه ينتظرون الرجوع إلى حياة السلم المدنية.
ليس بوسعنا أن نفهم أحداث فيوم (وما أعقبها من صعود للفاشية) دون أن نبذل جهدا في تخيل عالم فيه مئات آلاف الشبان الموعودين بنصيب من غنائم النصر، بعد سنين من الرعب والإثارة، وبعد ما أصيب منهم من أصيب بالعمى أو الصمم، واستولى على بعضهم الأرق أو الإدمان، ورجعوا كذلك إلى أمهات وزوجات لا آذان لديهن لقصصهم، ووظائف ذات رؤساء لا يبالون بغير الإنتاج. كانوا قد ذاقوا أشد الآلام قسوة، وأسرع الأمجاد زوالا، وعاشوا لسنين قليلة ضمن مجتمع حربي يحتفي بقواهم وضعفهم ويعترف بكليهما. وبعض أولئك الشبان هم الذين كانوا بمثابة القلب بين أتباع دانونوزيو.
ولماذا فيوم؟ في نهاية الحرب العالمية الأولى، نشب نزاع حول مصير شبه جزيرة إيستريان, التي كانت خاضعة على مدار قرون لحكم جمهورية فينسيا، وصارت جزءا من الإمبراطورية النمساوية المجرية سنة 1797.      وفي القرن التاسع عشر، صارت فيوم ـ وهي كبرى مدن شبه الجزيرة ـ أحد الموانئ الأساسية في شمال الأدرياتيكي، وأرقى منتجعات النخبة المجرية. كان أغلب سكان الريف من السلوفاك، أما فيوم فكانت فيها جالية إيطالية واضحة المعالم مزدهرة الحال مسيطرة على الاقتصاد وساعية ببطء إلى تشكيل المدينة بحيث تتماثل مع ما ترى عليه الوطن. وكان لتلك الجالية كل الحق في افتراض أن انتصار الحلفاء وتفكيك الإمبراطورية النمساوية المجرية يمثلان اللحظة الحاسمة لتحقيق ذلك الهدف، خاصة وأن بريطانيا العظمى وفرنسا وعدتا إيطاليا في مفاوضات دخولها الحرب بنقل تبعية إيستريا إلى الحكومة الإيطالية. ولكن مؤتمر فرساي سنة 1919     صدَّق ـ بدلا من ذلك ـ على إقامة دولة جديدة هي مملكة الصرب والكروات والسلوفاك التي أصبحت يوغسلافيا في ما بعد والتي تبيَّن أن أراضيها سوف تضم شبه جزيرة إيستريا. وكان هذا الاحتمال الرهيب يرجع ـ في نظر طليان فيوم ـ إلى عجز وضعف المفاوضين الطليان، فلم يكن من بديل عن تصحيح ذلك على الفور وباستعمال القوة. وفي نظر الجنود المسرَّحين من الجيش الهائمين في الشوراع بلا مصير واضح أو مكان في المجتمع البرجوازي، وفي نظر رجال من أمثال جابرييل دانونزيو و"بينيتو موسوليني" و"فيليبو توماسو ماريينيتي"، كان الحنث بذلك الوعد مذلة لا غفران لها. بدأت المحادثات بين الوطنيين الطليان Italianists       في فيوم وبعض الزعامات السياسية الجديدة الناشئة من وسط أطلال إيطاليا ما بعد الحرب. ومن هذه النقطة، دخل دانونوزيو إلى القصة.
كان جابرييل دانونوزيو أبرز كتاب إيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر. هو الذي كتب الروايات الواقعية، والمسرحيات الرمزية، والكتب الشعرية البارزة، والميلودرامات النفسية الجنسية. وكان يعيش حياة رغد في روما ونابولي وفلورنسا وباريس ويكتب للمسرح الاستعراضي "استشهاد القديس سيباستيان" فيلحنها له "كلود ديبوسيه". لكنه ربما بدأ يشعر بحلول مطلع العقد الثاني من القرن العشرين أن أيامه مضت, ولا بد أن ذلك كان على أقل تقدير من جملة الأسباب التي جعلته يرى الحرب ـ ولم يكن وحده في ذلك ـ فرصة لبعث جديد وعظيم. كان في ذلك الوقت في الخمسينيات من عمره، ومن عجب أن أصبح في هذا العمر طيارا، ثم أصبح بعد سلسلة غزوات غريبة لأراضي العدو بطل حرب. فقد في معركة إحدى عينيه، فلم يكن ذلك البلاء إلا داعيا له إلى تأليف كتاب حديث بارز عنوانه "Nocturne". بدا الرجل دليلا أمام الشباب على أن إيطاليا العجوز لم تزل قادرة على تحقيق البطولات العظيمة. ويمكن أن نفهم أيضا أنه في ذلك الوقت صار يتخوف ـ وقد انتهى القتال ـ أنه سوف يستأنف انحدار سنوات ما قبل الحرب، فنظر في خيارات عديدة من بينها قيادة مسيرة إلى روما للإطاحة بالحكومة القائمة وخوض قتال بطولي لا سابقة له من فينسيا إلى طوكيو. لقد كان الرجل مستعدا لأي شيء إلا الاستسلام لحياته الهادئة كاتبا في منتصف العمر منحدرا بلا أمل. بدأ يلقي خطبا متفجرة تنادي بعودة مجد إيطاليا العظيم. وأعلن بل طالب بنار مضطرمة تسترد سلطة بلده الروحية. ورأى أن فقدان فيوم كان ذا بعد رمزي عميق فتحتم في نظره استرداد المدينة.
بدا لنخبة فيوم الإيطالية أنها وجدت زعيمها. كان دانونوزيو قد أقام صلات مع قوات الأرديتي في فينسيا أثناء الحرب وأثبت أنه قادر تمام المقدرة على بث الحماسة الاستثنائية في أنفس تابعيه, وهكذا في سبتمبر من عام 1919، قامت عصبة من بضع مئات من المقاتلين السابقين تحت قيادته بالسير إلى فيوم، فلم يوقفهم أحد، بل إن الإيطاليين المشاركين في قوات الحلفاء الحامية للمدينة انضموا إليهم، ودخلوا جميعا فيوم وسط بهجة وجذل من سكان المدينة غير السلوفاكيين الذين أبهرهم وصول قائد لهم لم يسبق له أن حكم من قبل ولم تكن لديه أفكار عن السياسة إلا الأشد غموضا واضطرابا، وبدا طول الوقت أنه منهمك أشد ما يكون الانهماك في مهمة مضنية هي مهمة تحقيق مجد ذاتي. كان يبدي إعجابا عميقا لأتباعه الشبان، ويصف في خطبه المطولة فيوم بأنها "مدينة الهولوكوست" التي ستكون مقبرة للعالم القديم ومهدا لحياة جديدة لم يسمع بها إنسان من قبل.
غير أن الخطة المبدئية كانت أشد تواضعا، فلم يكن دانونزيو يعتزم إلا استرداد إيستريا لإيطاليا. لولا أن الحكومة الإيطالية التي كانت قد قبلت بكل ما انتهي إليه في فرساي من قرارات  لم تكن مبالية بهذه الهدية. هكذا سرعان ما بدأ المشروع يتحور، فلئن كان النظام الإيطالي الحاكم قد بلغ مبلغه ذلك من الفساد والجبن ولين العريكة بين أيدي الأمريكيين وأصدقائهم، فالأوربيون القدامى وقوات فيوم كانت كفيلة بإطلاق العنان لحركة شعبية حاشدة تطيح بذلك النظام وقد تصعد بدانونزيو فتجعل منه زعيما على الأمة كلها. ولم يحدث شيء من ذلك طبعا. بل ساد ركود مشبع بالتوتر. إذ أقنعت الحكومة الإيطالية الحلفاء أنها سوف تتولى الأمر بنفسها، محتجة بكونه شأنا داخليا. ولكن إيطاليا، وقد فقدت الثقة في جيشها، لم تسع إلى الاستيلاء على فيوم، بل فرضت عليها حصارا جزئيا معتزمة تطويق التمرد دون أن تتسبب في خنق الشعب كله. وبعد أربعة أشهر، أي في ديسمبر من عام 1919، قدمت الحكومة الإيطالية للمجلس الوطني ـ الذي كان بمثابة ممثل الجالية الإيطالية في فيوم ـ إعلانا رسميا باعتزامها العمل على إعاقة ضم المدينة إلى مملكة الصرب والكروات والسلوفاك، وضمانة بأحد اثنين، إما ضمها إلى إيطاليا أو الحكم الذاتي لشبه الجزيرة إن تعذر ضمها. وبدا هذا كافيا للمواطنين الفيوميين الذين ما كانوا في ذلك الوقت على ما كانوا عليه قبل أربعة شهور من قناعة بفضائل قادئهم الجديد فقبلوا بما عرض عليهم. ورفض دانونزيو. ليس الآن. بل ربما ليس في أي وقت. ومثله الشباب الأميل للراديكالية الذين آزروه، فهؤلاء أيضا كانوا غير مستعدين للتخلي عن المدينة التي شرعوا يسمونها "مدينة الحياة".
دانونزيو مستشيرا بعض قادته ـ 30 مايو 1920

لقد كان التعايش ـ منذ البداية ـ بين الجماعات العديدة التي انجذبت إلى دانونزيو أمرا صعبا. كان هناك المواطنون الفيوميون والقوات الإيطالية (الأرديتي والكارابينيري carabinieri) وكان هناك كذلك البلاشفة الذين سارعوا إلى المدينة (في خطبة له في موسكو قال لينين إنه ما من ثوري أصيل في أوربا إلا هو ودانونزيو) ونقابيون أناركيون، ومستقبليون، وداديون فاشيون، وشذاذ من أمثال بطل الحرب "جيدو كيلر" الذي كان يستبشر بالصقر وينام عاري الجذع على قمم الأشجار وكان من المساعدين الأساسيين للقائد الجديد. وسرعان ما تشظى العالم حول القائد فصائل وجماعات. وعندما كان دانونزيو يضطر إلى الاختيار كان يختار جانب الشبان الفنانين والأناركيين ومقاتلي الأرديتي الذين كانوا يشكلون الجناح الراديكالي ضمن تحالف فيوم الكبير ويشكلون "اتحاد الأرواح الحرة ناشد الكمال" (أو "يوجا" بحسب ما كانوا يدللونه). كانت هذه الجماعة متحمسة للهندوسية، والأرستقراطية الروحانية، ومذهب العري، وأقامة يوتوبيا زراعية تسترجع أنماط حياة شبه الجزيرة الأصلية. وتشكلت من الجماعات جماعات ثانوية: كجماعة اللوتس البني التي أرادت أن تعيش حياة بسيطة ترجع من خلالها إلى الطبيعة، وجماعة اللوتس الأحمر التي أعلنت مجيء عالم جديد قائم على الجنسية المتجددة، وجماعة أعلن أعضاؤها أنهم أتباع "الحب المقدس" الذي لم يعرِّفه أحد حتى الآن.
بعض طوابع فيوم الصادرة في ظل حكم دانونزيو، ويلاحظ فيها الاحتفاء بالرموز الرومانية، وفي الطابع الأوسط من العمود الأيسر يظهر الشاعر القائد

يوما بعد يوم صار مصير اليوتوبيا الذي كانت تنشده تلك المجموعة يزداد جهامة في ظل ازدياد العزلة المفروضة على فيوم، فابتداء من 1920 صار الطعام يزداد ندرة، وصار الحصول أصعب على القماش اللازم لباقة الأزياء الموحدة متزايدة التلون طول الوقت على أجساد جنود المدينة، واللازمة كذلك للزهور الصناعية التي تبرقش مهرجاناتهم. ولكن بحسب أي تأريخ متاح، ظل الجو في فيوم طوال الوقت جو احتفال لا يتوقف، وذلك من ناحية بسبب المخدرات التي أدمنها الأرديتي منذ أيام الميدان والتي بات قادتهم مدمنين عليها مثلهم. كانت "رقصة الحريق" كما أطلق عليها الشاعر البلجيكي "ليون كوتشنيتسكي" أحد مساعدي دانونزيو المقربين. وواصل قائلا إن المرء كان ينظر أينما ينظر في مهرجان سان فيتو "فلا تقع عيناه إلا على رقصة، رقصة القناديل، رقصة الشرر، رقصة النجوم، رقصة الجوع، أو الخراب، أو الألم. ربما على شفا الموت، ووسط لهيب النيران أو تحت وابل القنابل كانت فيوم تلوِّح بقنديل أو ترقص قبالة البحر". كان بقاء النظام يزداد اعتمادا على غارات قرصانية مختلفة الأنواع، ومن ثمار تجارة المخدرات الناشئة. كما استعملت القطع الحربية التي كانت مرابطة في ميناء فيوم عند احتلاله في أسر السفن التجارية المارة بساحل الأدرياتيكي بين ميسينا وتريستي. وكانت جماعات الجنود المتمردين تسرق الخيول والسلاح والطعام من المواقع العسكرية الإيطالية في ريف شبه الجزيرة. ولكن بقي ثمة نقص في الدواء والغذاء للأطفال، وأمر دانونزيو بإرسال عشرات الأطفال إلى إيطاليا للتبني هناك. واحتدم التوتر بين جذل الشباب ويأس البرجوازية المحلية المتزايد.كانت المدينة قد أصبحت مغنطيسا للراديكاليين، ومن هؤلاء النقابي البارز "ألسيستي دي أمبريس"، وهو الشخصية الفاعلة في أوساط الحركة العمالية ومؤسس الفاشية الثورية الدولية   التي ستندمج في نهاية المطاف مع فاشية أخرى بقيادة "بينيتو موسوليني". أصبح دي أمبريس رئيس هيئة أركان دانونزيو وبدأ يعمل على وضع دستور لدولة جديدة سموها "الوصاية الملكية الإيطالية على كارنارو" (وهو الاسم التراثي للمنطقة المحيطة بالمدينة). ويعد "ميثاق كارنارو" وثيقة استثنائية. أفكارها الأساسية هي الأفكار المنتظرة من نقابي ثوري، فلا عجب أن كان دي أمبريسي هو المسؤول عن المسودة الأولى للميثاق. تقر النصوص ابتداء بأن تكون "الحكومة منتخبة من قبل الشعب، قائمة على العمل المنتج، ومبدؤها الحاكم مستلهم من أسخى أشكال الحكم الذاتي وأكثرها تنوعا مثلما فهمته العقول ومارسته الأجيال على مدار قرون المجد الأربع لحقبتنا الكوميونية". يسعى الدستور إلى المحافظة على التوازن بين تحقيق المساواة والحفاظ على التنوع (لأن "تفاعل التنوع المتناغم يقوي الحياة المشتركة ويثريها") والنية لـ "توسيع ومدِّ وتقوية حق العمال فوق أي قانون". وتحدُّ الوثيقة الملكية الشخصية، وإن لم تلغها تماما، وإنما أخضعتها لمصلحة المجتمع. ويظهر العمل في صورة مثالية بوصفه نشاطا يثير "شعور البهجة الفاضلة" الذي ينبغي أن يكون المزاج السائد بين المواطنين ويقع في مركز "المعتقدات الدينية" الثلاث التي يقدسها الدستور:

·    الحياة جميلة وجديرة بأن يعيشها بقوة وجمال إنسان أعادت الحرية بناءه تماما،
·    الإنسان المكتمل هو الذي يعرف كيف يمارس فضيلته كل يوم ليهب إخوانه كل يوم هبة جديدة،
·    العمل، حتى أكثره تواضعا، وأكثره خفاء، إن تم بإتقان، هو مصدر للجمال وزينة للعالم.
دولة المواطن العامل هذه تنتظم حول عدد من الشركات المهيكلة وفقا لنموج الاتحادات العمالية. ويحدد الميثاق تأسيس تسع هيئات تتألف على الترتيب من عمال المصانع، والتقنيين، والمدراء، والموظفين العموميين، والتجار، والمزارعين، والطلبة والمعلمين، والمهنيين، والبحارة، وتضاف إليهم عاشرة غامضة التعريف هي الأشد غرابة  [ويشير النص إلى أنه ليس للهيئة العاشرة فن أو فئات أو معجم. ومن المنتظر أن تظهر ظهور ربة الشعر العاشرة. وهي مدخرة لقوى البشر الغامضة في عملهم وتساميهم، هي كيان موعود مخصص للعبقرية المجهولة، لتجليات الإنسان الجديد، لأبهى ما سيكون عليه العمل والزمن، لتحرر الروح الكامل من آلام التنفس والعرق الدامي. ويمثلها في الحرم المدني مصباح متوهج منقوش عليه تعبير توكساني يرجع إلى عصر الكميونات ويلمح إلماحا بديعا إلى نمط روحاني من العمل البشري: Fatica senza fatica أي: جهد بلا تعب]. وعلى الشعبة التنفيذية المشرفة على هذه الشركات أن تكون سائلة وعابرة بأقصى درجة ممكنة، ولا بد أن يشجع القضاء المواطنين على تسوية حساباتهم كلما أمكن ذلك بدون تدخل من المحاكم، وعلى المشرعين أن يلتقوا مرات قليلة كل عام.
ولكن اللغة الباروكية التي كتبت بها الوثيقة تخص بلا مراء القائد الشاعر الذي وضع اللمسات النهائية على مسودة دي أمبريس. وإضافة إلى شخصية النص العبقرية الملتوية في بعض الأحيان، ربما يرجع أيضا إلى دانونزيو وضع أعمدة الجامعة الحرة على قمة البنية التعليمية في الدولة، وهذه الأعمدة هي "مدرسة الفنون الجميلة" و"مدرسة فنون الديكور" و"مدرسة الموسيقى". وربما إليه أيضا يرجع الفضل في الاهتمام الكبير الذي توليه الوثيقة لمؤسسة "مكتب الحكماء" الذي يتألف من "أصحب الذوق الخالص، والمهارة النادرة، والعلم الأحدث" وعملهم يتعلق بتجميل الشوارع والميادين "بنفس الحس الموسيقي الهادي إلى إبداع بهاء الجمهورية أو التمثيل الكرنفالي" والتجهيز للمهرجانات المدنية، وتعليم الناس محبة الألوان والأشكال، لا سيما عند اندماجها في "الأدوات الحية القوية" الموظفة في الحياة اليومية. وربما يرجع الفضل إلى دانونزيو أيضا في اعتبار الوثيقة أن الموسيقى هي أرفع فنون المدينة. فمنذ اليوم الأول للأطفال في المدارس "لا بد أن يتعلموا الغناء الكورالي القائم على أساس أكثر أشكال الشعر الريفي بساطة" لأن الموسيقى طريق إلى عالم الروح ونظرة إلى فجر نوع جديد من الحرية. كما يتعلم الأطفال أيضا تذوق ألوان أخرى من الموسيقى غير التي تصدرها أصوات الآلات، فيتعلمون كذلك موسيقى آلات العمل وموسيقى هدير الآلات المتوافقة مع إيقاعاتها الغامضة. وهذه هي آخر سطور الميثاق:
·    الهيئات الكورالية والموسيقية المدعومة من الدولة تنتشر في جميع كميونات الوصاية
·    يعهد إلى كلية الحكماء بمهمة بناء قاعة دائرية قادرة على احتواء ألف مستمع على الأقل، مزودة بمقاعد مريحة للجمهور وساحة كبيرة للأوركسترا والكورال.
·    العروض الكورالية والأوركسترالية الكبيرة مجانية تماما شأن نعم الرب التي قال عنها آباء الكنيسة.
عندما نقرأ الميثاق الذي كتب في النصف الأول من 1920 وتم الإعلان عنه (لحسرة البرجوازيين في المدينة) في يوليو من العام نفسه، ندرك أن فيوم مرت في شهور قليلة بتحور عميق. لقد كانت النية معقودة في الأساس على إحداث تغيير في السياسات الإيطالية، ولكن بعد فشل هذه الخطة، رأى دانونزيو ودي أمبريس وكوتشنيتسكر وكيلر فيها المكان المناسب لبداية تغيير عميق وإعادة هيكلة تامة للسياسات العالمية. فقد أصبحوا ينظرون إلى الوصاية باعتبارها بداية حركة يثور من خلالها الإيطاليون والصرب والمصريون والأتراك والهنود والأيرلنديون وغيرهم ضد هيمنة الرأسمالية والإمبريالية وشتى أشكال الانحدار. ومن ثم فقد قرروا إقامة "عصبة الشعوب المقهورة" لتولي هذه المهمة الجليلة وإحضار عدد من الوفود إلى فيوم لبدء النقاشات الرامية إلى تكوين قالب لثورة عالمية تكون خطوتها الأولى انتفاضة عظيمة في البلقان.
ولكن الوقت كان قد فات: فالأزمة الاقتصادية السياسية كانت قد استفحلت. ولم تعد غنائم القرصنة تكفي للحفاظ على بقاء المدينة. والروابط بين دائرة القائد ومؤسسات برجوازية المدينة (وفي قلبها المجلس الوطني) انقطعت. وفصائل الجيش التي انجذبت إلى برنامج 1919 الوطني بدأت في الرحيل. ودانونزيو الذي كان متذبذبا طول الوقت بين دعم خطط جناحه اليساري المتطرفة والعمل من أجل نيل ثقة العناصر الأشد محافظة في تحالفه الغريب، أصبح يزداد يوما بعد يوم شرودا، لدرجة أن بعض أقرب معاونيه ـ الذي صاروا لا يرونه إلا لماما في جناحه بفندق أوربا ـ بدأوا يتشككون فيه.
القوات الإيطالية تدخل فيوم ـ ديسمبر 1920

انتهت المغامرة الفيومية في آخر أيام 1920 نهاية فاترة لا جلال فيها. فقد منحت معاهدة رابالو ـ التي ضبطت العلاقات بين إيطاليا ومملكة الصرب والكروات والسلوفاك ـ الحكم الذاتي الكامل للمدينة. ويمكن أن نفترض أن دانونزيو ـ المهزوم سياسيا ـ كان ينبغي في تلك اللحظة أن يتخلى عن النضال ويرحل عن فيوم، لكنه لم يفعل. لم يكن قد حقق هدفه الأول (ضم شبه جزيرة إيستريا إلى إيطاليا) أو الثاني (إنشاء كيان سياسي من نوع جديد)، فرفض الاعتراف بصلاحية المعاهدة. فكان هجوم إيطالي على المدينة في ديسمبر 1920 (عرف في الأدبيات بالكريسماس الدامي) وتغلب على البقية الباقية والمتشرذمة تماما من قوات المدينة في غضون يومين.
كثير من الجنود المسرحين الذين دعموا دانونزيو هم الذين سرعان ما أصبحوا أكثر الأعضاء تفانيا وإخلاصا للحركة الفاشية الناشئة. أما الشاعر نفسه فقضى السنوات الخمس الأخيرة من حياته حبيس فيلا بديعة على بحيرة جاردا. لقي التكريم والدعم المالي والحفاوة العلنية من النظام الفاشي، ولكن كان واضحا ومفهوما أن حياته السياسية انتهت. واكتمل كذلك عمله الأدبي، إذ قضى البقية الباقية من حياته في تحرير وتنظيم وتأبيد ما سبق وكتبه في العقود الخمسة السابقة، ومات في عام 1938. ولعل أبقى ما بقي من إرثه كشخصية عامة هو إبداعه نوعا من المشهدية السياسية لن يصل إلى ذروة كماله وذروة كآبته أيضا إلا على أيدي "بينيتو موسوليني" و"أدولف هتلر".

كاتب المقال كاتب وناقد أرجنتيني يعيش في نيويورك.

نشرت المقالة في عدد صيف 2015 من مجلة كابينت مجازين ونشرت الترجمة  في ملحق شرفات بتاريخ 16 فبراير 2016