الثلاثاء، 25 فبراير 2014

عندما ينكسر الغصن

عندما ينكسر الغصن
إدوارد ماريوت * 



ملعب في ضاحية في نهار شتائي بارد. ورجل في مطلع الثلاثينيات يكبس على رأسه طاقية صوفية، ويرتدي سترة جلدية ويلف حول عنقه كوفية. يحرك الرجل، وفي عينيه نظرة ميتة، أرجوحةً عليها طفل صغير. في القلعة البلاستيكية توأمان يتدافعان، وأمهما واقفة على الأرض من تحتهما، تتحنجل على قدميها، وعيناها تتنقلان من بنت إلى الثانية، تصدر التحذيرات والتعلميات، بصوت مرتفع وقلق. أتلفت فلا أرى راشدا يبتسم إلا امرأة، لكنها تكلم صديقتها، بينما طفلاهما بعيدان يتصارعان بالعصيّ.
لا شيء ملفت هنا على نحو استثنائي. قد يكون يوما من أي أسبوع، في أي بلدة. ولا جديد يتكشف حتى عن الفكرة التي تراود الآباء سرا: رجاؤهم أن يكونوا في أي مكان آخر إلا هذا الملعب، وحسدهم لمن لا أطفال لهم من الأصدقاء، أو حتى تساؤلهم في ليال يجافيهم النوم فيها، أو في أعقاب مشاجرة مع ولد مراهق حرون، لماذا أنجبوا من الأساس. المختلف في زماننا ـ وإن نكن في عصر ما بعد الفرويدية ـ هو قلة الآباء الذين يمكن أن يعترفوا صراحة بتعادل مشاعرهم تجاه أبنائهم. في عصر لم يبق فيه شيء سرا ـ من الجنس إلى المال ـ  يبقى تعادل المشاعر ambivalence  الأبوي هو التابو الأخير.
ومع ذلك فإن تعادل المشاعر الأبوي حقيقة قديمة قدم الميثولوجيا نفسها. وانظروا مثلا كيف يبدأ الكثير من الحكايات الخرافية بأطفال يطردهم آباؤهم، إما بإرغامهم على الرحيل ـ كما في قصة "الأخ والأخت" للأخوين جريم ـ أو بتركهم  في مكان لا يستطيعون الرجوع منه كما في "هانسل وجريتل". أما المصير المدَّخر للأبناء الأكبر سنا، من المراهقين في الغالب، فعادة ما يكون أشد عنفا: كأن تأمر الملكة الغيور في "بياض الثلج" بقتل ابنة زوجها، أو كأن يأمر الملك، وقد ضاق ذرعا بإصرار ولده المراهق على عصيانه ـ في قصة الأخوين جريم، بطرده ثم يأمر جنوده وخدمه في نهاية المطاف بالتخلص منه. واستخدام القصة لزوجة الأب الشريرة هنا جدير بالملاحظة: فكأنما الطفل يفهم بحدسه أن أمه (وأباه في واقع الأمر) قد تكن له في بعض الأحيان مشاعر عدائية، لكن الأضمن والآمن أن نوعز هذه القسوة إلى شخصية زوجة الأب التي يسهل التخلص منها بنهاية دموية.
وتهويدات الأطفال أيضا تؤكد للآباء أنه ما من جديد في أن يشعروا بين الحين والآخر بمشاعر إجرامية تجاه أبنائهم ـ بدلا من المحبة الأبوية. وبصدقٍ أتساءل: أية أم هذه التي لا تجد شيئا من الراحة ـ بينما يقلق نومَها كلَّ قليل طفلٌ ممغوصٌ ـ في استطاعتها أن تغني بهدوء أغنية عن غصن ينكسر فيقع المهد على الأرض بينما هي تهدهد طفلها كي يعود إلى النوم؟ أو تستمتع سرًّا بالسادية إذ تجري ممارستها على الأحباب الصغار ـ بتقطيع الأوصال، واتخاذهم قرابين وتجويعهم ـ في قصص كتاب القرن التاسع عشر " Der Struwwelpeter " لهاينرش هوفمان؟
لكن دعونا نقدّم أولا بعض التعريفات. "تعادل المشاعر" في الاستخدام الحديث غالبا ما يفهم باعتباره يعني امتلاك مشاعر مختلطة تجاه شيء أو شخص، ولكن في هذا ترقيقا للمفهوم. فالمفهوم بحسب ما وضعه علم النفس التحليلي يشير إلى واقع أنه بوسعنا في دفقة مفردة أن نشعر بالحب والكراهية في نفس الوقت. هي فكرة قوية، وغير مستساغة، وتدفعنا إلى الحيرة حينما نجد أنفسنا في قبضة تعادل المشاعر المتوتر، وكأن حربا أهلية ضروسا تدور رحاها في دواخلنا، فلا عجب أن تنتابنا الرغبة في اعتبارها مسألة بسيطة لا أنياب لها ولا مخالب. ولكن إحساسنا بها، كما يمكن لأي أب أمين أن ينبئك، يأتي في الغالب مغايرا لهذا. ومع ذلك، جرب أن تتكلم في الموضوع (مثلما فعل "ليونيل شريفر" في رواية صدرت له عام 2003 بعنوان "لا بد أن  نتكلم عن كيفن"  حيث تعترف الراوية إيفا بصراحة أن لديها مشاعر متعادلة تجاه ابنها كيفن) وسترى نفسك عرضة للنقد، بل والرفض ممن يؤثرون الإيمان الراسخ بأن الآباء لا يمكن أن يكنّوا مثل هذه المشاعر. لم تكن مشكلة الراوية بالطبع تتمثل في أن لديها مشاعر متعادلة تجاه ابنها، بل في أنها كانت ترائي طوال تنشئتها لابنها، وتتظاهر في جميع مراحل رعايتها له، بأن كل ما تكنه من مشاعر تجاهه، وهو الولد الكريه، هو الحب.
السؤال هو: لماذا صعب عليها، مثلما يصعب على الكثير من الآباء، أن تعترف بتعادل مشاعرها، ولو بينها وبين نفسها؟ لا بد أن يكون من بين أسباب ذلك أننا نعرف جميعا ـ حتى إذا لم نكن على دراية بالإحصاءات الحديثة ـ أننا نعيش في مجتمع ترتفع فيه مستويات ممارسة العنف على الأطفال ارتفاعا صادما. ذلك أن واحدا من كل أربعة من الراشدين ـ بحسب إحصائيات الجمعية الوطنية للوقاية من القسوة على الأطفال ـ تعرض لـ "الانتهاك البالغ" في طفولته، سواء كان هذا الانتهاك جنسيا أم عاطفيا أم بدنيا، أم عبارة عن تجاهل. وهذا رقم مرتفع بصورة مذهلة وفقا لأي شكل من أشكال الحساب. ولو اعترفنا أننا نحن أيضا نحس تجاه أبنائنا في بعض الأحيان بما هو أقل من مشاعر الحب، وأننا نحن أيضا تنتابنا أحيانا الرغبة في إيذائهم حتى لو أن بوسعنا أن نكبح أنفسنا عن ذلك، أفلا يعني هذا أننا نحن أيضا منتهِكون؟ ويبدو أن كل يوم يأتينا بقصة جديدة عن عنف أبوي، أو تجاهل أو انتهاك، أو عن أب يقتل أبناءه وشريكته ويحرق بيت العائلة على من فيه، عن زوجين متهمين بقتل رضيعهما، أو أم تهجر ابنتها لتقضي إجازة. فمنذا الذي لا يرغب في أن يفصل مثل هذه الحالات عن حالته الخاصة وأن يضع بينهما أوسع مسافة ممكنة؟ ومن هنا كان الاهتمام الذي حظيت به رواية مثل "الصفعة" (2008) لـ "كرستوس تسيلوكاس"، حيث الواقعة الأساسية في الرواية والمثيرة للكثير من الغضب الأبوي تتمثل في قيام رجل راشد بصفع ولد (ليس ابنه) عمره ثلاث سنوات على وجهه إثر قيام الولد بتصرفات سيئة.
هناك ضغط مجتمعي ينشأ منذ اللحظة الأولى ويؤدي إلى تفاقم الموقف. فالأصدقاء بمجرد أن يعرفوا بالحمل يتصلون للتهنئة. وقد نشعر بطبيعة الحال بالسرور، لكننا قد نشعر بالقلق، نتيجةَ وعينا الغامض بأننا لا بد أن نبقى صرحاء في إظهار امتنانا الدائم لما أوتينا من حظ حسن. وينصب القدر الأكبر من الضغط بطبيعة الحال على الأم التي ينتظر منها أن تكون على علاقة وَلَهٍ بالطفل لا تعقيد فيها، والتي ينتظر منها ألا تسأم من اللعب بالمكعبات نهائيا. بل إن الأمر يتجاوز ذلك بالنسبة للأمومة، بحسب كلمات المعالجة النفسية "روزسيكا باركر" في كتابها "المشطورة نصفين: تجربة تعادل مشاعر لدى الأم" (1995)، إذ ينسب إلى الأمومة أنها قادرة تمام القدرة على "إشباع توق المرأة إلى الاتحاد".
لكن باركر تتساءل: ماذا لو أن أمًّا لم تمر بـ "تجربة الإحساس المبهج بالحب والتوحد" فور الوضع؟ تقول إن من الأمهات من "يشعرن بذلك، ومنهن أيضا من لا يشعرن به". ولكن تحذيرها من أن إحساس التوحد هذا قد لا ينتاب بعض الأمهات يمضي فلا يلقى سوى آذان صماء. ذلك لأن النساء تحمل الأطفال في الأرحام تسعة أشهر في سياق ثقافة تعتبر علاقة الأم الاجتماعية بطفلها فيما بعد الوضع مماثلة بالاتحاد الجنيني في الرحم. ولعل أهل القرن التاسع عشر كانوا أحسن فهما لعلاقة الأم بطفلها، فقد كان لديهم تقليد يقوم على إهداء الأم الوالدة حديثا وسادة ينقشون عليها بالدبابيس عبارة "مرحبا بالغريب الصغير".
ولكن تأملوا كم يكون من الصعب الاعتراف بتعادل المشاعر بعد المرور بخمس دورات من التخصيب الصناعي، أو التعرض سنوات عديدة  للشيِّ على أيدي موظفي إدارة التبني المحلية في انتظار السماح لك بأن تكون أبا. في الوقت نفسه، لا يمكن للمستوى المرتفع من حالات اكتئاب ما بعد الولادة في المملكة المتحدة ـ حيث يقال إنه يصيب ثلاثا من كل عشر أمهات حديثات الإنجاب ـ أن يكون غير متصل بالضغط المفروض على الأمهات والذي يدعوهن إلى إنكار تعادل مشاعرهن. وهكذا يمتنع على الغل أن يجد متنفسا لفظيا، فإلى أين يتوجه، إما إلى الخارج ـ على هيئة عنف من نوع ما ـ أو إلى الداخل على هيئة اكتئاب؟
لقد فهم طبيب الأطفال والمحلل النفسي "دونالد وينيكوت" ـ الذي قضى حياته بعمل بين الأطفال والأسر ـ السبب في أن كفتي المشاعر المتعادلة قد تميلان في اتجاه ازدياد الكراهية أكثر مما تميلان في اتجاه ازدياد الحب. فقد كتب يقول إن الطفل "خطر عليها أثناء الحمل وعند الوضع" ويمثل "تدخلا في حياتها الخاصة" و"يعاملها بلا رحمة معاملة الحثالة، بل الخادمة المجانية، بل الجارية" ويبدو عليه أنه "محبط منها" إذ أنه "يرفض طعامها الجيد ... لكنه يأكل جيدا مع عمته" وهو "بعد أن يحصل على ما يريد يرميها بأي شيء من قبيل قشر البرتقال" وهو "يحاول إيذاءها" و"بعد صباح رهيب معه يخرجان فإذا به يبتسم لعابر غريب لمجرد أنه يقول: ما هذا العسل؟"
وهناك، من بعد ذلك، تأثير وصول طرف ثالث ـ مهما يكن مخططا له أو مرغوبا فيه ـ ليقتحم علاقة بين اثنين. وهو تأثير رأته "نورا إفرون" كاتبة فيلم "عندما قابل هاري سالي" مدمرا، فقد قالت مرة إن ميلاد طفل أشبه بـ "إلقاء قنبلة يدوية في حفل زفاف". أما الكاتبة والصحفية "ليونيل شريفر" فشعرت أمها بمثل ذلك، ونبهتها ـ وهي في منتصف الثلاثينيات ومنخرطة في علاقة غرامية حديثة ـ إلى أنها إذا ما قررت هي وشريكها أن ينجبا طفلا فإن الأمومة سوف تبدل علاقتهما تماما. وبرغم أن الأم لم تتكلم عن طبيعة التبدل إلا أن شريفر كتبت تقول إنها "ولا شك كانت تنبهني إلى أن التبدل سوف يكون إلى الأسوأ". ومع ذلك تجد أزواجا يقررون، عند تباعدهم أو تشاجرهم، إنجابَ طفل (أو طفل آخر) إيمانا منهم أن خلق هذا الرابط الجديد سوف يعيد إليهم وحدتهم المنفكة.
من حسن الحظ أن التوقعات المجتمعية تتغير، وإن ببطء. فالحركة النسوية في ستينيات القرن الماضي ـ والتي تمثلت في كتاب مثل "الغموض الأنثوي" لبيتي فريدان (1963) ـ بدَّلت من الآراء الراسخة حول الأمومة بوصفها "مكافأة ـ بطبيعتها ـ وليست مشكلة" (على حد تعبير الباحثة الاجتماعية "ماري جورجينا بولتن"). كما أعادت الحركة النسوية تركيز الاهتمام على تجربة الأمومة الفعلية. وبرغم ذلك، فإن فريدان تلقي اللوم فيما يتعلق بتعادل المشاعر الأمومية على المجتمع، دون أن تعترف أن جوهر الدور الأمومي ينطوي على هذا التعادل.
وحتى الآن، حيث تعترف أمهات القرن الحادي والعشرين بتعادل المشاعر، مثلما فعلت "راشيل كاسك" بشجاعة في كتابها السيري "عمل الحياة" (2001)، فإنهن يتعرضن للهجوم بوصفهن أمهات لا يتحلين بالمسئولية، بل وبأنهن غير صالحات للأمومة من الأساس. وهكذا نستمر في الدخول إلى الأبوة في حالة من العمى، والفخر والارتياح إلى أن جيناتنا سوف تستمر، غافلين عن المتطلبات القاسية التي تنتظرنا، غافلين عن كوننا وقّعنا بالفعل على عقد وظيفة تستمر مدى الحياة، دون أن نتلقى تدريبا مسبقا، أو نحظى عنها بأجر، أو يلوح لنا في الأفق شبح إجازة أسبوعية، دونما فرصة في تغيير المسار المهني، ودون بند متعلق بالتقاعد. هي وظيفة سوف تستوجب استثمارا وصبرا لا ينتهيان، وهي وظيفة إذا لم تسؤ الأوضاع فيها، فإننا في النهاية سوف نكون زائدين عن الحاجة. وفيها بطبيعة الحال مكافآتها، لكنها تأتي متقطعة، وتأتي حينما نكون أقل ما نكون انتظارا لها.
تقول الكاتبة "إستيلا ويلدن" (مؤلفة الكتاب الناجح والدراسة المهمة "الأم، العذراء، الغانية: تأليه الأمومة وشيطنتها" الصادر سنة 1988) إن النزوع إلى تأخير إنجاب الأطفال ـ وما يترتب عليه من شعور بأن إنجابهم بحد ذاته تضحية كبيرة ـ قد يثير العداوة تجاه الأطفال. وقالت لي إن "إنجاب الأطفال يبدو للناس في هذه الأيام استثمارا ضخما. فالناس تتخلي من أجل ذلك عن جزء من وظائفها. والآباء يقدمون الكثير لأطفالهم لدرجة أنني أحيانا أتساءل إن كان الآباء يحتاجون الأبناء أكثر مما يحتاج إليهم الأبناء. الآباء يستثمرون الكثير، ويتوقعون الكثير في المقابل" فإذا لم يكن المقابل وشيكا، قد لا تكون العداوة بعيدة.
وقد تنشأ العداوة أيضا حينما نضطر إلى مواجهة ما لا نؤثر مواجهته. وقليلة هي أدوار الحياة التي تفعل هذا باستمرار ودونما انقطاع مثلما تفعله الأبوة. قبل أن ننجب الأطفال، وبفرض أننا ابتعدنا قليلا عن اضطراب المراهقة، يمكن أن نفكر في أنفسنا بوصفنا ناسا طيبين: فينا الصبر والرحمة والحب والتسامح. ولكن سنوات قليلة من الأبوة تعرِّينا من هذا الأوهام فنرى أنفسنا على حقيقتها: قادرين على الغضب والاهتياج والحقارة والغيرة وأضيفوا ما تشاؤون. ذلك لأن الأطفال يواجهوننا ببحار متلاطمة من أنفسنا المحتملة، بجوانب من ذواتنا نود لو ننكرها، وقد يكون ذلك سببا يحملنا على أن نكرههم. وأسوأ من ذلك أنهم قد يقاومون رغباتنا، بل احتياجاتنا، إلى أن تكون محبوبين مؤثرين. فحينما تعترف السيدة موريل ـ في رواية "أبناء وعشاق" لـ "دي إتش لورنس" ـ بأنها لم تكن ترغب في إنجاب ابنها بول بسبب علاقتها مع زوجها فإنها تنظر إلى ابنها في خوف: "تراه عرف عنها كل شيء؟ تراه حينما كان يستلقي ملاصقا قلبها كان يتسمّع؟ أكان في نظرة عينيه لوم؟ شعرت بالنخاع يسيل في عظامها من سخونة الخوف والألم". وفي ظل وعيها بتعادل مشاعرها تجاهه، تقرر أن تحبه بأشد ما لديها من قدرة على الحب. لكن الأمر قد يتخذ مع آباء آخرين مسارا معاكسا: فقد يحدث في ظل وعينا بتعادل المشاعر أن نكره أنفسنا، ثم نستدير إلى أبنائنا فنكرههم لأنهم السبب في أن شعرنا نحن بمثل تلك المشاعر.
ليست المشكلة في أن نشعر بتعادل المشاعر تجاه أبنائنا، بل في محاولة إنكار ذلك. فنحن إن فعلنا ذلك لن يطول الوقت قبل أن نتوقف عن معرفة أي الغضب يبقى ملائما أن نوجهه إلى أبنائنا، وأي الغضب يرقى إلى العداوة والخطر. إننا نحاول عند الاضطراب أو القلق أن نقمع كل ما فينا من نواقص، وما في أبنائنا أيضا. وتنبهنا "إستيلا ويلدن" إلى أن "المهم للأطفال في أي عمر كانوا أن يشعروا بحقهم في التعبير عما بهم من مشاعر عداء وغضب. فكلما حاولوا قمع هذه المشاعر، تفجرت إلى أفعال". وعليه: أنكروا تعادل المشاعر فيكم أو في أبنائكم، وعيشوا جميعا على حافة بركان، متخوفين من اندلاعه الموشك، بَدَنِيًّا أو لفظيا.
والآن ما الذي يمكن أن يعلمنا إياه التحليل النفسي؟ وكيف يمكن أن ينفعنا العلاج النفسي؟ اسمحوا لي أن أصف حالة عرفتها عبر التجربة العلاجية المباشرة.
ماتت أمُّ سادي وهي تلدها، فأنشأها أبوها. وفي محاولة منها للتسرية عن أبيها الحزين الوحيد، أصبحت سادي تلميذة مثالية. كانت تقمع في نفسها كل شعور سلبي مهما يكن. فلما باتت في فجر رشدها لم تعد تعرف ما الذي تشعر به. ولما هجرها صديقها ومعها منه طفلان، حاولت الانتحار بدلا من أن تنفس عن غضبها. وفي أثناء علاجها، صعب عليها، لا سيما في الأيام الأولى، أن تعبر عن أي نوع من مشاعر العداء تجاهي. وكلما كنت ألفت انتباهها إلى ضرورة أن تحافظ على علاقتها بي هادئة وخالية من الصراع، كانت توافقني الرأي وتبتسم، وتغير الموضوع.
لقد تسببت الأمومة لسادي في قلق عظيم فصعب عليها أن تتسامح مع أي نوع من السلبية يتبادر عن ابنيها اللذين كانا في السادسة والرابعة من عمريهما. وفي أثناء العلاج، وبرغم إنكارها أية مشاعر سلبية تجاهي، كانت تصرفاتها تفضح مشاعر أخرى: فقد دأبت بعد الإجازات الأسبوعية على أن "تنسى" حضور الجلسة، مما يصيبني بالقلق عليها. وبالتدريج فقط، ومن خلال الاعتراف بألم خسائرها الشخصية والمدى الذي بلغته في قمع غضبها، بدأت تسفر عن عدائها لي. وبالتدريج، اكتشفتْ لدهشتها أنني لن أموت بسبب كراهيتها لي، وباتت أكثر حزما مع ابنيها، وبدأ الولدان يتحليان بالهدوء في البيت وفي المدرسة. لا تزال الحياة الأسرية صعبة عليها، لكنها بدأت تكون أقل قلقا عندما تنتابها المشاعر السلبية، وأقل خوفا من أن يفضي تعبيرها عن هذه المشاعر على أي نحو إلى تدمير كل شيء.
لن يتفق جميع المعالجين النفسيين على ضرورة التعبير عن المشاعر السلبية تحريرا للمريض. فهناك من يناصرون مفهوم "التجربة العاطفية التصحيحية" التي كان أول من قال بها المحلل النفسي "فرانز ألكسندر" في أربعينيات القرن الماضي وتقوم ـ فيما ذهب إليه ـ بـ "إصلاح" تأثير الأزمات السابقة. ولكن "إستيلا ويلدن" ـ وأكثر المعالجين النفسيين  ـ لا يؤثرون منهجه هذا. "نحن لسنا معالجين نفسيين غايتهم حب الناس. بل الناس بحاجة إلى أن يكون بوسعهم ألا يحبوننا. الناس يصفقون الباب دوني، ويصيحون في وجهي. وأنا أيسّر لهم التعبير عن غضبهم".
وذلك قول صائب، فبمجرد أن يضع المرء غضبه في كلمات، لا يعود هذا الغضب متجسدا فيه هو. ونحن في الأوضاع المعتادة، بمجرد أن نقول كم نحن غاضبون، يقل احتمال أن نضرب أو نصيح أو نلحق الأذى. وبعد ذلك، يزداد احتمال أن نقدر ـ مثل سادي ـ على تعيين الحدود المناسبة، على أن نقول لأبنائنا "لا"، على أن نحمي مصالحنا بطريقة لا أنانية فيها ولا عدوانية.
يحكي "دونالد وينيكوت" في أحد أبحاثه قصة مهمة لكل الآباء المأزومين بتعادل المشاعر. يحكي أنه وزوجته أثناء الحرب العالمية الثانية وجدا نفسيهما يعتنيان بصبي عمره  تسع سنوات وله تاريخ مع العنف والإهمال. "بكرم شديد تقبّلته زوجتي ورعته ثلاثة أشهر، فكانت ثلاثة أشهر من الجحيم. كان أحب الأطفال وأكثرهم إثارة للجنون، الجنون السافر الشرس". فقد كان الصبي ـ فيما كتب وينيكوت ـ عندما يصبح عنيفا "يخلق الكراهية بداخلي. كان سماح وينيكوت لنفسه بهذا الاعتراف يعني أنه كان قادرا على احتواء دوافعه إلى الثأر. "هل كنت أضربه؟ لا. لم أضربه مطلقا. ولكن كان ينبغي أن أفعل هذا لو لم أكن على معرفة تامة بكراهيتي ولو لم أجعله هو يعرف بها أيضا".
لعل العقوبة التي كان يفرضها وينيكوت على الصبي كانت عقوبة فكتورية بعض الشيء، لكنها مكّنته من احتواء دوافعه إلى ضرب الولد: "كنت في الأزمات آخذه بالقوة، ودونما غضب أو لوم، أضعه خارج الباب الأمامي، مهما يكن الطقس أو الوقت من ليل أو نهار. كان هناك جرس مخصوص يمكنه أن يضربه، وكان يعرف أنه إذا ضربه سوف يسمح له بالدخول دون أن تقال كلمة في الموضوع. فكان يضرب الجرس بمجرد أن تنتهي نوبة غضبه ... المهم في الأمر أنني كنت كلما أخرجه، كنت أقول له شيئا، كنت أقول له إن ما حدث جعلني أكرهه. وكان ذلك سهلا عليّ لأنه كان حقيقيا". ومن المثير أن وينيكوت لم يكن لديه أبناء، فسهل عليه البوح بأفكاره، إذ لم يكن له نسل قد يشعر بالحاجة إلى أن "يحميه" من قراءة هذه الأفكار.
وقد يكون مثيرا للجدل، نظرا للإيحاء بأن المرضى لا يختلفون مطلقا عن الأبناء، أن يعترف وينيكوت أنه لا بد للمحلل النفسي ـ تماما مثل الأم ـ أن يتمكن من كراهية أو حب مرضاه: "فمهما يكن حب المحلل لمرضاه لا يمكن أن يتفادى أن يكرههم أو يخشاهم وكلما ازداد معرفة بهذا قلَّ احتمال أن تتحول الكراهية أو الخوف إلى دافع يحدد ما يفعله لمرضاه".
لو أننا أنكرنا كراهيتنا، وحاولنا قمع تعادل المشاعر في أنفسنا، فإننا نكون خطرا على الآخرين. ففي حالة الإنكار هذه، والإصرار على رؤية جانب واحد من الطبائع، نميل إلى شيطنة الآخرين، ونهلل للجرائد الصفراء حينما "تفضح" مغتصبي الأطفال، وننغمس في قصص انتهاكات "جيمي سافيل" في الوقت الذي نتعامى فيها عن لحظات نطلق فيه العنان لأنفسنا في تعاملنا مع أبنائنا، أو نفسح المجال لما فينا من قسوة، بدلا من اللجوء إلى الانضباط، في تحديد العقوبات والجزاءات.
أعرف أن الوعي بدوافعنا التدميرية مؤلم، وقد يفضي إلى درجة من اكتئاب الإحساس بالذنب. ولكن للإحساس بالذنب أحيانا منافعه. فهو يحفز على التفكير في كيفية التحسن في المرة التالية، وفي طريقة لإصلاح ما تلف. وفي النهاية، سيعيش أبناؤنا، سيتجاوزون كراهيتنا، تماما كما سيتجاوزون حبنا.

* لإدوارد ماريوت أربعة كتب منها "كلود ومادلين: قصة حرب حقيقية". يعمل معالجا نفسيا.



نشر المقال أصلا في أيون مجازين ونشرت الترجمة اليوم في ملحق شرفات