الأربعاء، 22 يناير، 2014

بشر مسالمون .. جينات عنيفة


بشر مسالمون  .. جينات عنيفة
لوك جلواكي

 هل الجينات هي التي تحملنا على ممارسة العنف؟ إن فكرة انسياق السلوك الإنساني بدفع من الجينات تشعر الكثيرين بعدم الارتياح، ولا يزداد النزاع احتدادا أكثر مما يكون عند مناقشة جذور العنف البيولوجية.
لقد استعرت حرب الأفكار القائمة فيما يتعلق بالعنف والطبيعة البشرية  منذ مطلع القرن السابع عشر عندما تكهن الفيلسوف توماس هوبيز بأن "الوضع الطبيعي للبشرية" ينطوي على العنف والصراع. ليأتي بعده جان جاك روسو في القرن الثامن عشر ويرى الأمر رؤية مختلفة. فبسبب افتتانه بما يروى من حكايات عن العالم الجديد، ذهب إلى أن الحضارة ـ لا الطبيعة ـ هي التي تصوغ نزوع الإنسان إلى العنف.
ولقد أنفق علماء الاجتماع القرون الثلاثة الماضية غارقين في جدال حول درجة مسئولية الطبيعة البشرية أو الثقافة عن الحرب.
في العقود الأخيرة دخل علم الأحياء غمار هذه المعركة. فمنذ أن قامت "جين جودول" بتوثيق حقيقة مزعجة مفادها أن جماعات الشمبنازي تقوم بغارات دموية ضد غيرها من جماعات الشمبانزي، أخذت الأدلة تتراكم داعمةً التفسيرات البيولوجية  لمقدرة سلالتنا على التحارب. وعلى مدار السنوات القليلة المنصرمة، تلاقى العلماء على ما يشبه التوافق: إن الميل البشري إلى العنف الدموي ضد أفراد "جماعة خارجية" له جذور تطورية عميقة.
في السياقات ما قبل الحديثة، كانت الجماعات الخارجية تتألف من كل من لا ينتمي إلى الجماعة أو المجتمع المباشر اللصيق. أما اليوم فيمكن أن تقوم الجماعة الخارجية على أية قاعدة كالجنسية أو المذهب الديني أو الخلفية الإثنية أو التبعية السياسية وغيرها من تلك الأسس التي لم تكن لها أهمية تذكر في تاريخنا التطوري.
برغم التغني في بعض الأحيان بأن أبناء عمومتنا المسالمين من القردة العليا  مثال على مسيرة تطورية بديلة، إلا أن علائقها الحيوية غير مدهشة من وجهة النظر التطورية. يعتقد علماء الأحياء أن البشر الأوائل ـ شأنهم شأن الشمبانزي ـ كانوا يواجهون منافسة على الموارد، في حين أن القردة العليا لا تواجه ندرة في الموارد الطبيعية وهو ما سمح لهذه السلالة بأن تتطور فيها مقدرة خاصة على التعايش السلمي بين الجماعات.
يقدم لنا علم الأركيولوجي وسيلة مهمة لبحث العنف في مرحلة ما قبل الاحتكاك بأوربا أو الاستعمار. في كثير من الحالات، تعطينا البقايا البشرية دليلا على أماكن التحارب فيما قبل التاريخ. والإصابات في الجماجم كالكسور والجروح والتقطعات توحي بأن العنف الدموي كان شائعا.
ويمكن استنتاج وجود تحالفات عدوانية من أمثلة كثيرة لإصابات متعددة في شخص واحد، ومن مقابر جماعية غالبا ما تحتوي نساء وأطفال. ولقد عثر على أمثال هذه المقابر الجماعية في شتى أرجاء الكوكب، ومن بينها مذبحة كراو كريك في القرن الرابع عشر الشهيرة والرهيبة في داكوتا الجنوبية، حيث تم اكتشاف بقايا خمسمائة جسم. وفي ضوء ندرة البقايا الأركيولوجية البشرية، فإن اكتشافنا لكل هذه الأدلة على العنف والصراع يكون دالا فيما يتعلق بطبيعة العلائق بين الجماعات المختلفة فيما قبل التاريخ.
يعتقد علماء الأنثروبولجيا أن التحارب كان شائعا بين البشر في مرحلة الصيد والتقاط الثمر، وإن كانت طبيعة هذا العنف ومدى تواتره يبقيان موضع جدل. فالجماعات التي تعد في بعض الأحيان مثالا للمجتمعات السلمية في أيامنا هذه مثل الـ هادزا Hadza  في تنزانيا شهدت حالات عنف بين الجماعات في الماضي القريب.
التواريخ الشفوية التي توثق لعادات ما قبل الاتصال في المجتمعات التقليدية غالبا ما تحتوي حكايات عن أعمال عنف رهيبة. فلقد حكى أحد كبار جماعة الإنويت Inuit لعالم الأنثروبولوجي "فرانز بوس" قائلا إنه "في سالف الزمان كنا نتقاتل حتى ليجري الدم أنهارا على الأرض".
برغم أن العنف فيما يبدو كان شائعا في ما قبل التاريخ، يبدو محتملا أنه مع تحول المجتمعات إلى المزيد من الاستقرار والهيراركية، ازداد التحارب ازديادا حادا مع فقدان الجماعات لقدرتها على الارتحال مبتعدة عن بعضها البعض في أوقات الصراع.
ومن أكثر ما يلفت الأنظار من الأبحاث في هذا الموضوع ما تعلق منها بالتعاون بين علماء الاقتصاد وعلماء الأنثروبولوجيا ومنظّري علم الأحياء الذين أقاموا نماذج كمية ونماذج محاكاة محوسبة. فلقد قام "صمويل باولز" من معهد "سانتا في" بقيادة دراسات متعددة المناهج تبين كيف أن التحارب ساهم في تطور الإيثار الاثتثنائي لدى البشر.
في الوقت نفسه، قام أساتذة في علم النفس الاجتماعي بتوثيق ما يبدو طبعا أصيلا لدى البشر يجعلهم يقومون بتصنيف الأفراد إلى منتمين إلى الجماعة وخارجين عن الجماعة وهو ما يمكن أن يكون أساسا للانقسامات المفضية إلى الصراع.
في ضوء ذلك كله ينشأ لدينا دليل على وجودة قاعدة تطورية للصراع العنيف. لكن القصة لا تتوقف عند هذه النقطة لحسن الحظ. فالتحارب لا يعدو جزءا من تركتنا التطورية. ومن أجزاء التركة الأخرى أن الإنسان تطور على مستوى رفيع من التعاون والاستجابة للأعراف الثقافية، ومن بينها الأعراف التي تدفعنا إلى العلائق السلمية.
إن للتعاون البشري ـ وهو ألزم لبقاء البشر من الحرب بطبيعة الحال ـ جذورا تطورية هي في عمق جذور الصراع البشري. ومثلما يمكن أن تتقاتل الجماعات بسبب الضغوط البيئية أو ندرة الموارد، فمن الممكن أن تجد دوافع قوية إلى توسيع العلاقات التجارية  وإقامة التحالفات المفيدة لمختلف الأطراف. ولا شك أن المقدرة على إقامة العلاقات التعاونية السلمية كان ألزم لبقاء السلالة ونجاحها من التعادي.
والآن، هل يعني ذلك كله مستقبلا بلا حرب؟ مما لا شك فيه أن الضغوط البيئية وندرة الموارد وكثافة السكان قد أثرت على التطور البشري، فجعلتنا ننزع إلى التنافس والعنف، لكن هذه الضغوط نفسها قد تجعلنا ننزع إلى التعاون أيضا. ومسألة انسياقنا وراء جيناتنا إلى الحرب أو السلم إنما تعتمد على البيئة الاجتماعية المحددة التي نعيش فيها.
إن جيناتنا لا ترغمنا على العنف، لأنها بدون ثقافة تدعمها، لا تستطيع أن تدفعنا إلى ذلك.

عن لوس أنجلس تايمز
 نشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم