السبت، 26 يناير، 2013

مالي ... ما وراء القاعدة



ما وراء القاعدة
فيما تهرع الدول الغربية إلى منطقة الساحل المضطربة في أفريقيا، هل نسينا التاريخ مرة أخرى؟
هوارد فرنش

هكذا، بكل بساطة، تتحول على حين غرة واحدةٌ من أنأى مناطق العالم، وأكثرها غموضا، وأشدها جدبا إلى منطقة يعاملها العالم معاملته للمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى غداة الهجمات التي نفذها مؤخرا خليط من جماعات مسلحة ـ يطلق على إحداها اسم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" ـ هي التي هددت بقاء الدولة المالية ونشرت موجات العنف في عموم المنطقة المجاورة.
اتسم رد الفعل الفرنسي بالخفة والارتباك البين تجاه الأزمة في مالي، إذ أرسلت باريس قوة تدخل بدا مقدرا لها في البداية أن تكون بالغة الصغر، ولكنها فجأة رفعت الرقم إلى الآلاف، وفي ثنايا ذلك كله كانت تسارع إلى إدخال شركائها الإقليميين المتواجدين في أماكن مثل نيجريا وتشاد والنيجر.
بدا أن باريس عاجزة تماما عن تقديم سبب واضح أو الحديث بصوت واحد، فقد كانت تقول الشيء وعكسه في تتابع متسارع: فتعد بأن التدخل سوف يكون محدودا وأن التسليم للأفارقة سوف يتم بسرعة، في حين تتعهد بالقيام بكل ما يلزم لاستئصال الحركات الإرهابية من مالي وإعادة الحكومة الشرعية.
ونحن، لكي نفهم ما الذي يجري اليوم حقا في مالي وفي منطقة الساحل بعامة، ينبغي أن نفكر في عقود من تاريخ الاستعمار والاستقلال في المنطقة. ولا يكاد المرء يفعل هذا، حتى يغدو من الواضح له (بعيدا عن القاعدة التي لا تمثل أكثر من وافد جديد نسبيا على العناصر القائمة فعليا) أن الأجدر بلفت الأنظار هو استمرارية الأزمات في هذه المنطقة.
لقد كان من أضخم المواضيع الصحفية التي أنجزتها في فترة عملي مراسلا خارجيا موضوع يرجع إلى عام 1983، وكنت في ذلك الوقت أعمل مراسلا حرا في غرب أفريقيا لحساب واشنطن بوست. كنت قد عبرت النهر من الكاميرون إلى تشاد في زورق بدائي بهدف تغطية اضطرام القتال بين فرنسا والمتمردين الدعومين من ليبيا والرامين إلى الانقلاب على الحكومة القائمة آنذاك.
أقل من أربعة وعشرين ساعة ثم رحلة في طائرة هليوكوبتر إلى الجبهة، ورأيت من داخل خندق رملي الطائرات الفرنسية وهي تقصف مواقع للمتمردين في الصحراء. كان هدف تلك الطائرات هو إيقاف تقدم المتمردين باتجاه العاصمة، تقريبا كالذي كان يحدث الأسبوع الماضي.
لطالما تغيرت أقنعة الحلم الجيوسياسي الذي ظل يراود الدكتاتور الليبي معمر القذافي طويلا، ولكنه بقي دائما في جوهره حلما انتهازيا ببسط النفوذ باتجاه الجنوب، إلى ما وراء الصحراء، وإلى الأمام وفي كل اتجاه، وصولا إلى الساحل، تلك المنطقة التي تمتد وفقا لهذا التصور من السودان إلى السنغال.
لقد حدث في سبعينيات القرن الماضي، وقبل أن يسمع أحد عن شيء اسمه القاعدة، أن قام القذافي بتشكيل فيلق إسلامي تم تجنيد أفراده من منطقة الساحل.  على الرغم من أن حكم القذافي كان علمانيا في جوهره داخل ليبيا، لكنه كان انتهازيا بالخارج مستعدا لاستغلال الإسلام وخليطه الشخصي من القومية العربية ليجمع به المتمردين الرامين إلى تحدي النظام السياسي الذي خلفه الاستعمار الأوربي من ورائه. وكان جراب الحاكم الليبي يحتوي على أنواع من الحيل من بينها الضم (تشاد) والدمج (السودان) وحيلة الاتحاد الأفريقي الأشد مغالاة مما عداها في الطموح.
ولقد اجتمع للقذافي من الهزل في السلوك ومن جنون العظمة ما جعل من السهل التغاضي عن مدى كون الاضطرابات التي ساعد في إحداثها هي في حقيقتها بقايا من نضالات سابقة. لقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر تنافسا محموما بين فرنسا وبريطانيا من أجل السيطرة على الساحل الذي كان طرفه الشرقي الأقصى (وهو جنوب السودان في أيامنا هذه) يشكل حجر زاوية في مشروعيهماالاستعماريين.
باريس، وقد تحققت لها السيطرة على شمال أفريقا، كانت تحلم ببسط سيطرتها على الساحل من المحيط الأطلنطي حيث السنغال وحتى الوصول إلى النيل الأبيض في السودان. كان من شأن ذلك أن يوفر لفرنسا سيطرة مطلقة ـ من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب ـ على التبادل التجاري فيما بين أوربا وبلاد المغرب العربي ومراكز تواجد السكان والموارد في غرب أفريقيا.
أما حلم بريطانيا فكان أشد طموحا. كان يقوم على خطة سيسل رودز Cecil Rhodes لإقامة شبكة سكك حديدية متصلة تكون بمثابة عمود فقري يمتد بطول القارة ليربط كيب تاون والثروة المعدنية الهائلة في الجنوب الأفريقي كله بالقاهرة مرورا بشرق أفريقيا الثري.
لم تراع أي من هذه الخطط الكبرى وجود شعوب شرسة مستقة التفكير، لا سيما المسلمون منهم ذوو المجتمعات المنظمة والتقاليد العسكرية الراقية في عموم منطقة الساحل.
لقد واجهت بريطانيا وفرنسا على السواء في هذه المنطقة بعضا من أشد الامتحانات لحقبتيهما الاستعماريتين. أتت هذه الامتحانات بالنسبة للندن على هيأة حملات لإخضاع السودان وبالنسبة لباريس جاءت على هيأة "ساموري توري" Samori Ture مؤسس الدولة الإسلامية البدائية التي كانت تتركز غير بعيدة عن منطقة الصراع في مالي اليوم، والتي قاومت الغزو طوال عقد تسعينيات القرن التاسع عشر.
اليوم يظهر الخبراء على شاشات التليفزيون ليتداولوا أحداث مالي متكهنين بصورة طبيعية بوجود رابط محتمل بين الحركات الإسلامية المسلحة في أماكن مثل موريتانيا ومالي والجزائر وشمال نيجريا، بما يشكل بحرا شاسعا محتملا من الراديكالية الإسلامية المعادية للغرب. ولسوف يحسن هؤلاء الخبراء صنعا إن هم أدركوا أن هذه تيارات أصيلة في ثقافة المنطقة ووضعها السياسي وأنها ليست بأية حال وافدة جديدة عليها. فرفض الحدود المرسومة للدول المصطنعة أوربيا قديم قدم هذه الحدود نفسها، وللإسلام دور مركزي في هذا الرفض بوصفه قاعدة ثقافية وتبريرا دينيا ووسيلة ناجعة للحشد. ولم يزد الزمن هذه التيارات إلا قوة وتماسكا، إذ تنقل الناس وتنقلت الأفكار على مدار السنين من خلال الرعي والحج إلى مكة بحيث تكونت جماعات ضخمة واسعة الانتشار ومتعددة الإثنيات، كالطوارق والهاوسا والفولاني ـ وما تلك إلا ثلاثة منها على سبيل المثال لا الحصر ـ وهذه الجماعات كلها تشترك ـ علاوة على ما تقدم ـ في أن مصالحها لم تكن في يوم من الأيام موضع اعتبار من راسمي الخرائط الإمبرياليين.
يعمد أغلب الذين يكتبون عن الأزمة الراهنة إلى تجاهل أن الطوارق ـ وهم مفتاح للأحداث الجارية في مالي ـ يقاتلون على فترات متقطعة طوال عقود من الزمن ضد الدولة التي نرى اسمها على الخريطة. ولقد حدث أثناء زيارة قمت بها إلى تمبوكتو في تسعينيات القرن الماضي أن قام المتمردون الطوارق ـ بدون أي إنذار مسبق ـ بقصف البلدة فسقطت قذائفهم على بعد أمتار من الفندق الذي كنت أقيم فيه، الأمر الذي أدى إلى ترويع السائحين وخلق حالة طوارئ.
أما عن جماعات المتمردين الأخرى في المنطقة، فنمطها في العموم يقوم على إثارة التوترات، وإرغام الحكومة ـ عمليا ـ على طلب السلام بعرض الأموال، وعقد المحادثات حول مزيد من الحكم الذاتي أو تقديم غير ذلك من التنازلات. والذي جَدّ في هذه المرة لم يكن دخول القاعدة في المعادلة بقدر ما هو حقيقة أنه لم تكن هناك حكومة في العاصمة باماكو تستحق أن تحمل اسم الحكومة منذ أن أطاح انقلاب عسكري بالرئيس المنتخب في مارس الماضي.
وعلينا قبل أن نشهر المطارق بحثا عن المسامير، أن نجعل هذه الأزمة تذكرنا بضرورة زيادة الدبلوماسية الوقائية وتقويتها في أفريقيا بصفة عامة، لا سيما في الخط الممتد عبر ثلاث أزمات كبرى في رواندا والكونغو، ومؤخرا جدا في كوت ديفوار.
عندما قضيت فترة من صيف 2011 في مالي، بدا لي الدبلوماسيون الغربيون محدودي المعرفة بالوضع القائم هناك، وأنهم يتعاملون معه بنوع من العجرفة، وذلك في الوقت الذي كان مخضرمو السياسة يحذرون فيه من وضع متفاقم من العفن فيما يتعلق بالفساد المتزايد وتجارة المخدرات والصعود السريع للعنف الإسلامي.
ومع ذلك، حتى أفضل الجهود الدبلوماسية ـ التي من الواضح أنها تنقصنا تماما في أفريقيا ـ لن تغير من حقيقة أن الساحل يعيش لفترة حالة من الاضطرابات والقلاقل، وأن مساحته الشاسعة تضم مساحات مأهولة متناثرة هنا وهناك ذات إمكانيات اقتصادية متواضعة للغاية وغير مرتبطة بالعالم الخارجي. والأماكن من هذه النوعية يسهل الهجوم عليها ويصعب الاستحواذ عليها، ولعبة الميلشيات القائمة على الابتزاز من  أجل نيل المزيد من الموارد لعبة مغوية إلى أبعد الحدود.
مهما تكن اللوافت الدينية أو السياسية المرفوعة على أيدي المتمردين، سيكون أكبر دافع على الاضطراب في هذه المنطقة في المستقبل هو السكان. فمعدل الإنجاب في منطقة الساحل من أعلى معدلات الإنجاب في العالم، وليس هناك ما يوحي بأنهم سوف يكونون قادرين على التكيف مع تضاعف عددهم أربع مرات ـ وربما زيادته إلى أكثر من ذلك ـ وفقا لتوقعات الأمم المتحدة في الفترة الممتدة حتى نهاية القرن. في ظل هذه السيناريوهات، سوف تتحول مالي من دولة عدد سكانها ستة عشر مليونا  اليوم إلى دولة سكانها يبلغ خمسة وسبعين مليون نسمة. بل إن النيجر المجاورة، والأشد فقرا، سوف تعاني مثل هذه المعاناة بعدد سكان يصل إلى مائة وخمسة وعشرين مليون نسمة. تلك الانفجارات السكانية سوف تهزأ أشد الاستهزاء من خريطة أفريقيا السياسية المعروفة لنا اليوم، والتتي تتحلق فيها العرقيات الكبرى حول الدول القائمة طالبة منها حكمها. لا شك أنه لا بد من التعامل الفوري مع "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، ولكن بمرور الوقت، لن تكون هذه المنظمة إلا أهون مشاكلنا.

نشر الموضوع أصلا عن فورين بوليسي في 18 يناير 2013، ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان