السبت، 22 سبتمبر 2012

طموحات تركيا



طموحات تركيا
هيو إيكن
ترجمة: أحمد شافعي
في مارس من عام 1548، وبعدما بلغ بالإمبراطورية العثمانية ذرى القوة، قرر سليمان العظيم Suleiman the Magnificent [المعروف في العربية بـ سليمان القانوني] أن يقيم في اسطنبول مسجدا. ويقول في ذلك مؤرخ مجهول:
سليمان القانوني

"إن جلالة السلطان، حاكم العالم، أدرك أن الدنيا إلى زوال، وأنه لا بد أن يترك من بعده أثرا يخلد ذكراه حتى آخر الزمان ... واتباعا لسنة السلاطين الأتقياء من قبله، أمر بإقامة مسجد لا نظير له ولا مثيل".
المسجد الأزرق

وفي مايو من هذا العام، جاء رجب طيب أردوغان ـ رئيس وزراء تركيا القوي، والمسلم التقي، والزعيم الفريد في الشرق الأوسط الجديد ـ فأعلن أنه مقيم مسجده العظيم أعلى البوسفور. وسيكون هذا المسجد أعظم من مسجد السلطان سليمان. يشرف الموقع المختار ـ وهو تل كامليجا الكبير ـ على ساحل المدينة الآسيوي، ويقع على ارتفاع 268 مترا فوق مستوى سطح البحر، فهو بذلك أبرز قطعة أرض في حاضرة اسطنبول كلها. (وفي هذا الموقع ذي الإطلالة الفريدة يبدأ بطل رواية "صحوة" لـ نامق كمال علاقته الغرامية المأساوية مع امرأة بلا أخلاق).
"سنقيم قبة تفوق كل القباب التي أقامها أسلافنا". هكذا تباهى المعماري المشارك في المشروع "حاجي محمد جونتر" في حديثه مع صحيفة ميلييت التركية اليومية في مطلع يوليو الماضي. وأضاف جونتر أن المسجد سوف يقام على "الطراز الكلاسيكي"، وستكون له ست مآذن، فذلك أكثر مما في أي مسجد في اسطنبول بما في ذلك المسجد الأزرق (وهو مسجد السلطان سليمان الذي تعلوه أربع مآذن). وقال أيضا إن ارتفاع المآذن سيفوق ارتفاع مآذن المسجد النبوي في المدينة المنورة التي يبلغ ارتفاع أعلاها 344 قدما.
قوبلت هذه الخطط في أوساط نخبة تركيا العلمانية بمزيج من التشكيك والسخرية. فالذي قام ببناء مسجد السلطان سليمان، هو سنان أعظم معماري تركي، في حين أن جونتر مجرد مسئول مغمور في البلدية. أما باحة المسجد المنتظر الفسيحة فشبهها أستاذ تركي للعمارة بـ "الاستاد الأولمبي". علاوة على أن تاريخ أردوغان السابق في بناء المساجد لا يدعمه في قضيته هذه. ففي يوليو، وفي غمرة النقاش حول مشروع تل كامليجا، أعلن رئيس الوزراء اكتمال مسجد آخر أقيم وفقا للطراز العثمانلي على الساحل الآسيوي، وقد وصف اردوغان المسجد في إعلانه بقوله إنه مسجد "سلطاني selatin " وهي كلمة كانت تستخدم في وصف ما يبني من مؤسسات دينية بأمر السلاطين القدامى. مما استدعى أن يكتب محرر في صحيفة تركية متسائلا "هل أعلن أردوغان قيام سلطنته؟"
وعلى الرغم من ذلك، لم أملك وأنا أسير في شوارع اسطنبول في هذا الصيف إلا أن أنتبه إلى الرمز المقصود. ما أبعد إردوغان عن سليمان، إردوغان ابن حي قاسم باشا الذي لم يخرج غازيا البلاد. ولكنه بعد عقد في الحكم أشرف فيه على تحقيق طفرة اقتصادية ونهوض دراماتيكي حققته تركيا في مجال العلاقات الدولية، بات يعد اليوم أقوى رجال السياسة الأتراك منذ كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة. وهو في الوقت نفسه قطع شوطا لم يقطعه من قبل أي من أسلافه في النأي عن الدولة المعادية للدين التي أنشأها أتاتورك في عشرينيات القرن العشرين.
فما كاد يتم إعلان الحمهورية الجديدة في عام 1923، حتى ألغى أتاتورك الخلافة وأغلق المدارس madrasas محولا تركيا بين عشية وضحاها إلى أكثر دول العالم الإسلامي علمانية. ثم جاء اردوغان في مطلع هذا العام فأعلن أنه يريد لشباب بلده أن يكونوا شبابا متدينا، ومنذ مارس الماضي، أو بالأحرى منذ أن أقر البرلمان قانونا ـ مثيرا للجدل ـ بالتوسع في التعليم الديني، افتتحت في اسطنبول أكثر من ستين مدرسة دينية جديدة. فبات المرء الآن حينما يدخل أحد مساجد المدينة التاريخية، يرى فيها مجموعات من الصبية والفتيات، منقسمين بحسب النوع، وجالسين على مقاعد يتلقون تعاليم القرآن.
أغطية الرأس ـ التي كانت نادرة في الأحياء الأوربية العصرية التي يكتب عنها أورهان باموق في روايته "متحف البراءة" ـ باتت شائعة، حتى في بيوت الأزياء رفيعة المستوى. في جميع أرجاء المدينة، تستعيد الآن جميع الأبنية الدينية العثمانية رونقها ويجري ترميمها بتكاليف عالية (ومن ذلك مدرسة جميلة أقامها سنان حول فناء ثماني الشكل أخذ عمال الترميم يعرضونها عليّ في اعتزاز وتباه). غير أن أحد المحللين السياسيين الأتراك اشتكى من أن الأذان ـ الذي يرفع الآن في كل مكان باستخدام مكبرات صوت خارج المساجد ـ بات اليوم أعلى صوتا بكثير مما كان عليه من قبل. وصيام رمضان ـ الذي لم يكن يلتزم به أحد تقريبا في المدينة ـ قوبل هذا الصيف بحماسة جديدة. وفي ظل ضغط من المؤسسة الدينية، قرر مهرجان لموسيقى الروك أقيم قبل أيام من إجازة العيد أن يحظر المشروبات الكحولية، على الرغم من إقامة المهرجان برعاية من كبرى شركات البيرة التركية.
ليست هذه أول مرة تبدو فيها تركيا عميقةِ العلمانية وكأنها تتحرك في اتجاه المسار الديني. ففي وقت بعيد بعد عام 1967، أقيمت في أنقرة نسخة من مسجد أقامه سنان في القرن السادس عشر، ورفض تصميم عصري جريء للمعماري فيدات دالوكاي. ولقد كان تورجوت أوزال ـ رئيس الوزراء التركي في الثمانينيات والذي يعزى إليه فضل الانفتاح الاقتصادي على العالم الذي بلغ ذروته وآتى ثماره في ظل إردوغان ـ مسلما تقيا أدى فريضة الحج وهو في السلطة. بل إن حزب العدالة والتنمية التابع لإردوغان هو الحزب الذي ورث حزب نجم الدين أربكان الإسلامي الذي كان محظورا، وأربكان نفسه كان أول رئيس وزراء إسلامي لتركيا في التسعينيات (وحتى الانقلاب العسكري في عام 1997).

مسجد في باكستان من تصميم فيدات دالوكاي


ولكن ما يضفي على التغيرات الأخيرة طابعا دراماتيكيا بصفة خاصة هو أن الأتراك أنفسهم يبدون متقبلين لها ومتبنين إياها: فغطاء الرأس بات مصدر اعتزاز لكثير من سيدات الأعمال في الأناضول، وقرارات منع الكحوليات في أغلبها تصدر بضغط من المجتمعات لا بفرض من السلطات وإردوغان اليوم في فترة حكمه الثالثة، ويتمتع ـ في حقيقة الأمر ـ بقاعدة راسخة من التأييد الشعبي. وفي حين أن حزب العدالة والتنمية لم يحقق بعد أغلبية البرلمان التي كان يسعى إليها رئيس الوزراء، إلا أن لديه السيطرة الكافية لتحويل أجزاء مهمة في النظام السياسي التركي.
في خطوات متعاقبة شهدتها الأيام الماضية، أحكم رئيس الوزراء [رجب طيب اردوغان] ببراعة سيطرته على المؤسسة العسكرية التركية المغالية في علمانيتها والتي كانت لها الهيمنة فيما مضى: فقد زج بعشرات اللواءات والعمداء في السجن بتهمة تدبير مؤامرات انقلابية من بينها مؤامرة يفترض أن تتم من خلال تفجير مساجد في اسطنبول. وفي الوقت نفسه يقوم حزبه المحافظ ـ حزب العدالة والتنمية ـ بإجراء إصلاحات عميقة على النظامين القضائي والتعليمي، وهي إصلاحات يرى البعض أنها تصب في صالح أجندة الحزب. (التغييرات المتلاحقة التي يدخلها اردوغان على القضاء بتحويله من حصن للنخبة العلمانية العسكرية إلى جزء محوري في حملته ضد الجيش لا يمكن إلا أن تكون موضع حسد من رئيس مصر الإسلامي الجديد محمد مرسي الذي لا يزال القضاء لديه على ولائه للقوات المسلحة ذات النفوذ السياسي الكبير). والأكثر جذرية من كل ذلك أن زعماء حزب العدالة والتنمية يضعون الآن مسودة دستور جديد قد يحول تركيا ـ في حالة تبنيه ـ من نظامها البرلماني إلى جمهورية رئاسية قوية، وسيكون ذلك في عام 2014، أي في الوقت الذي يخطط فيه اردوعغان للانتقال إلى كرسي الرئاسة حيث يمكنه أن يقضي عقدا آخر في الحكم.
من المؤكد أن أشد الجوانب إثارة للجدل في زعامة اردوغان هي جوانب لا علاقة لها بالدين. فناشطو حقوق الإنسان أكثر انشغالا بما يسمونه بالنمط الاستبدادي في القيادة وباستخدامه الشرطة والقضاء في قمع منتقديه. لقد أعلنت الحكومة في يوليو عن قيامها بالتخلص من نظام المحاكم الخاصة الذي شبع انتقادا والذي كانت تحال إليه قضايا "التآمر" والجرائم "المتعلقة بالإرهاب". ولكن عشرات الصحفيين والطلبة والباحثين محبوسون بالفعل في السجون، وكثير منهم هنالك لمجرد الكتابة عن القضية الكردية أو لانتقادهم ارتباط الحكومة بحركة كولن Gulen  الدينية القوية. إلغاء هذا المحاكم لم يبد للمنتقدين إلا إجراء تجميليا، فالمحاكم الأخرى قد تقوم بمثل ما كانت تقوم به. وفي حوار أجرته مؤخرا كرستيان أمانبور مع أردوغان، جادل رئيس الوزراء التركي في عدد الصحفيين السجناء فقال إن "هناك ثمانين شخصا في السجن الآن. تسعة منهم فقط هم حاملو البطاقات الصحفية الصفراء". لكنه قال أيضا إن "الإهانة شيء والنقد شيء آخر. وأنا لن أصبر على الإهانة".
في الوقت نفسه، تحولت الحكومة التركية من حليف للناتو ـ قليل النشاط وإن يكن من الممكن الاعتماد عليه ـ إلى زعيم بارز للشرق الأوسط. فقد استطاعت تركيا قبل ثورات العام الماضي أن تحقق قدرا كبيرا من استراتيجية "القضاء على المشكلات zero problems " مع جميع القوى المجاورة، وهي استراتيجية تضمنت تعزيز الروابط الاقتصادية مع سوريا الأسد وإيران أحمدي نجاد، وعلاقات معقولة مع إسرائيل فيما قبل واقعة أسطول الحرية. والآن جددت أنقرة علاقاتها مع حماس في الوقت الذي تدعم فيه بشدة الثورة السورية ذات القيادة السنية وتسمح أن تكون ملجأ لرئيس الوزراء العراقي الهارب طارق الهاشمي وهو الزعيم السني الذي حكم عليه الأسبوع الماضي بالإعدام بتهمة ترتيب عمليات قتل طائفي. وفي ظل وجود حكومات سنية في أغلب دول الشرق الأوسط، وفي ظل تنامي الاقتصاد التركي بدفع من العلاقات التجارية المتنامية مع دول الخليج، يبدو أن اردوغان وجد من الملائم أن يقرِّب تركيا من أراضي الخلافة القديمة، بغض النظر عن العواقب الدبلوماسية.
ذلك كله أيضا واضح للعيان في شوارع اسطنبول، ففي رحاب مناطق الجذب في المدينة القديمة، خف الإحساس بكثافة السائحين الأوربيين هذا الصيف بسبب جماعات من الزوار القادمين من الجزيرة العربية مصطحبين نساء مسربلات في الغالب بالأزياء السوداء. واقع الأمر أن هناك زيادة رهيبة تصل إلى 71% في أعداد الزوار العرب إلى تركيا خلال الأشهر الستة الأولى من 2012، بل إن النسبة ترتفع أكثر من ذلك في حالات بعض الدول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر. وقد سألت كثيرا من الأصدقاء الأتراك عن الأمر فقالوا لي إن العرب حلوا محل الإسرائيليين الذين كانوا ـ فيما قبل واقعة أسطول الحرية ـ يزورون تركيا بأعداد ضخمة. ويرجع بعض جاذبية تركيا ـ علاوة على الأكل الحلال والمسلسلات التليفزيونية التركية ومراكز التسوق الجديدة الكثيرة  ـ إلى أن البلد يخضع حاليا لزعيم مسلم ذي شعبية كبيرة في العالم العربي. كما أن قانونا جديدا في تركيا صار يتيح لحاملي الجنسيات الأجنبية أن يستثمروا في العقارات، وهي خطوة بدا أنها تستهدف المستثمرين العرب بالدرجة الأساسية.
ولقد قالت إحدى المقيمات منذ فترة طويلة في اسطنبول إن اهتمام الحكومة البالغ بالمراكز التجارية ومشاريع البنية الأساسية القادرة على "منافسة مكة" وإن السياسات الجديدة المحابية للعرب تزامنت مع حركة تنمية مدنية على الطراز الخليجي. فمشروع مسجد كامليجا الجديد والضخم ـ والممول فيما يبدو من رجال أعمال من أنصار حزب التنمية والعدالة ـ بعيد كل البعد عن مشروع اردوغان البنائي الطموح. فلقد قام اردوغان خلال الشهور القليلة المنصرمة بتجديد حملته إلى إنشاء بوسفور جديد، أو قناة شحن تمتد بطول ثلاثين ميلا إلى البحر الأسود، ومشروع بذلك الحجم الهائل سوف يتفوق ـ فيما يقول ـ على قناتي السويس وبنما. كما أن الحكومة أعلنت في هذا الربيع عن خططها لردم مساحة من بحر مرمرة تصل إلى 2.8 ميل مربع بمحاذاة اسطنبول ـ بهدف إتاحة مساحة عامة تتسع لثمانماءة ألف شخص ـ وهي خطة وصفها أحد الكتاب بأنها تنم عن "رغبة في دعم نهر السين أو تحويل الكولوسيوم إلى استاد لكرة القدم".
ولكن بعيدا عن حجم هذه المشاريع الكبرى أو مضمونها الديني الظاهر، كان ما أغضب منتقدي هذه المشاريع من الأتراك هو المظهر الذي سوف تبدو عليه. ففي يوليو الماضي، وربما بدافع من الحرج من الجدال الدائر حول مشروع كامليجا، نشر الاتحاد الإسلامي المشرف على إنشاء المسجد إعلانات في الصحافة التركية عن مسابقة لتصميم المسجد. ولكن المنافسة المتسرعة فيما يبدو قللت من إمكانية الخروج بشيء مثير أو استثنائي من هذا المشروع: فقد اقتصرت المنافسة على المعماريين الأتراك، وكانت مدة تقديم المشاريع محصورة بشهر واحد، واشترط على المتسابقين الالتزام بالنسب الهائلة المحددة للبناء. (وكان ينبغي الإعلان عن التصميم الفائز في مطلع هذا الشهر ولكن تم تأجيل ذلك)
المفارقة الأكبر أن أردوغان عندما دعا إلى إقامة مسجد كبير وضخم على غرار مساجد سنان، غفل عن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من أعمال المعماري العثماني. فالمعماري برونو تاوت ـ وهو معماري ألماني هاجر إلى تركيا هربا من النازية ـ يذهب إلى أن سنان نفسه كان نزاعا إلى الجديد وأن مقدرته على خلق الجمال الاستثنائي تشترك في سمات كثيرة مع الاتجاهات الهندسية الحديثة التي عرفتها ألمانيا في القرن العشرين أكثر مما تشترك مع العمارة الإسلامية القديمة. وسنان كان يعزف عن محاكاة التصميمات التي ابتكرها أسلافه، باحثا طول الوقت عن طرق أحدث وأدق ليتفوق من خلالها على أولئك الأسلاف. كان سنان ينشد أن يكون أكثر جمالا من أسلافه البيزنطيين والعثمانيين، في حين يكتفي اردوغان فيما يبدو بالرغبة في أن يكون أكثر ارتفاعا.

نشرت هذه المادة أصلا في ذي نيويور رفيو أوف بوكس بتاريخ 17 سبتمبر 2012 
ونشرت الترجمة في جريدة عمان بتاريخ  22 سبتمبر 2012