رجاء

جميع المواد المنشورة هنا هي من ترجمة صاحب هذه المدونة "أحمد شافعي". يرجى الإشارة إلى ذلك بوضوح عند إعادة نشرها، أو نشر مقتطفات منها.

الأحد، 17 فبراير، 2008

عن لؤلؤة تبقى ضائعة


في الثاني من أغسطس لعام 2007 أعلنت مكتبة الكونجرس الأمريكية عن تعيين تشارلز سيميك مستشارا شعريا لها ومن ثم أميرا لشعراء الولايات المتحدة، وفي اليوم نفسه أعلنت أكاديمية الشعراء الأمريكيين عن منحه جائزة والاس ستيفنس التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار تعطى لشاعر أمريكي عن مجمل أعماله. كان يوما لافتا بكل تأكيد في حياة الرجل.
ولد سيميك في التاسع من يوليو من عام 1938 في بلجراد بيوغوسلافيا. عاش طفولته الأولى في خضم الحرب العالمية الثانية التي شهدت مدينته نصيبا وافرا من ويلاتها. هاجر والده إلى الولايات المتحدة ثم تبعه تشارلز وبقية الأسرة في عام 1954. وبعد عام قضته الأسرة في نيويورك، انتقلت إلى شيكاغو حيث أكمل تشارلز دراسته الثانوية ـ في مدرسة أوك بارك التي تخرج فيها من قبل إرنست هيمنجواي ـ ثم بدأ العمل ساعيا فمدققا لغويا في صحيفة شيكاغو صن تايمز، وفي تلك الفترة بدأ كتابة الشعر:
"كنت أنفق الليل في الكتابة، وأذهب إلى العمل بين النوم والصحو، ثم أجرجر نفسي بعد ذلك للانتظام في المدارس المسائية".
نشر أول قصيدة له في عدد شتاء 1959 من "شيكاغو ريفيو". التحق بالجيش في عام 1961 وخدم في كل من ألمانيا وفرنسا. تزوج في عام 1964 من مصممة أزياء تدعى "هيلين دوبين". وفي عام 1967 أتم دراسته الجامعية في جامعة نيويورك، وبعد عام من ذلك صدر ديوانه الأول "ما تقول العشبة" الذي كتب له "وليم ماثيوز" عرضا نقديا قال فيه "لقد وجدت ما تقول العشبة مثيرا... وإنني أتوق إلى قراءة المزيد للشاعر". وفي عام 1969 صدر ديوانه الثاني "في مكان ما بيننا يدوِّن الحجر ملاحظات" والذي استهلت ديان واكوسكي عرضها النقدي له بهذه الكلمات: "لم أستطع بعد أن أحدد ما إذا كان تشارلز سيميك أعظم الشعراء السرياليين الأحياء في أمريكا، أم كاتبا للأطفال، أم كاتبا دينيا، أم مغفلا". كان سيميك آنذاك في الحادية والثلاثين من عمره، وفي بقية مقالها بدت واكوسكي ميالة إلى اعتباره أعظم شعراء أمريكا السرياليين.
بعد عام من صدور الديوان تلقى سيميك عرضا للتدريس في جامعة ولاية كاليفورنيا التي ظل يعمل فيها حتى عام 1973 حينما انتقل للعمل أستاذا مساعدا بجامعة نيو هامشر، والتي لا يزال يعمل فيها حتى اليوم. ومنذ عام 1973 أصدر سيميك أكثر من ستين كتابا بين الشعر والنثر والترجمة. حصل عن بعضها على الكثير من الجوائز الأدبية. كما ترجمت العديد منها إلى العديد من لغات العالم.
منذ أسابيع، أصدر تشارلز سيميك ديوانا جديدا عنوانه "ستون قصيدة"، وبهذه المناسبة استضافته ديبورا سولومون في عمودها الحواري الأسبوعي في مجلة نيويورك تايمز الذي سبق لها أن استضافت فيه أكبر وأهم الكتاب الأمريكيين والعالميين. في هذا الأسبوع نقدم هذا الحوار احتفاء بشاعر مهم لا تكاد اللغة الرعبية تعرفه إلا لماما.


عن لؤلؤة تبقى ضائعة


حاورته ديبورا سولومون


ـ بوصفك أميرا للشعراء في الولايات المتحدة، ما الذي تفعله من أجل زيادة اهتمام الجمهور بالشعر في زمن يصر فيه حراس الثقافة على أن القراءة في طريقها إلى الخروج من المشهد؟
ـ الشعر ليس بحاجة إلى الترويج. فوضعه جيد في هذا البلد. لقد شاركت في أمسية شعرية قبل أيام في كونرود بنيوهامشر، شارك فيها أميران سابقان للشعراء الأمريكيين هما دونالد هول وماكسين كومن، وحضرها سبعمائة وأربعون من الجمهور. وهذا جمع غفير.
ـ شعرك واضح سهل الوصول وذلك غير معتاد، وليس أدل على ذلك من عنوان كتابك الأخير "60 قصيدة"
ـ وأيضا ديواني الذي سيليه في غضون أسابيع قليلة، سيكون عنوانه "ذلك الشيء الصغير"
ـ أليس عنوانا مغاليا في البساطة؟
ـ لا. هو عنوان إحدى قصائد الديوان. وهي قصيدة غريبة مستلهمة من واقعة حقيقية. ففي سبعينيات القرن الماضي، أوقفتني امرأة في الشارع السابع، كانت في الخمسينيات، وكان يوما من أيام الصيف الحارة، وسألتني بعينين دامعتين أن أبحث مها عن لؤلؤة ضاعت منها. ومن ذلك الموقف كانت القصيدة.
ـ أخمن أنك لم تجد اللؤلؤة قط؟
ـ لم أجدها. أتمزحين معي؟ طبعا لم أجدها وإن كنت لا أزال أبحث عنها في جميع شوارع نيويورك.
ـ بوصفك أساسا مهاجرا يوغوسلافي المولد، عاش قصف بلجراد أثناء الحرب العالمية الثانية وشعره مديني الروح، ما الذي يجعلك تعيش في شبه عزلة على شاطئ بحيرة في نيوهامشر؟
ـ حدث ذلك بالصدفة. انتقلت إلى هناك عندما عينت مدرسا في جامعة نيوهامشر عام 1973. بطبعي، لست مفتونا بالطبيعة وإن كنت أعيش في أحضانها. لا تجدين بين قصائدي قصيدة تتغنى بالطبيعة فتجعل مشرق الشمس نموذجا للكمال، أو تسلق الجبال، أو حتى الوجود في الهواء الطلق.
ـ لا توجد مثل هذه القصائد، فأنت تفضل الركون إلى الماضي الملطخ بالدم. كأن تستهل إحدى قصائدك بقولك إن "ذبح الأبرياء لا يتوقف قط"، وإن كان شعرك يقدم نوعا من السلوى أيضا من خلال صوره الحميمية، مثل أمك "في ثوب الاستحمام الأحمر"، أو جدتك "إذ تكوي الثياب" أو العاشق إذ "يقلب الروبيان على الموقد".
ـ يمكننا أن نسميه شعر "الوليمة في زمان الوباء". أنا دائما أشعر وكأنني جالس هنا مع أصدقائي نتناول وجبة شهية، بينما في موضع آخر، غير بعيد عنا كثيرا، يقع أمر ما مفزع.
ـ في أي مزاج تستيقظ في أغلب أيامك؟
ـ مفعما بالحيوية. أستيقظ في الخامسة صباحا، أفتح الكمبيوتر، وأبدأ بقراءة الصحف، وفي غضون نصف ساعة، أكون ممتلئا بالطاقة والغضب وجاهزا لبدء يومي.
ـ هل قرأت عن الاتهامات الموجهة لصبية المدرسة الثانوية في ميدلبيري الذين ذهبوا مخمورين فخربوا منزل روبرت فروست [أحد أهم الأسماء في تاريخ الشعر الأمريكي]؟
ـ كان أمرا مريعا.
ـ نعم، فالأولاد متهمون بإحراق أثاث منزله للاستدفاء، والتقيؤ على أرضية غرفة المعيشة في البيت. هل ترى في هذه الواقعة رمزا لحال الثقافة الأمريكية اليوم؟
ـ لا. في أيام فروست أيضا كانت تحدث أشياء بشعة في الريف. كانت القرى النائية تشهد أعمالا بالغة الفظاعة. هناك قصيدة عن عمود فقري في مخزن إحدى الدور. لم يكن إلا بقايا عشيق سابق لسيدة الدار.
ـ هل ذهبت للإدلاء بصوتك في الانتخابات المؤهلة للترشيحات الرئاسية؟
ـ نعم وصوت لصالح جون إدواردس [ديمقراطي]. أعجبني كثيرا ما قاله، خاصة عن الجشع وكيف أنه سوف يهلكنا، الجشع الأناني الغبي. لقد بددنا ثروة هذا البلد ونسينا فكرة الصالح العام. والآن أعرف أنه لم تعد هناك فرصة أمام جون إدواردس.
ـ هل لاحظت كل هذه الكتب التي تصدر عن "السعادة"؟
ـ إنها صناعة. وصناعة مفزعة. هل الناس بحاجة إلى قراءة كتاب ليتعلموا منه كيف يصبحون سعداء؟ إنها صناعة أمريكية بحتة. هل يمكنك أن تتخيلي أهل نابلوي جالسين في الحافلة أو المطعم وهم يقرأون كتابا عن السعادة؟
ـ بماذا تنصح الباحثين عن السعادة؟
ـ بداية، عليهم أن يتعلموا الطبخ.
عن نيويورك مجازين
كيف أصبح الجهاد مهنة من لا مهنة له

عن الإيكونوميست

الإرهابيون بشر مثلكم ومثلي، أو هذا على الأقل ما يقول به مارك سيجمن. لعل من المريح أن نظن الإرهابيين مجرد حفنة من الشباب المختل نفسيا أو المهووس جنسيا ممن تلقفتهم المدارس الإسلامية فخربت أدمغتهم. ولكن سيجمن ـ وهو كبير زملاء معهد بحوث السياسة الخارجية في فيلادافيا ـ يقوض هذه الخرافات وما شاكلها من خلال سرده المزعج لتطور القاعدة من تنظيم يرأسه أسامة بن لادن إلى حركة جهادية لا مركزية.
سيجمن من أشد المناصرين لما يسمى بنظرية "الأخوة" في تفسير الإرهاب. فقد تساءل الرجل لوقت طويل عما يجعل شبابا متعلمين جيدا، ومنتمين إلى الطبقة الوسطى، وذوي خلفية ثقافية علمانية في الغالب، وذوي زوجات وأطفال، ما الذي يجعل منهم في النهاية تفجيريين انتحاريين؟ وانتهى سيجمن إلى أن التحول إلى الراديكالية يمثل عملية جماعية لا فردية، وهي عملية تمثل القرابة والصداقة فيها مكونات أساسية.
تتكون هذه العملية ـ أي عملية التحول إلى الراديكالية ـ من أربع خطوات. تتمثل الخطوة الأولى في شرارة البداية، وتكون غضبا أخلاقيا، غالبا ما يتعلق بواقعة حدثت للمسلمين في العراق أو فلسطين أو الشيشان أو سواها. في الخطوة الثانية يصبح هذا الغضب جزءا من سياق أكبر يسميه سيجمن بـ "المسرحية الأخلاقية" وفيها يُرى الإسلام والغرب متحاربين. في الخطوة الثالثة ينصهر العالمي والمحلي فتصير مظاهر الظلم الجيوسياسي والخبرات الشخصية مثل التمييز أو البطالة شيئا واحدا. وأخيرا ينضم الفرد إلى خلية إرهابية تصبح بالنسبة له أسرة بديلة تترعرع فيها الرؤية الجهادية للعالم وتجهز الوافد الجديد للشهادة. وإذا كان كثير من المسلمين يمرون بالخطوات الثلاث الأولى، فإن نفرا قليلا منهم هم الذين يخطون الرابعة.
تتوفر لسيجمن مؤهلات غير عادية، فهو ضابط سابق بالمخابرات المركزية الأمريكية، وهو طبيب نفسي، واستشاري في شئون مقاومة الإرهاب. وقد أصدر النسخة الأولى من نظريته قبل ثلاثة أعوام في كتاب مهم بعنوان "فهم الشبكات الإرهابية"، ولا يزال إلى الآن يرمي إلى وضع دراسته لهذا النوع الجديد من الإرهاب على أسس علمية راسخة. ولكن القاعدة ازدادت تعقيدا فازدادت مهمة تحليلها صعوبة بالتبعية.
في كتابه الجديد، اتسع عينة الميليشيات التي يدرسها سيجمن من 172 إلى خمسمائة. وفيه، يولي أهمية أكبر لأوربا التي أصبحت ـ بعد تفجيرات مدريد ولندن وبعض آخر من أعمال الشغب ـ جبهة جديدة، وفي الكتاب فصل كامل مخصص للإنترنت. ويذهب سيجمن إلى أن أغلب التفجيريين الانتحاريين اليوم منقطعو الصلة بالقاعدة الأصلية (التي يخلع عليها لقب "القاعدة المركزية")، ولكنهم جزء من ظاهرة لامركزية أكثر اتساعا يسميها "حركة القاعدة الاجتماعية". ويشكك سيجمن فيما تردد كثيرا على مدار العام الماضي عن انبعاث جديد لـ "القاعدة المركزية" ويقلل من أهميته. وفي المقابل، يرى أن ما ينبغي له أن يثير قلقنا هو ظهور الجهاديين المستقلين الذين يشعرون بالغضب بسبب حرب العراق والذين يتجمعون من خلال الإنترنت.
وشأن كثيرين، يرى سيجمن أن حرب العراق قد أسبغت الشرعية على فكرة أن الغرب الجشع في صراع مع الإسلام. وما لم يتحقق النجاح في دحض هذه الفكرة، فلن تجد أمريكا نفسها في مواجهة مجرد حفنة من الإرهابيين، بل في مواجهة قسم كبير من العالم الإسلامي، وهذا ما سيزيد الصراع توترا، وطولا، ويصل به إلى نتائج كارثية. ويميل الكاتب إلى أن شن حملة ذهنية عاطفية موفقة هو الذي سيشد من أزر المعتدلين ويسلب الجهاديين أمجادهم، وفي النهاية "تنتهي صلاحية الجهاد اللامركزي، ويقضي نحبه مسموما برسالته الملوثة". ويا له من استنتاج متفائل، يصعب القبول به في ضوء كل ما جرى وما يجري.
ثمة أرضية مشتركة كبيرة بين سيجمن ودانيال بايمن ـ وهو خبير في شئون مقاومة الإرهاب في جامعة جورج تاون ومعهد بروكنجز وسبق له أن عمل ضمن اللجنة الوطنية للهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة (والمعروفة بلجنة 11/9). فبايمن أيضا يلوم إدارة بوش لغياب استراتيجية منسجمة لديها، ولإقصائها غير الضروري لحلفائها، ولفشلها في استمالة قلوب المسلمين وعقولهم، ولسقوطها المريع في العراق. ويعتقد كلا الكاتبين أن على الأمريكيين فيما يتعلق بحرب الأفكار أن يركزوا على القسوة الجهادية بدلا من محاولة تلويث صورتهم ـ أي صورة الأمريكيين. ويعتبر كلاهما أن أوربا باتت ميدان المعركة الرئيسي، ويشكان كثيرا في إمكانية أن تكون الدمقرطة أداة لمقاومة الإرهاب، بل إن سيجمن يستبعد تماما أن يكون فيها أي نفع.
يذهب بايمن إلى وجوب أن تعمل أمريكا على تحسين أدائها على خمس جبهات: الجيش، حرب الأفكار، الاستخبارات، الدفاع الوطني، والإصلاح الديمقراطي وإن يكن بطريقة مختلفة قليلا. وإذا كان الكثير من السياسات التي يطرحها سيجمن يبدو منطقيا، إلا أن كثيرين سوف يرفضون مناصرته للقتل المستهدف على الطريقة الإسرائيلية. غير أنه في حين نجد سيجمن واضح التعبير، نجد بايمن في الأغلب مترددا وبعيدا عن التركيز، ومفتقرا إلى طريقة رزينة في عرض أفكاره.
نادرا ما يكون خبراء مقاومة الإرهاب مدركين لتعقيدات الإسلام الحديث. ولذلك فعلى كل من يريد دليلا جيدا إلى راهن الإسلام السياسي ـ الذي لا تمثل القاعدة إلا طيفا من أطيافه ـ أن يقصد باحثا أمريكيا شابا هو بيتر ماندفيل الأستاذ المساعد بجامعة جورج ميسون والذي أصدر كتابا بعنوان "الإسلام السياسي العالمي". ويمثل كتابه ذلك سردا محكم المعلومات لأصول الإسلام واستراتيجيات الأسلمة ونشأة الهامش الراديكالي والتنافس على السلطة بين النخب الإسلامية وتأثير العولمة على السياسات الإسلامية. هو كتاب يشكل دراسة حقيقية تتجاوز الأفق الضيق المؤقت الذي لا تظهر فيه سوى القاعدة. وبما أننا اليوم مشغولون للغاية بالجهاد العالمي، فسيكون كتاب بيتر ماندفيل هذا رفيقا جيدا ونحن نقرأ كتاب سيجمن أو كتاب بايمن.

قيلولة العلم الإسلامي

قيلولة العلم الإسلامي
هل حقا توقف التقدم العلمي في العالم الإسلامي عند القرن الثاني عشر؟


روبرت إرون


هل هناك مشكلة بالفعل؟ لو أن أصدرنا حكمنا بناء على ما نشره ملحق التايمز الأدبي في يناير وفبراير من عام 2007، لقلنا إن هناك مشكلة بالفعل. ففي مقال نشر في التاسع عشر من يناير حول كتاب "وهم الرب" لريتشارد داوكنز، كتب عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل ستيفن واينبرج منكرا حدوث أي تطور علمي في العالم الإسلامي بعد وفاة العالم والصوفي [أبي حامد] الغزالي عام 1111. وردا عليه، كتب أستاذ تاريخ العلوم جيمس راجب مقدما بصورة أقرب إلى العمومية جميع أوجه التطور التي شهدها العلم في العالم الإسلامي بعد وفاة الغزالي. ثم رد واينبرج، منكرا أو مقللا من شأن بعض الأمثلة التي ضربها راجب مثل الدورة الدموية في الرئة، أو التصور ما قبل الكوبرنيكي للنظام الشمسي وكلاهما مثالان على الجهود الإسلامية. وفي معرض تأكيده على أن العلم في العالم الإسلامي لم يحقق شيئا يذكر فيما بعد القرن الثاني عشر، انتهى واينبرج بنقل مقتطف من دراسة مسحية ترجع إلى عام 2002 قامت بها مجلة نيتشر التي "حددت ثلاثة مجالات علمية تبرع فيها الدول الإسلامية: تحلية المياه، الصيد بالصقور، تناسل الإبل".
من الواضح أن الأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من مجرد التأريخ لتقدم العلم. إذ أن هناك مفكرين أوربيين منذ القرن التاسع عشر ـ مثل إرنست رينان ـ يرون أن هناك من الساس تعارضا بين النظرة العلمية والإسلام، وأن انفجارة الترجمة والمكتشفات العلمية قامت على أيدي غير العرب، بينما عمد الإسلام ـ مع تنامي صرامته وتصلبه ـ إلى الحد من التفكير العلمي والتأملي. ومنذ القرن التاسع عشر يتساءل المؤرخون عن السبب الذي منع التطور العلمي في الأراضي الإسلامية بين القرنين الثامن والحادي عشر من إفراز تطور صناعي أو علمي. وقد يروق لبعض المسلمين أن يبحثوا لدى هؤلاء المؤرخين عن أجندة معادية للإسلام. ولكن الثورة الصناعية ـ في نهاية الأمر ـ لم تحدث في أي مكان بالعالم إلا أوربا، ومن ثم فقد يحتاج المرء إلى توضيح خصوصية ما في التاريخ الأوربي، بدلا من البحث عن الكابح للعالم الإسلامي. وقد أصدر مظفر إقبال ـ وهو عالم شهير وباحث إسلامي مقيم في كندا ـ كتابا عن العلم والإسلام يتناول العصور الوسطى دون أن تكون له علاقة بتربية الإبل أو الصيد بالصقور. وهو في كتابه هذا يتعامل مع الأفكار الخاطئة والبالية المتعلقة بتاريخ العلم بصورة لا خلاف على عنفها وسخريتها اللاذعة. والكتاب أقرب إلى الحوارية منه إلى التاريخ ومن ثم فهو يشجع على الحوار. ومن بين الأهداف التي يرمي إليها الكتاب تأكيد فكرة أن العلم الإسلامي كان أكثر قليلا من مجرد نسخة من العلم الإغريقي القديم، يقول إقبال إن "كثيرا من مؤرخي العلم يميلون إلى اعتبار القرون الثمانية من النشاط العلمي في العالم الإسلامي مجرد (جراج) استراح فيه العلم الإغريقي، ثم انطلق منه إلى حيث استردته أوربا فيما تلا ذلك من قرون".
يبين الكاتب أن الحركة العلمية العربية في القرن الثامن كانت أسبق من حركة الترجمة التي شهدها القرنان التاسع والعاشر. ويلفت النظر إلى نشوء نوع جديد من الأدبيات يسمى "الشكوك" ويعنى بالتشكيك فيما انتهى إليه الإغريق، ولا يصعب على الكاتب قط أن يورد حالات ونماذج لعلماء مسلمين طوروا أو فندوا أو اختبروا أفكارا إغريقية. وعلى جودة المصادر التي يعتمد عليها إثباتا لوجود تلك التطورات العلمية الإسلامية المبكرة، إلا أن الحكمة تخون إقبال حينما يعتمد على كتابات جابر ابن حيان(721 تقريبا ـ 815).
فالذين لا يعرفون عن جابر إلا اسمه كعالم قديم، قد لا يكونون على معرفة بالكنوز الغريبة الوفيرة التي توجد في كتاباته المتنوعة والمدهشة: المني مكون أساسي في إكسير الحياة، مني الطائر لازم لإنتاج إنسان مجنح، صورة الخزاف في الفراش تمنع النوم طول الليل، صورة شخص يقتل الثعابين إذا رسمت بحبر سحري فإنها تقتل الثعابين فعلا، هناك سمكة اسمها "طبيبة البحر" في رأسها حجر بوسعه أن يشفي جميع الأمراض، الشعر يتعفن فيصير أفاعي، يمكن حبس الأرواح الشريرة في التماثيل. في كتاب تذكاري عن جابر ابن حيان بعنوان تاريخ الإسهام الفكري العلمي للإسلام" قام باول كراوس (1904 ـ 1944) ـ وهو عبقري انتحر مبكرا ـ بدراسة مسحية لكتابات جابر ابن حيان التي شملت الجنس، والكيمياء، وفن الحرب، وصناعة الطلاسم، والتقنيات الفنية، والمناظرات الدينية، والنحو، والموسيقى، والأحبار السرية، والجيل الصناعي من البشر وغيرها كثير. وقد بين كراوس أن هذه الكتابات ليست نتاج يد واحدة. والأهم أن كثيرا من الرسائل المؤرخة في أواخر القرن التاسع وأوائل لقرن العاشر تحتوي دعاية شيعية متطرفة. وإقبال يعلم بأمر النتائج التي توصل إليها كراوس، لكنه يرفض بغرابة أن يناقشها، ويواصل معاملة جابر باعتباره شخصا حقيقيا عاش على هذه الأرض وكتب عدة مئات من الرسائل المتنوعة. وإقبال بصورة عامة، يتجاهل تغلغل التفكير السحري في العلم الإسلامي. وعندما يكتب عن الفلك، فإنه يشير عرضا إلى أدبيات "عجائب المخلوقات"، في حين أن الرسائل التي رجعت إليها بنفسي بعيدة كل البعد عن العلم، وتشترك في كثير من السمات مع خرافات "صدق أو لا تصدق".
ولكن إقبال ينجح بقوة حينما يذهب إلى أن "القرآن نفسه يضع تصورا محددا وشاملا للعالم الطبيعي، وأن ذلك قام بدور تأسيسي في إقامة التقاليد العلمية في الحضارة الإسلامية". فالإيمان كان دافعا للعلماء المسلمين لا عائقا. والقرآن يأمر الإنسان بدراسة خلق الله. وقد كتب عالم الفلك الذي عاش في القرن الحادي عشر [أبو الريحان] البيروني: "جُعل البصر آلة للإنسان يتتبع بها في المخلوقات العلامات والحكمة، فينتقل من المخلوقات إلى الخالق". وعلى مستوى أكثر عملية، كان ثمة اهتمام بعلمي الفلك والرياضيات، وتطوير لهما، وإسهام منهما في بناء المساجد وتوجيهها نحو القبلة، وتحديد مواقيت الصلوات وتوزيع المواريث وفقا للقانون الإسلامي.
من الغريب أن يقع الاختيار على حياة الغزالي وكتاباته لتكون علامة فارقة في تاريخ العلم الإسلامي. غير أن المستشرق المجري المهم إجناز جولدتسيهر يقول في مقال نشره عام 1915 إنه كان ثمة عداء مستحكم منذ البداية بين العلوم القديمة والإسلام المتزمت. فقد كانت المؤسسة الدينية المحافظة تتعامل بشك مع الذين يدرسون تلك العلوم، ويقول جولدتسيهر إن "تهافت الفلسفة" للغزالي لقي قبولا لدى المجتمع الإسلامي بوصفه دحضا لمقدرة العلم. وبعد الغزالي، عم الظلام الفكري العالم الإسلامي.
ومع أن إقبال يسيء تقديم جولدتسيهر حين يعتبره معاديا للإسلام، إلا أنه ـ أي إقبال ـ يصيب حين يذهب إلى أن "تهافت الفلسفة" لم يكن في الحقيقة هجوما على العلم كما زعم جولدتسيهر. فالغزالي في اقع الأمر كان واضحا في قبوله بالرياضيات والطب، وما عني بدحضه وتفنيده فلسفيا لم يكن إلا مبدأ السببية الذي اعتنقه ابن سينا وفلاسفة آخرون. فالله ـ عند الغزالي ـ هو السبب الحقيقي لكل ما يحدث. ومبدأ السببية الذي اعتنقه الفلاسفة ممن انتقدهم الغزالي لم يكن إلا فكرة توصل إليها بعض الناس بناء على ما رأوه ولاحظوه. ومهما يكن ظن المرء في رأي الغزالي في السببية (التي أتاحت المجال أمام حدوث معجزات) فإن من الصعب علينا أن نتخيل المجتمع العلمي في القرن الثاني عشر وقد أصابه الشلل بمجرد أن ظهر التهافت.
والأهم من ذلك، أن ثمة تطورات علمية مهمة قد حدثت فيما بعد القرن الثاني عشر. فهناك ـ على سبيل المثال ـ ابن الشاطر (توفي 1357) الذي قام بتحسين النموذج البطلمي للنظام الشمسي بحذفه لما فيه من غرائب، ونموذجه لتعاقب الشمس الذي سبق فيه كوبرنيكس. وهناك أيضا [غياث الدين بن مسعود بن محمد] الكاشي (المتوفى 1429) والذي ابتكر العديد من الأدوات الفلكية وبالإضافة إلى ذلك توصل إلى أول نظام للكسور العشرية وكذلك إلى طريقة للتوصل إلى الجذر الأقصى للعدد. ومع أن جانبا كبيرا من المؤسسة الدينية كان معاديا للكيمياء، بسبب التوافه المخادعة التي كان يكتبها الكيميائيون، إلا أن ذلك الموقف لم يكن سيئا (فكثير من العلماء والأطباء والفلاسفة انضموا إلى المؤسسة الدينية في رفضها لتلك الممارسات). أما فيما عدا ذلك من مجالات، فلم يكن ثمة صراع بين الإسلام والعلم في الحقبة ما قبل الحديثة، كما يبين لنا إقبال.
وتبقى مشكلات. لماذا يوجد انهيار علمي واضح فيما بعد القرن الخامس عشر، ولماذا لم يشهد العالم الإسلامي ثورات علمية وصناعية؟ وبرغم أن إقبال يتميز بالوضوح والقدرة على الإقناع في رأيه بأن الإسلام لا يمكن أن يلام على ذلك، إلا أنه لا يقدم أية إجابات، ويتبنى الرأي العقلاني القائل بأن المجال لا يزال بحاجة إلى الكثير من البحث، بحيث لا يمكن الآن تقديم أي نوع من الإجابات، ولو حتى الإجابات المؤقتة. وبالطبع لا تزال هناك حاجة إلى عقود من البحث. وبالطبع أيضا، هناك الكثير من قراء ملحق التايمز الأدبي ممن لا يطيقون صبرا إلى حين يظهر نتاج ذلك البحث. ولذلك أتصور أن انتشار المدارس ـ أي مؤسسات التعليم الديني ـ في عموم الشرق الأوسط في أواسط وأواخر العصور الوسطى قد أدى إلى نوع من تضييق الآفاق الفكرية. ففي حين واصل العلماء البحث والنشر، إلا أنهم لم يؤسسوا أوساطا علمية كالتي انتشرت في أوربا الغربية في القرن السابع عشر. كما أن الشرق الأوسط فقير إلى الموارد اللازمة لنشوء ثورة صناعية، إذ ينقصه الحديد والنحاس والخشب، بين موارد أخرى كثيرة، كالأنهار التي يمكن أن تستخدم لأغراض تصنيعية. يضاف إلى ذلك الرضا الذاتي الذي خدر العثمانيين والصفويين والمغول وأصاب امبراطورياتهم جميعا بالشلل (وهو نوع من الرضا عن الذات نجد شبيها له لدى الأسبان والبرتغاليين في الحقبة نفسها). والحقيقة أنه كان ثمة ما يدعو إلى الرضا عن الذات كما يبين لنا إقبال "ففي مطلع القرن الثامن عشر كان الشرق الأوسط كله، وشطر كبير من أفريقيا، والحزام الأوسط في آسيا وجزر المالاي، كانت خاضعة لسيطرة المسلمين". وهو الوضع الذي سرعان ما تغير بضراوة.
ويصل إقبال إلى ذروة الحدة حينما يتكلم عن العلاقة بين الإسلام والعلم في القرنين المنصرمين. حيث يقدم سردا فاتنا لنشوء نوع من التفسير المتخصص في بيان أن القرآن قد سبق علم الأجنة الحديثة ونظرية تمدد الكون. حتى لقد ذهب الباحث التركي سعيد نورسي (1877 ـ 1960) إلى أن في القرآن إشارات إلى السكك الحديدية والكهرباء.
يصف إقبال لقاء العالم الإسلامي بالعلم الغربي بدءا من عام 1950 باعتباره "صحوة من قيلولة قروسطية". ويرى أن الدول الإسلامية الحديثة تنتج "صورا كاريكاتيرية للعلم الغربي" ملاحظا ـ وإن يكن بقدر طفيف من المبالغة ـ أن "جميع الدول الإسلامية تقريبا فيها وزارات للعلم والتكنولوجيا لا تكف عن إصدار بيانات المطالبة باستجلاب العلم الحديث، في حين لا تقوم أي من هذه الدول البالغ عددها سبعا وخمسين دولة بإنتاج أي علم يستحق اسم العلم، وأن معظم العلماء المسلمين الأكفاء يعيشون خارج هذه البلاد".
وفي حين أجد إقبال قادرا على النقد النافذ لكتابات أمثال جولدتسيهر وجورج سارتن وديميتري جوتاس، فإنني مندهش للغاية من تسليمه الأعمى بالفلسفة الأبدية التي اعتنقها أتباع رينيه جونون (توفي 1951) وفيرتسوف سكون وكلاهما اعتنق الإسلام. وتلك ـ أي الفلسفة الأبدية ـ عقيدة لا خلاف على غنوصيتها ونخبويتها وغرائبيتها وكراهيتها للنساء، ويمينيتها ومعاداتها لنظرية التطور، ولاعلميتها في النهاية. وعلى الجانب الآخر، نجد أن إقبال يقسو في بعض الأحيان على المستشرقين في الغرب. فليس صحيحا أن أغلب ترجمات القرآن إلى اللغات الأوربية مستقاة من الترجمة التي قام بها روبرت كيتن في القرن الثاني عشر. فهناك الترجمتان العظيمتان اللتان قام بهما في القرن السابع عشر لودوفيكو ماراكسي وآندرو دو راير. وقد اهتدت هاتان الترجمتان بالتفاسير الإسلامية. وهناك ترجمة القرن الثامن عشر التي قام بها جورج سيل معتمدا على ترجمة ماراكسي وموليا اهتماما كبيرا للتفاسير الإسلامية. فالاستشراق مدين للبحث الإسلامي بأكثر مما يدرك أغلب المسلمين.

* صدر لكاتب المقال في عام 2006 كتاب بعنوان "شهوة المعرفة: عن المستشرقين وأعدائهم"، وهو المحرر المسئول عن الشرق الأوسط في ملحق التايمز الأدبي

الأندلس

نشر ملحق التايمز الأدبي مؤخرا مقالا كتبه روبرت إرون مستعرضا كتابا صدر لمظفر إقبال حديثا بعنوان "العلم والإسلام"، والكتاب يحاول تصحيح مفاهيم مغلوطة سادت تاريخ العلم؛ فساهمت في تشويه صورة الحضارة الإسلامية. في ذلك الكتاب ينفي مظفر إقبال خطأ شائعا بأن البحث العلمي توقف في العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الميلادي، بعد أن أصدر أبو حامد الغزالي كتابه "تهافت الفلسفة" فقطع به طريق البحث العلمي في العالم الإسلامي، لما قلل من قيمة التفكير العلمي. ينفي إقبال أن يكون القرن الثاني عشر هو نهاية جهود العلماء المسلمين، ويثبت أن القرن الخامس عشر هو التاريخ الصحيح لانتهاء تلك الجهود العلمية. أي أن الرجل يمنحنا ثلاثة "قرون" إضافية نتباهى بها.
ولا أحسب أن أحدا سيقرأ ذلك المقال ـ وسوف نقدم ترجمته في الأسبوع القادم ـ إلا ويسأل نفسه: وهل لكتاب مهما يكن أن يوقف حركة بحثية؟ وماذا لو لم يكن البحث العلمي قد توقف عندنا؟ ولماذا لم يتحول العلم لدينا كما لدى الغرب إلى ثورة في الصناعة والمجتمع على السواء؟ ولعل هذه الأسئلة جميعا تنتهي بكم ـ كما انتهت بنا ـ إلى أسئلة أخرى: كيف يمكن للبحث العلمي أن يستوطن العالم الإسلامي من جديد، فتتحول هذه المنطقة المستهلكة ـ في أفضل الحلالات ـ للتجليات السلعية للعلم، إلى منطقة مستهلكة للعلم نفسه، بل ومنتجة له؟ وكيف يمكن للتفكير العلمي أن يعرف طريقه إلى عقولنا، فلا نبحث عن الدواء لدى الفقيه، ولا نبحث عن الفتوى لدى الراقصة؟
إذا كان مقال روبرت إرون يثير سؤال البحث العلمي، فثمة سؤال آخر على هذه الصفحة: ماذا كان ليحدث لو لم تكتف جيوش المسلمين بالأندلس، وتجاوزتها إلى بقية أجزاء أوربا؟
كان هذا التوقف العربي عند حدود شبه جزيرة أيبريا ـ بحسب الكتاب الذي نقدم عرضا له فيما يلي ـ من أفدح خسائر التاريخ، فبهذا التوقف ظلت بقية أرجاء أوربا فريسة للتشرذم، والأرستقراطية الوراثية، والقمع الديني ولكل ما عانت منه أوربا في القرون الوسطى، وكانت لتنجو منه لو شملها الإسلام.
في أواخر التسعينيات، نشب خلاف ثقافي في مصر بين المؤيدين والمعارضين للاحتفال بمرور مائتي عام على غزو فرنسا لمصر، وهو الغزو الذي يقال إنه فتح أعين المصريين على العصر الحديث (وهو زعم فيه كلام). وها هو كاتب غربي يتبنى الموقف نفسه تقريبا، إذ يتمنى لو كان العرب المسلمون واصلوا احتلال بقية أجزاء أوربا فنقلوا إليها الحضارة.
ألا يمكن للحضارة أن تنتقل بدون عنف؟ ألم تنتقل حضارة المسلمين إلى بلاد لم تدخلها جيوشهم في آسيا وأفريقيا؟ ألا تنتقل الثقافة الغربية (الأمريكية في الغالب) اليوم إلى كل بقاع الأرض عبر شاشات الكمبيوتر والمحمول والتليفزيون والسينما؟ لا شك أن بوسع الحضارة أن تنتقل بدون عنف. ولعل السؤال المثير هنا هو لماذا لم تنتقل الحضارة الإسلامية إلى بقية أجزاء أوربا مع التجارة كما حدث مع مناطق كبيرة في آسيا وأفريقيا؟ ألم ينشأ تبادل تجاري بين مسلمي الأندلس وأهل أوربا؟ ألم يبال المسلمون بالدعوة إلى دينهم؟ لعل المقال يقدم بصيص أجوبة على هذه الأسئلة: فأي تجارة كانت لتنشأ مع بقية أوربا وهي على ماك كانت عليه من تخلف، وأي دعوة أو جهاد يمارسه المسلمون وقد استكانوا إلى نعيم الأندلس.
يبقى من الضروري أن نلفت انتباهكم إلى أن في المقال الذي نقدمه هنا ـ إلا فقرات قليلة ـ بعض الارتباكات فيما يتعلق بالإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام خاصة عند التطرق إلى دقائق مثل مسألة جمع القرآن، وفهم طبيعة "الحديث" النبوي، أو تفسير بعض آياته. وهي أخطاء ـ لا نراها ترمي إلى الإساءة، بقدر ما نراها ظواهر طبيعية تصاحب كل محاولة للفهم. ويبقى من الأمانة أيضا أن نشير إلى أن كاتبة المقال لم تتبع اسم النبي محمد بالصلاة والسلام عليه كما تجدون في الترجمة.


الأندلس
ماذا لو لم تقف الجيوش الإسلامية عند حدود فرنسا؟


جوان أكوسيلا


في عام 610 م، توجه محمد بن عبدالله (ص) ـ وكان رجلا في الأربعين من عمره ينتمي إلى عائلة تجار ثرية في مكة ـ إلى غار قريب يسمى غار حراء لكي يتأمل كما دأب على ذلك مرات كثيرة. غير أن التجربة في ذلك العام كانت مختلفة. فقد ظهر له ملاك وأمسك به وأسمعه كلمات من عند الله. فصعق محمد (ص) وعاد إلى زوجته في البيت صائحا فيها "دثريني". كان يخشى ان يكون عقله قد توهم ما رأى. ولكن حينما عاوده الصوت، آمن بأنه آت حقا من عند الله، فقد كان يدعوه إلى إصلاح مجتمعه: ينبغي للفقراء أن يحصلوا على الزكاة، وينبغي للعبيد أن يلقوا العدل في التعامل، وينبغي للربا أن تختفي. وكان أهل قريش ـ قبيلة محمد (ص) ـ مشركين يعبدون آلهة عدة شأن أغلب أهل شبه جزيرة العرب آنذاك، ولكن الله قال إنه الإله الواحد الذي يعبده اليهود والمسيحيون (وإن لم يكن يسوع ابنه، بل مجرد نبي مثل أنبياء العهد القديم). وها هي كلمة محمد (ص) تأتي لتنسخ ما سبقها، وعقيدته تزيح ما سلف من عقائد، ها هو الإسلام جاء.
حين بدأ محمد (ص) الدعوة في مكة، لم يجد أهله فيه خطرا، ولكن بمجرد أن اجتذب إليه الأتباع، بدأ أهله أولئك يرون فيه تهديدا لهم. كانت مكة في ذلك الوقت مركزا تجاريا مهما، مليئا بالتجار الأثرياء، وإذا بإله محمد (ص) يمنع شتى ألوان التباهي، بل ويأمر بنبذ عبادة الأوثان، وذلك يعني توقف دخل كبير من القرابين التي كانت تقدم لها. في عام 622، اضطر محمد (ص) وأتباعه إلى الخروج من مكة، ففروا إلى يثرب التي أصبحت تعرف بالمدينة ومن هناك حاربوا مدينتهم الأصلية. كان محمد (ص) في أول الأمر يعامل رفاقه في التوحيد من اليهود والمسيحيين باللين، ولكن الأديان الجديدة بطبيعة الحال لا تؤسس أنفسها بعون من الأديان القديمة. وهكذا تآمرت قبائل اليهود ضده. وبعد معركة حاسمة سنة 627م،تعرض سبعمائة يهودي في سوق المدينة للذبح. وفي سنة 630م استولى محمد (ص) ورجاله على مكة. وأمر محمد (ص) بتدمير ثلاثمائة وستين وثنا حول الكعبة، وأعلن سيادة الإسلام، ويقال إنه بعث رسلا إلى حكام فارس وبيزنطة واليمن واثيوبيا داعيا إياهم إلى الإسلام، وإنه قضى السنوات القليلة المتبقية من عمره ـ بحسب ما تروي كارن آرمسترونج كاتبة سيرته الذاتية ـ في إرساء دعائم السلام، وإن كتنت جهوده السلمية تلك لم تلق استحسان نفر من أصحابه في بعض الأحيان.
بعيد وفاة محمد (ص) في عام 632 تم جمع ما أوحى به الله إليه في "القرآن"، وتم جمع شهادات معاصريه عن حياته في "الحديث". وفي الوقت نفسه، توسع الإسلام، بسرعة فريدة في التاريخ. وكان الجهاد من بين التكليفات التي فرضها القرآن على المؤمنين. والجهاد كلمة تترجم إلى "الحرب المقدسة" بالإنجليزية وفي القرآن ما يدعم هذه الترجمة لا سيما توصية المسلمين بقتل أعداء الدين: "قاتلوهم حتى تزول الوثنية ويسود دين الله"* ولكن، وبعد آيات قليلة ينص القرآن على عكس ذلك حيث يقول "لا إكراه في الدين". ويرى بعض المفسرين ـ لا سيما في السنوات الأخيرة التي كثر فيها الكلام عن الحرب المقدسة ـ أن "الجهاد" في حقيقته يعني جهاد النفس، أي أن يجاهد كل مسلم شرور نفسه وغواياتها.
وعلى أية حال، ومهما يكن جهاد خلفاء محمد (ص) لأنفسهم، فقد قاموا أيضا في غضون أربعة وثمانين عاما بعد وفاته (ص) بغزو سوريا ومصر وشمال أفريقيا والأناضول والعراق وفارس. وبحلول بداية القرن الثامن، كان قوات المسلمين تقف في الركن الشمالي الغربي من أفريقيا، وهناك، لم يكن يفصل بينهم وبين شبه جزيرة أيبريا غير مضيق جبل طارق بعرض تسعة أميال فقط، وكان يحكمها القوط وهم شعب مسيحي بذل أقصى الجهد لإبعاد الأديان الأخرى ـ مثل اليهودية ـ عن أراضيه. وثمة أدلة على أن يهود أيبريا دعوا المسلمين إلى الغزو، ففعلوا ذلك في عام 711، وأسسوا ثمة دولة دامت أربعة قرون، وهذه الدولة هي موضوع كتاب ديفيد ليفرنج لويس وعنوانه "اختبار الرب: الإسلام وتكوين أوربا، من 570 إلى 1215".
ينبغي أن نفهم هذا الكتاب في سياق، أو في الحقيقة، في سياقين. السياق الأول هو سياق مابعد الكولونيالية، وأعني الجهود التي قام بها عدد من الدارسين والباحثين بدءا من منتصف السبعينيات لتصحيح التحيزات التي صاحبت وبررت استعمار القوى الأوربية لخمسة وثمانين بالمائة من الكرة الأرضية فيما بين القرنين السادس عشر والعشرين. في تلك الفترة، وبحسب كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" ـ وهو النص المؤسس لفكر مابعد الكولونيالية ـ كانت كتابة تاريخ الشرق الأدنى والأوسط ذراعا من أذرع الإمبراطوريات، يرمي إلى جعل الشعوب غير الغربية تبدو غير متحضرة، حتى تبدو سيطرة الأوربيين عليهم فضلا ومنة. ومنذ سعيد، صار كثير مما يكتب عن مستعمرات أوربا السابقة محاولة لرفع ذلك الضيم.
السياق الآخر الذي تنبغي فيه قراءة كتاب لويس هو بالتأكيد تاريخ الإرهاب منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأعني الإرهاب الذي يمارسه من يزعمون أنهم يتبعون تعاليم القرآن. فحين بدأت تلك الموجة، لم يكن أغلب الأوربيين يعرف ماذا يكون العالم الإسلامي. ليس سوى الحريم والأرجيلة والسجاد. بل ولم يكن من السهل تكوين فكرة ملائمة عن الإسلام بعد الهجمات الإرهابية، حيث لم يظهر إلا سيل من الكتب المؤيدة أو المناهضة للإسلام. فهناك مفكرون مرموقون أدانوا الإسلام، ودافع آخرون بأن الأغلبية الساحقة من المسلمين لا تؤيد الإرهاب، في حين أدان بعض المؤرخين محاولة شيطنة الإسلام وكذلك الجهل بالعالم الإسلامي الذي يكشف اليوم عن حماقة سياسية ناهيكم عما فيه من غطرسة. فمضى باحثون إلى مكاتبهم ليدونوا شهاداتهم عن أمجاد الثقافات الإسلامية. حتى أن سلمى خضراءالجيوسي اعتبرت حذف الإسلام من قصة الحضارة الغربية "جريمة تاريخية" حسب ما ورد في مقدمتها لكتابها الرائع "أسطورة أسبانيا المسلمة" الصادر عام 1992 والذي يضم تسعة وأربعين مقالا لا تكتفي بوصف السياسة والدين في أيبريا الإسلامية بل تتجاوز ذلك إلى وصف المدن والمعمار والموسيقى والشعر والخط والطهي.
يأتي كتاب لويس في سياق تلك المراجعات. لقد جاء المسلمون إلى أوربا ـ كما يقول ـ فكانوا "موجة الحضارة الأولى التي تبدو معجزة عضوية مؤلفة من ممالك وثقافات وتكنولوجيات تعمل جميعا في خدمة أجندة سياسية ثقافية أكثر تفوقا" إن قورنت بأعدائها من الشعوب التي صادفتها هناك. لقد أسدى العرب إذن لأوربا معروفا حينما قاموا بغزوها. وهذه ليست بفكرة جديدة، ولكن لويس يمضي بها قدما فيبدي أسفه على أن العرب لم يكملوا غزو بقية أوربا. فلقد كان توقفهم عن التقدم محوريا في إيجاد "أوربا مقسمة متشظية متخلفة اقتصاديا ... وكان توقفهم عن التقدم في بقية أوربا ميزة استفادت منها الأرستقراطية الوراثية والاضطهاد الديني، والحروب المتواصلة ... وكان ذلك التوقف من أفدح خسائر التاريخ وأكثرها تأثيرا فيما تلاها منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية". وتلك فرضية لا تنقصها الجرأة.
استولى المسلمون على أغلب أجزاء أسبانيا في أقل من ثلاث سنوات. كان القوط أكثر عددا، ولكن المقاتلين العرب كانوا في غاية المهارة، فكانوا يهجمون وينسحبون ثم يهجون من جديد وكأنهم يراقصون عدوهم. ويبدو في غير موضع أن لويس يرى فيهم المظلوم الذكي، فكأنهم داود أمام جالوت، أو محمد علي أمام جورج فورمن. ويقدم لويس بيانا بأكياس الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعبيد والإماء مما أرسلوا إلى خليفتهم في دمشق حاضرة الخلافة. ومن بين ما أرسلوه كذلك رءوس محفوظة في مياه من البحر، رءوس قطعوها عن أجساد نبلاء القوطيين. وفي سنة 714، وصلوا إلى جبال البيرينيه وهي حد إيبريا الشمالي. دانت لهم شبه الجزيرة إذن، وسموها الأندلس.
ذاع خبر الغزو، وتدفق عرب الشرق على ايبريا، جالبين معهم ما كان يختمر بينهم من صراعات، وأهمها العداوة المستفحلة بين عرب الشمال وعرب الجنوب. فكان كل أمير من أول اثنين وعشرين أميرا للأندلس يحكم لفترة لا تتجاوز العامين. ولم تعرف اسبانيا المسلمة الاستقرار ـ أو ما تيسر منه ـ إلا حينما بدأ عهد عبد الرحمن الأول، وهو أمير سوري المولد وصل إلى السلطة عام 756 واستطاع أن يبقى في الحكم حتى وفاته بعد اثنين وثلاثين عاما. عبد الرحمن هذا هو بطل "اختبار الرب". فلويس مغرم به ولا يسميه إلا بلقبه: الصقر. كان عبد الرحمن حاكما قاسيا ـ فقد وصل إلى الحكم بالقوة ـ لكنه أيضا كان قريبا من الناس. فلويس يصفه وهو يمشي في أرجاء عاصمته قرطبة، في ثوب أبيض، غير محاط بالحرس، أو وهو يخطب في الناس في صلاة الجمعة. ولأنه نشأ في أحضان القصر، فقد كان محبا للفنون. وهو الذي أقام المسجد الأعظم في قرطبة، وهو أروع ما بقي من المنجزات المعمارية التي عرفتها أسبانيا المسلمة. وهو الذي زرع في اسبانيا أول نخلة وأول شجرة ليمون، وأول زيزفونة وأول شجرة جوز. وهو الذي جلب إليها أيضا المشمش والحناء والزعفران، فكان ذلك خيرا للتجارة التي ازدهرت في عهده.
وازدهرت مدن اسبانيا، تقطرها قرطبة التي بلغ عدد سكانها في ظل حكم عبد الرحمن نحو مائة ألف نفس. يصف لويس الحاضرة التي تركها الأمير لخلفائه بقوله: كان القصر جديدا، مكتملا، عندما أمر الصقر بوضع أساس مسجد الجمعة. وعلى بعد خطوات توجد الحمامات العمومية. وبالقرب منها سوق المدينة، حيث تباع بأسعار محددة السلع الأساسية مثل الخبز والخضراوات والفاكهة والزيت ولحم الضأن، والسجاد الفارسي والأدوات المعدنية الدمشقية، والحرير الصيني، والجلود والمجوهرات والعبيد وكثير مما يأتي ضمن نشاط الاقتصاد الإسلامي العالمي ... وكانت شارع المدينة يسير غير متبع نمطا خاصا محاذيا لنهر جوادلكفير واصلة أحياء اليهود والبربر الكاثوليك والأورثوذكس والعرب والمولدون وغير العرب ممن دخلوا في الإسلام، وكانوا جميعا يعيشون كأنما في عوالم منفصلة. وكان الصيادلة السفرديم والحدادون القوطيون والجراحون الإغريق يقدمون خدماتهم في ذلك الشريان الشيق الطويل. وكانت روائح أشجار البرتقال والليمون تملأ الأجواء. وخارج المدينة يمتد السهل ترويه السواقي، وتملؤه محاصيل الغلال كالقمح والشعير وتبرقشه أشجار الزيتون حتى نهاية الأفق". حتى لتتمنون لو تهاجرون إلى هناك.
كان عبد الرحمن مؤسس الكونفيفينسيا في أسبانيا المسلمة. ولو أننا ترجمنا تلك الكلمة ترجمة حرفيا لقلنا إنها تعني "التعايش برغم الاختلافات"، وهذه الفكرة هي مركز "اختبار الرب". وإنني أتصور أنها السبب الذي جعل لويس يختار أن يكتب عن أسبانيا المسلمة. فهو ليس عروبيا. وإنما هو مشهور بالسيرة الذاتية التي كتبها للشاعر الأفروأمريكي دبليو إي بي دوبوا وصدرت في جزأين في عامي 1993 و 2000 فنال عن كل جزء منهما جائزة بوليتزر. ولكن ذلك الكتاب ـ إذا لم يكن عن العرب ـ فهو عن العدالة العرقية، ومن أجل تلك العدالة ينال عبد الرحمن كل ذلك الإعجاب من لويس. وعلى الرغم من ذلك يوضح لويس أن تلك الكونفيفينسيا كانت لها حدودها. فهي لم تكن فقط نزعة إنسانية، أو التزاما بتعاليم القرآن ـ "لا إكراه في الدين" ـ أو مظهرا من مظاهر التحضر، بل كانت نوعا من البرجماتية السياسية. لقد كانت ايبريا فسيفساء عرقية ودينية. ولم يكن سوى التسامح ـ وهو ما نسميه اليوم بالتعددية الثقافية ـ سبيلا إلى جمعهم معا، وليس الإدخال القسري في الدين. والأهم من ذلك أن الكونفيفينسيا لم تعن قط التساوي التام. ففي السنوات الأولى فرضت محاذير على اليهود والمسيحيين، إذ كان عليهم ارتداء شارات هوية، والصلاة في صمت، ولم يكن يسمح لهم باتخاذ منازل أعلى من منازل المسلمين، والأهم من ذلك كله أنهم كانوا ملزمين بدفع ضريبة باهظة تسمى الجزية، ومع الوقت تبدد كثير من هذه القيود (ولم تكن بينها الجزية)، وصار مسموحا لليهود ـ على نحو خاص ـ بالخدمة العامة ككتبة وموظفين ومستشارين. فعلموا المسلمين إدارة الحكومة، حسب ما يكتب لويس. ويقول المؤلف إن العصر الذهبي للأندلس كان أيضا العصر الذهبي لليهود السفرديم. فحتى الذين لم يحظوا بوظائف مرموقة كانوا بلا شك يؤثرون الشارات والجزية على التغيير القسري لدينهم أو الموت. وفي النهاية اعتنق كثير من اليهود والمسيحيين الإسلام، ولعل ذلك كان لتفادي دفع الجزية في كثير من الحالات. فإذا كان أغلبية أهل ايبريا في نهاية القرن الثامن من المسيحيين، فقد أصبحت الأغلبية بعد مرور مائتي عام من المسلمين.
لم يحكم المسلمون قط شبه جزيرة أيبريا كاملة. فقد بقيت بعض المناطق ـ لا سيما في الشمال ـ مستقلة أو متحالفة تحالفات هشة مع إمارة المسلمين، وكانت تعاود الثورة كل حين. وكان هناك أيضا شقاق بين المسلمين. فلم يكن المسيحيون واليهود فقط هم الذين يلقون معاملة لا تقوم على المساواة، بل هكذا كان حال جميع غير العرب، ومن بينهم بربر شمال أفريقيا الذين ضم العرب أراضيهم إلى امبراطوريتهم في مطلع القرن الثامن والذين جاءوا معهم إلى أسبانيا. وكان بربر أيبريا مسلمين، وكانوا أفضل مقاتلي الإمارة (ويكفي أن طارق بن زياد قائد غزو أيبريا كان منهم وكذلك سلاح الفرسان في جيشه)، وكانوا يفوقون العرب عددا في أسبانيا، ولذلك كله فقد عافت نفوسهم وضعية الدرجة الثانية، فكان حتما على الأمراء طوال تاريخ الأندلس أن يتعاملوا مع ثورات البربر، ومن بين الأسباب التي حدت بالعرب إلى معاودة القتال هو أن اعتناق الإسلام ـ وما يستتبعه من تحرير المعتنقين من التزامهم بدفع الجزية ـ كان يؤثر سلبا على الخزانة، فكان على الأمراء أن يجدوا مزيدا من الكفرة لدفع الجزية، هذا إلى جانب أنهم مأمورون أساسا بالجهاد، وأنهم لم يهدفوا قط إلى التوقف عند حدود جبال البيرنيه، ففي عام 732 ـ أي بعد واحد وثلاثين عاما من دخولهم أيبريا ـ عبروا تلك الجبال الشاهقة ونزلوا إلى الجانب الآخر.
وكانت المملكة التي نزلوا لغزوها هي مملكة الفرنجة وتضم تقريبا ما يعرف اليوم بفرنسا وبلجيكا وأقساما من غرب ألمانيا، وكانت تحت حكم شارل المطرقة أو شارل مارتل بالفرنسية. خسر المسلمون بعض الاشتباكات وانتصروا في بعض، ولكن ثورة البربر في الأندلس أرغمتهم على العودة. وفي عام 778، قام الفرنجة بقيادة حفيد شارل مارتل ويدعى شار الأول العظيم أو شارلمان بالانتقام. وشارلمان بطل آخر في عيني لويس ـ بعد عبد الرحمن ـ وليس ذلك فقط لعبقريته العسكرية وإنما لحسن خلقه وأناقته، لدرجة أن لويس يخبرنا ثلاث مرات أن ذلك الملك الفرنجي كان طوله أكثر من مائة وتسعين سم، ويصوره لنا فحلا ضخما أشقر الشعر، أزرق العباءة، واسع الخطى، ولو أن الفرنجة كانوا بدائيين فإن الشعوب التي غزاها شارلمان من ساكسون إلى لومبارديين إلى أفاريين كانوا أشد بدائية، فإذا بملكهم(غازيهم) الجديد يطورهم، فيفرض على القساوسة العفة، ويحرم سفاح ذوي القربى وكان فيما يبدو ممارسة شائعة بينهم. ولكي يطور ثقافة الفرنجة أقام مدرسة القصر فكانت مؤسسة تعليمية وبحثية استجلب إليها المثقفين ليعملوا فيها، ولكن جهودها كانت محدودة إذ كان تواجده معظم الوقت في الميدان. ولم يكن جيران شارلمان ليستسلموا له بسهولة، خاصة وأنه ـ على العكس من المسلمين ـ كان يجبرهم على اعتناق المسيحية. ولذلك فحينما كان الرجل ينتهي من الغزو، كان يجد نفسه مضطرا لإعادة الغزو. وذلك ما جعله ينهي حملته الأسبانية، فبعد شهور من استهلاله إياها، بلغه أن الساكسون ثائرون فكان عليه أن يرجع إلى وطنه.
كان عبد الرحمن وشارلمان مؤسسين بالدرجة الأولى، لم تؤت جهودهما ثمارها إلا بعد وفاتيهما (عبد الرحمن في عام 788 وشارلمان في عام 814). ولكن النضال الذي خاضه كل منهما يشكل مركز الدراما الإنسانية في كتاب لويس، بحيث أن انتهاءه من سرد ما يتعلق بهذا النضال يفقد الكتاب سخونته، وليس هناك مفر من ذلك في حالة مملكة الفرنجة بالتحديد. فلم يمض ثلاثون عاما على وفاة شارلمان، حتى انقسمت الإمبراطورية التي أسسها إلى ثلاثة أقسام، نال كل من أحفاده قسما منها. وفي الوقت نفسه قام الفايكنج بغزوهم، فلم تملك الإمبراطورية المقسمة أن تقاومهم، ولم ينته القرن التاسع إلا وقد أصبحت مملكة الفرنجة أثرا بعد عين. "وطرد المزارعون من أرضهم" كما يقول لويس "وخيمت على الآفاق الكنائس والأديرة المعتمة، ولم يكترث الفايكنج بمدرسة القصر، فهم ـ كما قال عنهم سفير مسلم ـ أقذر شعب خلقه الله، إنهم لا ينظفون أنفسهم بعد التغوط، وكأنهم جحوش برية".
أما الأندلس فكان موتها أبطأ. فلم يتقدم إليها الفايكنج، وإن تولى أمرها بربر ايبريا كالمعتاد بهجماتهم من مناطق الشمال المسيحية، وبربر شمال أفريقيا الذين جاءوا في البداية بهدف الدعم ثم استولوا على السلطة. وحين جاء هؤلاء البربر من شمال أفريقيا، جاءوا ومعهم إسلام أكثر تزمتا مما عرفته أيبريا من قبل. وبين مطرقة هذا التزمت، وسندان الثورات البربرية، تبددت أسطورة التعايش بين الأعراق والديانات المختلفة، وفي تلك الفترة لم يكن قادة الجيوش من العرب الذي أرخت الرفاهية سواعدهم، فمالوا إلى رغد العيش، وما عادوا يقبلون على حرب لا يجد المرء فيها وجبة طيبة أو حماما دافئا. (يذكر أن مسلمي أسبانيا كان لديهم إحساس عال بالنظافة الشخصية فكانوا يستخدمون فرشاة الأسنان ومزيلات العرق). فلزموا بيوتهم، وباتوا يرسلون البربر والأفارقة والعبيد لخوض حروبهم، فكانوا يخوضونها بقدر أقل من الحكمة، وقدر أكبر من القسوة، مقارنة بالعرب أنفسهم. وهنا يسجل لويس ملاحظة مؤسية: كلما ازداد شعب رقيا، كلما ازداد ضعفا.
عاما بعد عام، تلاشت الحياة الرغدة. وبدأ حرق الكتب وبدأت المذابح. وصارت الثورات والانتقامات تحدث انتشاء بممارسة العنف. وعندما تم غزو قرطبة ـ في عهد محمد الثاني ـ على يد مطالب بالعرش، إذا بالبربر في جيش الغازي يغتصبون النساء وينهبون المدينة ويهدمون مبانيها البديعة ومنها قصر عبد الرحمن (ولكنهم لم يمسوا المسجد الأعظم). وبعد عشرين عاما انتهت الخلافة الأيبيرية، وانقسمت شبه الجزيرة إلى طوائف أو مماللك صغيرة حكمها ملوك قساة. وفي ذلك الوقت، بدأت جهود المسيحيين الجادة لاستعادة أسبانيا. سقطت طليطلة واستولى عليها ألفونسو الرابع ملك ليون وكاسل الكاثوليكي في عام 1085، ثم مرت أربعة قرون قبل أن يتم طرد آخر أمير من غرناطة عام 1492، ولكن لويس يعبر هذه القرون بسرعة، وكأنه لا يريد أن يتحدث عنها.
وبدلا من الخوض في ذلك، يركز على إسهام أسبانيا المسلمة في مجال التعليم والذي بلغ ذروته في الوقت الذي كان الوضع السياسي في انهيار. استمرت العمارة مزدهرة (كما يتبين من الحمرا في غرناطة والتي بدأ العمل فيها في القرن الثالث عشر) وكذلك الموسيقى والشعر والعلوم والرياضيات، فبفضل أسبانيا المسلمة لم نعد اليوم مضطرين إلى احتمال صعوبات الأرقام الرومانية. وانتقلت تقنية صناعة الورق من الصين إلى الأندلس. وكان في مكتبة قرطبة أربعمائة ألف كتاب. ولكن أبقى منجزات الأندلس الثقافية كان ترجمة وشرح النصوص الإغريقية القديمة. ففي القرن العاشر أشرف الفيزيائي حسدان ابن شبروط على الترجمة العربية لكتاب الطب الإغريقي الذي وضعه ديوسكريدوس وكان جراحا في الجيش اليوناني في القرن الأول. وقد ظلت الترجمة اللاتينية لتلك الترجمة مرجعا طبيا أساسيا حتى عصر التنوير. وفي القرن الثاني عشر كتب ابن رشد شروحه لأرسطو، ووضع موسى بن ميمون كتابه "دلالة الحائرين" الذي تأثر فيه بأرسطو. وقد أخذ كل من الفيلسوفين على عاتقه مهمة المصالحة بين العقل والإيمان، ومهمة إثبات وجود الله. وهي المهمة التي قامت بها في العالم المسيحي فلسفة السكولاستيين وعلى رأسهم توما الاكويني الذي كانت كتاباته أساسا للفلسفة الأوربية بدءا من القرن الثالث عشر وحتى السادس عشر. وكان الاكويني قد اعتمد بدوره على قراءة ابن رشد لأرسطو. وهكذا فإن الثقافة الغربية خرجت من رحم الثقافة الإغريقية لأن باحثي الأندلس نقلوا الفكر الإغريقي إلى أوربا الغربية.
غير أن هذا الفكر نفسه أصبح مصدر خطر في أسبانيا بحلول القرن الثاني عشر. (تم إحراق كتب ابن رشد، وبعضها ضاع كلية). وكانت الخطورة أكبر على اليهود من أمثال ابن ميمون الذي مات في المنفى وهو يلوم وطنه لنبذه كل ما هو ليبرالي. وبموت هذين الرجلين (ابن رشد وابن ميمون) تحل العتمة على "اختبار الرب".
ومن الغريب أن لويس الذي يثمن الثقافة كثيرا في التجربة الأندلسية، لا يتيح لها مساحة أكبر في كتابه. فليس لابن رشد وابن ميمون سوى سبع صفحات فقط، وتلك مساحة بالغة الهزال في ضوء أهمية الرجلين. كما أن لويس لا يكترث كثيرا بالفن، ففي معرض وصفه لقصر الزهرة الفاتن الذي بناه عبد الرحمن الثالث في القرن العاشر فإن تركيزه الأكبر لا ينصب على القيم الفنية والجمالية، بل على الأثر السياسي، من قبيل ما كان يتركه القصر من رهبة في أنفس زواره، وما يسببه لهم من إحساس بالدونية، أمام عظمة الخليفة. وكذلك يكاد يغيب عن الكتاب تناول التاريخ الاجتماعي، فلا يشعر قارئ الكاتب بمعنى أن يكون المرء مواطنا أندلسيا، سواء كان غنيا أو فقيرا، وليس في الكتاب تناول جيد لدين الدولة، وذلك أغرب ما في كتاب عن الثيوقراطية. ولعل بوسعنا القول إن "اختبار الرب" يتناول أساسا القتال والحكم. ويحق للويس هنا أن نذكر له مقدرته على جعل الحرب موضوعا مثيرا ("خرج الفرسان مثقلين بالسلاح ... فشنوا الهجوم وهم يهتفون: الله أكبر، قاطعين التل، مخترقين الطريق الروماني، في هالة من البخار المتدافع من أنوفهم في البرد القارس، مختفين أو يكادون خلف وابل من السهام المندفعة"). كما أننا نجد لديه أيضا محاباة لسبل انتقال السلطة. فالكتاب يجعلنا نعرف كيف أن بيبان الثاني ـ وهو والد شارل مارتل ـ أفاق نفسه من غيبوبة ليصدر أحكاما بالإعدام بحق المتنازعين على العرش، وما أن فعل ذلك، حتى عاد إلى الغيبوبة ومات. كما يمنحنا لويس أيضا أجمل الألقاب لملوك قصته، فلا يقتصر الأمر على شارل المطرقة، إذ إن هناك أيضا بيرتا كبيرة القدم (والدة شارلمان). ومن مزايا لويس أنه قصاص بارع، فإذا كنا لا نكاد نعرف شيئا عن الرهبان الذين كتبوا تاريخ عصور الظلام من وجهة النظر الأوربية، فإن لويس يتخيل مؤرخا من هؤلاء في كنيسة سان دينيس، خارج باريس، في ليلة باردة، في مطلع القرن الثامن، حيث "أضاف إلى إبريق النبيذ عسلا أو قرفة وهو جالس إلى المدفأة في غرفة معبأة بالدخان، وعيناه مجهدتان، والريشة تنتقل بين المحبرة والقرطاس مسجلة زخم الأحداث". كأنها سينما. وأخيرا فإن لويس بارع في إحكام البناء السردي. فكل من يريد أن يكتب تاريخ أسبانيا الإسلامية مضطر إلى الإلماح إلى تاريخ الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية البيزنطية، وإمبراطورية الفرنجة، والإمبراطورية الإسلامية التي حكمت الشرق قبل حكم العرب لأيبريا وأثناء ذلك. ولويس يقدم كل هذا بمهارة فائقة، إذ يتنقل بين الحكومات كما لو كان يؤدي على المسرح رقصة حفظ خطواتها عن ظهر قلب.
يبدو على طول صفحات الكتاب أن لويس عاجز عن التوقف عن المقارنة بين المسلمين والفرنجة لإظهار أن الأخيرين كانوا أقل تحضرا، فقد كان المسلمون يقيمون المدن، والفرنجة يعيشون في الأدغال، وكان لأمراء المسلمين قصور من المرمر، ولملوك الفرنجة بيوت من خشب، والمسلمون يتنقلون على ظهور الخيل، بينما الفرنجة في عربات بدائية تجرها الثيران، وللمسلمين عملات فضية، وتجارة في الحرير والتوابل، بينما غاية القول في اقتصاد الفرنجة هو أنه كان "أفضل قليلا من اقتصاد العصر الحجري الحديث". وكان علية القوم من المسلمين يترددون على المحافل التي يستمعون فيها إلى الشعر ويناقشون الجديد من الأفكار، على عكس بيبان القصير ـ والد شارلمان ـ الذي كان يستقبل السفراء في غرفة تملؤها "الفراء، والأسلحة، والكلاب، والعظام، ودنان الخمر الملقاة".
وبرغم أن لويس لا يبالغ في حديثه عن بعض الممارسات الغربية التي تبدو غير عادلة في عيوننا مثل الغزو والاستعباد وقهر النساء، وهي جميعا ممارسات طبيعية في العصور المظلمة، ولكنه يفعل هذا أيضا مع المسلمين، هذا عندما يجد في نفسه القدرة على تناول مثل هذه الممارسات لديهم. يقول لويس إن المسلمين ـ على العكس من غيرهم ـ كانوا لا يستعبدون شركاءهم في الدين، وإنما الكفار فقط. (وما الذي يجعل ذلك أفضل؟) أما بخصوص المحاذير المفروضة على المرأة ـ وهو موضوع ملتهب في أيامنا هذه ـ فيعترف لويس بأنهم كانوا في ذلك الشأن أقسى من الفرنجة، ولكنه يعتقد أن محمدا (ص) لم يدع إلى هذه القسوة وأن القرآن أرحم بالمرأة من التوراة والقديس بولس. حينما يقوم المسلمون بتعذيب الكفار، يقول لويس إن ذلك "من المظاهر المؤسفة المصاحبة لإقامة الدول". وحينما تسقط مدن المسلمين، لا يشير لويس إلى أن الجهاد كان بانيها، ولكنه يشير فقط إلى أن جهاد المسيحيين كان سبب سقوطها. أما السبب الذي يجعل لويس ينهي كتابه في عام 1215 فهو أن ذلك العام شهد إرسال البابا إنوسنت الثالث لحملة صليبية كانت تجسيدا للتعصب الديني الذي نشأ في أوربا ـ في رأي لويس ـ كرد فعل لما قام به المسلمون وامتد أثره على كثير من دول العالم لقرون تلت.

* آثرنا أن نقدم ترجمة حرفية للترجمة الإنجليزية، على أن نردها إلى الأصل القرآني وهو ـ على الأرجح ـ من سورة البقرة ونصه "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله"

أرشيف المدونة الإلكترونية