الجمعة، 27 مارس 2020

في انتظار أن تستوي القهوة


ّفي انتظار أن تستوي القهوة 

في العاشرة من عمري أو نحو ذلك، حكى لي أحد أقرابائي طرفا من أهوال آخر الزمان. أتذكر تلك الظهيرة الحارة، والحكايات التي طالت، وتشابكت، واعتذاره بين الحين والآخر لأنه لا يتذكر الترتيب الدقيق للأحداث. أتذكر إحباطي الشديد حينما قال في النهاية إن القيامة لن تقوم علينا، فلسنا "شرار الناس". فكرة الحرمان من حضور هذه الدراما الرهيبة كانت أسخف نهاية ممكنة لتلك الملحمة المذهلة.

ليس حبا في الحياة إذن أنني أغلق على نفسي الآن باب بيتي، لا أغادره إلا للشديد القوي، لكنها على الأرجح رغبة ـ قديمة ولم تزل قاهرة ـ في حضور النهاية.. وهل ينبغي أن أدفع ثمن التذكرة بأن أكون من شرار الناس؟
*
أفكر في الدروس التي سوف يستخلصها العالم فور انتهاء الأزمة، فأفزع. العالم الذي عرفته، أعني ناسه طبعا، لن يستخلصوا أبدا أننا "نعيش في عالم واحد"، وأن اللقمة التي ترمى في القمامة في هذا البلد، هي التي كان ينبغي أن توضع باحترام على مائدة كريمة في ذلك البلد. سيكون الدرس في الغالب، وفي كل بلد، هو أن "الفيروس القادم، مهما يكن الثمن، لا بد أن يكون في مكان آخر".
*
يتساءل مسؤول مبيعات عقارية كيف يستطيع والناس تنتظر نهاية العالم أن يسوق بضاعته. فأتساءل: وأنا؟ كيف فعلتها وخرجت من البيت طلبا لاستثمار بعيد المدى؟ كنت قد تلقيت اتصالا يزف إليّ أن مقاس الإطارات الذي كنت أنتظره بات متاحا. أنزل، وأتجه إلى البنك، وأستعمل منديلا في إدخال رقمي السري، ومن البنك إلى الورشة، وتنال سيارتي أربعة إطارات وخمسين ألف كيلومتر يرجح خبراء الموت أنني لن أكون من يقطعها!
*
أفكر لو أن نساء هن اللاتي يدرن صناعات الأدوية في العالم، أو العالم، ربما كان أمل البشرية ليزداد. لا أعني نساء نشأن على أيدي رجال، ورجال أعمال. لا أعني نساء حانقات يؤبِّدن في أنفسهن مرارات قهر آلاف السنين. إنما أعني أمَّهات. أفكر لو أنَّ أمَّهات يدرن العالم، وبمثل الاستراتيجيات التي يدرن بها مطابخهن. قد لا يكون بيننا وبين الجنة أكثر من هذا.
*
أفكر في العالم الذي يسوِّقه البعض: حيث يكفر المسيحيون بالمناولة، ويكفر المسلمون بالدعاء عند الشدائد، ويعبد الجميع العلم وحده لا شريك له، نسمِّي أبناءنا حامضا وقلوية، ونترنّم بمعادلات الكيمياء العضوية بدلا من الأغاني. هذه هي الدستوبيا بلا لبس. أفكر أنه خير لنا أن نموت وتعيش أرواحنا، من أن نعيش جثثا بلا أرواح.
*
جميلة رائحة الينسون! أفكر وأنا أعدّ فنجان قهوة عاشرا: كيف يمكن أن يكون مزيج من رائحة الينسون ورائحة الياسمين؟ لكلٍّ من الرائحتين نصف طفولتي بلا منازع. أفكر في قنينة عطر من الرائحتين، أفكر فيها خاوية!
*
كان أحب دعاء لي في خطبة الجمعة، وأنا طفل صغير، هو "اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا" يردده الشيخ علي سبلة في ختام خطبته ثلاث مرَّات، مقلقلا القاف كل مرة، لامسا بذلك وتر الطرب والتقوى في نفسي، فأردِّدها من بعد واقفا على ظهر السرير، وإذا بأبي ينهرني، ثم يقول لي إنه لا يحب أن ينسب المقت إلى الله. تنفض الكلمات القديمة المقدسة عن نفسها تراب ثلاثين عاما، وتتردَّد من جديد على لساني، مستلقيا على جنبي هذه المرة، فأتذكّر: عليك رحمة الله يا شيخ علي، عليك رحمة الله يا أبي، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون.

كتبت لأخبار الأدب ونشرت فيها بتاريخ 29 مارس 2020 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق