الخميس، 4 فبراير 2021

الحياة بروح ميتة

بعد عشر سنوات من الحياة في فرنسا، رجعت إلى الصين لتوقيع بعض الأوراق فحبست هناك. وعلى مدار السنتين التاليتين، تعرضت بصورة ممنهجة لانتهاك الإنسانية والإذلال وغسيل الدماغ.

الحياة بروح ميتة

كيف نجوت من معسكرات "إعادة تعليم" الأويجور في الصين

جلبهار هايتيواجي ـ روزن مورجات



جلبهار هايتيواجي


قال الرجل عبر الهاتف إنه يعمل في شركة النفط، "في الحسابات، في واقع الأمر". بدا صوته غير مألوف لي. لم أفهم في البداية ما الذي يتصل بشأنه. كنا في نوفمبر سنة 2016، وكنت في إجازة بلا مرتب من الشركة منذ أن غادرت الصين وانتقلت إلى فرنسا قبل عشر سنوات. كان الاتصال مشوشا، فصعب عليّ أن أسمعه.

قال "عليك يا مدام هايتيواجي أن ترجعي إلى كَرَماي لتوقيع مستندات بخصوص تقاعدك الوشيك" وكَرَماي مدينة في مقاطعة شينجيان بغرب الصين كنت أعمل فيها بشركة النفط قبل أكثر من عشرين سنة.

قلت "في هذه الحالة أود أن أقوم بتوكيل محام. صديق لي في كَرَماي يتولى شؤوني الإدارية. ما الذي يجعلني أرجع من أجل بعض الأعمال الورقية؟ ما الذي يجعلني أقطع كل ذلك الطريق من أجل أمر تافه كهذا؟ لماذا الآن؟"

لم يملك الرجل إجابات لأسئلتي. كل ما قاله هو أنه سوف يعاود الاتصال بي خلال يومين بعد أن يبحث احتمال السماح لصديقي بالعمل بالنيابة عني.

كان زوجي كريم Kerim قد ترك شينجيانج سنة 2002 للبحث عن عمل. حاول أول ما حاول في كزاخستان، لكنه رجع بعد سنة وقد تحرر من أوهامه. ثم في النرويج. ثم في فرنسا حيث تقدم بطلب لجوء. وما كاد يستقر هناك حتى لحقنا به أنا وابنتانا.

كان كريم يعلم دائما أننا سوف نرحل عن شينجيانج. فالفكرة كانت مغروسة في ذهنه حتى قبل توظيفنا في شركة النفط. كنا قد التقينا ونحن طالبان في أورومكي، كبرى المدن في مقاطعة شينجيانج، وفور تخرجنا بدأنا البحث عن عمل. كان هذا في عام 1988. كنا نصادف في إعلانات الوظائف في الجرائد عبارة صغيرة مطبوعة بحروف صغيرة "على ألا يكونوا من الأويجور". لم ينس هذا قط. فيما كنت أحاول تجاهل دلائل التمييز الذي يلاحقنا في كل مكان، كان ذلك هاجسا يستولي على كريم.

بعد التخرج حصلنا على وظيفتين للعمل كمهندسين في شركة النفط بكرماي. حالفنا الحظ. لكننا واجهنا واقعة المظروف الأحمر. في السنة القمرية الجديدة، حينما وزع علينا المدير المكافآت السنوية، كانت المظاريف الحمراء المقدمة للأويجور تحتوي أقل مما تحتوي المظاريف المقدمة لزملائنا المنتمين إلى جماعة (الهان) العرقية الغالبة على الصين. وسرعان ما حدث بعد ذلك أن  نقل جميع الأويجور من المقر الرئيسي إلى ضواحي البلدة. اعترضت مجموعة صغيرة على ذلك، ولم أجرؤ أن أكون منها. وبعد شهور قليلة، حينما فرغ منصب رفيع، تقدم له كريم. كانت لديه المؤهلات اللازمة والأقدمية. ولم يكن من سبب لعدم حصوله على المنصب. ولكن المنصب كان من نصيب موظف ينتمي إلى الهان برغم أنه كان عاملا غير حاصل أصلا على شهادة في الهندسة. وذات ليلة رجع كريم إلى البيت وقال إنه استقال. قال "إنني اكتفيت".

كان ما يعاني منه زوجي شيئا شديد الشيوع. فمنذ عام 1955 حينما ضمت الصين الشيوعية شينجيانج بوصفها "منطقة حكم ذاتي"، بتنا نحن الأويجور نعد شوكة في جنب المملكة الوسطى [Middle Kingdom]. تمثل شينجيانج ممرا استراتيجيا ومن ثم فهي عظيمة القيمة لدى الحزب الشيوعي الحاكم في الصين لا يمكن أن يخاطر بفقدان السيطرة عليه. استثمر الحزب الكثير للغاية في "طريق الحرير الجديد"، وهو مشروع بنية أساسية مصمم للربط بين الصين وأوربا من خلال آسيا الوسطى التي تمثل منطقتنا محورا مهما فيها. فشينجيانج إذن تمثل عنصرا جوهريا في خطة الرئيس شي جينبينج الكبرى، ولكنها شينجيانج المسالمة المنفتحة أمام العمل الاقتصادي الخالية من النزعات الانفصالية والتوترات العرقية. أي أنها باختصار شينجيانج بلا أويجور.

هربت ببنتيَّ إلى فرنسا للحاق بزوجي في مايو 2006، قبل أن تدخل شينجيانج مرحلة غير مسبوقة من القمع. حصلت ابنتاي ـ البالغتان من العمر آنذاك ثلاث عشرة سنة وثماني سنوات ـ على وضعية اللجوء، شأن أبيهما. وفي معرض سعيه إلى اللجوء، قطع زوجي ما بينه وبين الماضي من أواصر. كان الحصول على جواز سفر فرنسي يعني عمليا تجرده من جنسيته الصينية. وبالنسبة إليَّ أنا، كان تغيير جواز سفري ينطوي على معنى رهيب هو ألا أتمكن من الرجوع أبدا إلى شينجيانج. كيف أقوى على أن أودِّع إلى الأبد جذوري، وأحبابي الذين تركتهم ورائي،  أعني أبويّ وإخوتي وأخواتي وأبنائهم؟ تخيلت أمي وقد مضت بها السنون إذ تحتضر وحيدة في قريتها في الجبال الشمالية. كان التخلي عن جنسيتي الصينية يعني التخلي عنها هي الأخرى. لم أستطع أن أحمل نفسي على ذلك. فتقدمت بدلا من ذلك بطلب للحصول على تصريح إقامة يجدَّد كل عشر سنوات.

بعد المكالمة الهاتفية، أخذ رأسي يطن بالأسئلة وأنا أتلفت حولي في غرفة المعيشة الهادئة بشقتنا في بولونيا. لماذا أراد ذلك الرجل أن أرجع إلى كرماي؟ أكانت مكيدة من الشرطة كي تستجوبني؟ لم يكن شيء من ذلك قد حدث لأحد من الأويجور الذين عرفتهم في فرنسا.

عاود الرجل الاتصال بعد يومين. "توكيل محام ليس ممكنا يا مدام هايتيواجي. عليك أن تحضري إلى كرماي شخصيا". استسلمت. لقد كان الأمر في النهاية يتعلق بمستندات قليلة.

قلت "حسن، سأحضر بأسرع ما أستطيع".

حينما أنهيت المكالمة، سرت رعشة في ظهري. كنت خائفة من الرجوع إلى شينجيانج. بذل كريم أقصى ما في وسعه لطمأنتي طوال يومين، لكن إحساسا سيئا ظل ينتابني حيال الأمر. في هذا الوقت من العام كانت مدينة كرماي تقع في قبضة الشتاء القاسي، فتعوي في جنبات المدينة هبات ريح ثلجية، مارّة بين المحلات والبيوت والعمارات، ولا يقوى على مواجهة عناصر الطبيعة إلا أشباح خفية محتمية بطبقات من الثياب، تكاد تلاصق الجدران، وفي ما عدا أولئك لا تقع العين على نفس. لكن أخشى ما كنت أخشاه هو الإجراءات التنظيمية متنامية الصرامة في شينجيانج، إذ كان كل من يطأ بقدمه خارج بيته يتعرض للاعتقال دونما سبب على الإطلاق.

لم يكن شيء من ذلك جديدا، ولكن الاستبداد بات أكثر سفورا منذ أعمال الشغب في أورومكي سنة 2009، وانفجار العنف الذي اندلع في المدينة بين الأويجور والهان، فأدى إلى وفاة 197 شخصا. كان ذلك الحدث بمثابة نقطة تحول في تاريخ المنطقة الحديث. فيما بعد سوف يلوم الحزب الشيوعي الجماعة العرقية كلها على تلك الأعمال الرهيبة، مبررا السياسات القمعية بزعمه أن بيوت الأويجور مفارخ للإسلام الراديكالي والنزعة الانفصالية.

شهد عام 2016 دخول لاعب جديد مهم في الصراع الطويل بين جماعتنا العرقية والحزب الشيوعي. إذ تم تعيين شين كوانجو ـ الذي اشتهر بفرضه إجراءات تجسس ورقابة رهيبة في التبت ـ حاكما لمحافظة شينجيانج. وبوصوله تصاعد قمع الأويجور تصاعدا دراماتيكيا. وتم إرسال الآلاف إلى "مدارس" أقيمت بين عشية وضحاها على حواف التجمعات السكانية الصحراوية. وعرفت تلك بمعسكرات "التحويل من خلال التعليم". وكان يتم إرسال المعتقلين إليها لغسيل أدمغتهم، ولما هو أسوأ.

لم أكن أريد الرجوع، لكنني برغم ذلك قررت أن كريم على حق: لم يكن من سبب يدعوني للقلق. فالرحلة لن تستغرق إلا أسابيع. طمأنني قائلا "مؤكد أنهم سوف يحققون معك، لكن لا تخافي. هذا طبيعي تماما".

***

بعد أيام قليلة هبطت بطائرة في الصين، في صباح الثلاثين من نوفمبر سنة 2016، وذهبت إلى مكتب شركة النفط لتوقيع المستندات المزعومة المتصلة بتقاعدي الوشيك. في المكتب ذي الجدران مقشورة الطلاء جلست مع المحاسب، وهو رجل من الهان صوته كريه، وسكرتيرته منكفئة على شاشة الكمبيوتر.

كانت المحطة التالية في قسم شرطة كونلون، على بعد عشر دقائق بالسيارة من مقر الشركة. في الطريق أعددت إجاباتي على الأسئلة المحتمل توجيهها إليَّ. حاولت أن أقوِّي نفسي. بعدما تركت متعلقاتي في مكتب الاستقبال، اقتادوني إلى غرفة ضيقة خالية من الناس: غرفة التحقيق. لم أكن قد دخلت غرفة كتلك من قبل. كانت طاولة تفصل مقعدي رجلي الشرطة عن مقعد لي. طنين المدفأة الهادئ، لوح أبيض غير حسن التنظيف، إضاءة شاحبة: تلك هي عناصر المشهد. تناقشنا في أسباب رحيلي إلى فرنسا، وعملي في مخبز وفي مقهى في منطقة لاديفنس التجارية في باريس.

مظاهرة للأويجور عند برج إيفل

ثم دفع ضابط صورة فوتغرافية أسفل أنفي. فار الدم في عروقي. كان وجها أعرفه معرفتي بوجهي ـ الوجنتان الممتلئتان، والأنف النحيل. كانت ابنتي جلهومار. تقف أمام ميدان تروكاديرو في باريس، ملفوفة في معطفها الأسود، المعطف الذي أعطيتها إياه. كانت تبتسم في الصورة، وفي يدها علم صغير لتركستان الشرقية الذي حظرته الحكومة الصينية. ذلك العلم لدي الأويجور يرمز إلى حركة استقلال المنطقة. التقطت الصورة في مظاهرة من المظاهرات التي نظمها الفرع الفرنسي من مؤتمر الأويجور العالمي الذي يمثل الأويجور في المنفى ويندد بالقمع الصيني في شينجيانج.

سواء أكنت مسيَّسا أم لم تكن، تمثل تلك التجمعات في فرنسا في المقام الأول فرصة لتلاقي الجالية، شأنها شأن أعياد الميلاد، والعيد Eid  ومهرجان النيروز في الربيع. يمكنك الذهاب للاحتجاج على القمع في شينجيانج، لكن بوسعك أيضا أن تفعل مثلما فعلت جلهومار وتذهب لمقابلة الأصدقاء والتواصل مع جالية المنفيين. في ذلك الوقت كان كريم كثيرا ما يحضر. وقد ذهبت البنتان معه مرة أو اثنتين. ولم أذهب قط. فلا ميل لديّ إلى السياسة. ومنذ رحلت عن شينجيانج، تناقص اهتمامي أكثر.

فجأة ضرب الضابط الطاولة بقبضته.

"تعرفينها، أليس كذلك؟"

"أعرفها، هي ابنتي".

"ابنتك إرهابية".

"لا. ولا أعرف لماذا كانت في المظاهرة".

ظللت أكرر. "لا أعرف. لا أعرف ماذا كانت تفعل هناك، لم تكن ترتكب أي خطأ، أقسم على هذا. ابنتي ليست إرهابية. ولا زوجي".

لا يمكنني أن أتذكر بقية التحقيق. كل ما أتذكره هو تلك الصورة، وتلك الأسئلة العدوانية، وإجاباتي غير المجدية. لا أعرف كم طال التحقيق. أتذكر فقط قولي عند نهايته في ضيق "هل يمكن أن أذهب الآن؟ هل انتهينا هنا؟" فقال أحدهما "لا يا جلبهار هايتيواجي، لم ننته بعد".

*

صورة يحتمل أنها لأويجوريين ينقلون مقيدين معصوبي الأعين في محطة قطار

"يمين. شمال. استرح". كنا أربعين في الغرفة، كلنا من النساء، مرتديات بجامات زرقاء، في فصل دراسي مستطيل الشكل متعذر الوصف، له باب معدني ضخم، فيه فتحات وثقوب صغيرة يدخل منها الضوء، ويخفي عنا العالم الخارجي. على مدار إحدى عشرة ساعة في اليوم كان العالم يتقلص إلى هذه الغرفة. لأحذيتنا الخفيفة صرير على الأرضية المغطاة بالمشمع. جنديان من الهان يرقبان الوقت بينما نسير سيرا منتظما ذهابا وإيابا داخل الفصل. هذا ما كان يسمى "التعليم البدني". والحقيقة أنه بمثابة تدريب عسكري.

كانت أجسامنا المنهكة تتحرك في الحيز حركة موحدة، إلى الأمام وإلى الخلف، ومن جنب إلى جنب، ومن ركن إلى ركن. وكلما صاح الحارس بلغة المندرين "استرح" توقفت في جمود فصيلتنا الصغيرة نحن الأسيرات. كان يأمرنا بالسكون، فقد يستمر هذا لنصف ساعة، وكثيرا ما يستمر لساعة، بل وأكثر. وكلما حدث ذلك، استشرى وخز في سيقاننا كوخز الإبر والدبابيس، وإذا بأجسامنا تكافح، وهي لم تزل ساخنة ومتعبة، لكي لا تتهاوى في الحرارة الرطبة. كنا نشم رائحة أنفاسنا الكريهة، ونلهث لهاث الماشية، وفي بعض الأحيان، تسقط واحدة منا أو أخرى مغشيا عليها. فإن لم تفق من تلقاء نفسها، يسحبها الحارس حتى يوقفها على قدميها ويصفعها إلى أن تفيق. فإن انهارت من جديد جرَّها جرًّا خارج الغرفة ولا نراها بعد ذلك مرة أخرى. مطلقا. في البداية كان هذا يصدمني، لكنني الآن اعتدته. والمرء قادر على اعتياد أي شيء، حتى الرعب.

***

صرنا الآن في يونيو من عام 2017، وقد مرت ثلاثة أيام على وجودي في المكان. بعد قرابة خمسة شهور في زنازين شرطة كرماي، بين تحقيقات وانتهاكات، وفي إحدى المراحل قيِّدت في سريري لعشرين يوما على سبيل العقاب، وإن لم أعرف قط ما الجرم الذي استوجب ذلك العقاب، فقط قيل لي إنني سوف ألتحق بـ"المدرسة". لم أكن سمعت من قبل مطلقا بتلك المدارس الغامضة، أو المناهج التي تقدمها. قيل لي إن الحكومة بنتها لـ"تصحيح" الأويجور. وقالت النسوة اللاتي شاركنني زنزانتي إنها كأي مدرسة طبيعة، والمعلمون من الهان. قالت إحداهن إن التلاميذ فور أن ينجحوا يصبحون أحرارا في الرجوع إلى البيوت.

كانت هذه المدرسة في مقاطعة بايجيانتان على أطراف كرماي. بعدما غادرت سجن الشرطة، كانت هذه هي جميع المعلومات التي تمكنت من استخلاصها، من لافتة عالقة في حفرة جافة تناثرت حولها أكياس بلاستيكية خاوية. بدا أن التدريب يستمر لأسبوعين. بعدها تبدأ الحصص النظرية. لم أعرف كيف سأتمكن من الصمود. كيف لم أتعرض بالفعل للانهيار؟ كانت بايجيانتان أرضا خرابا تقوم فيها ثلاثة مبان، كل واحد بحجم مطار صغير. ومن وراء سياج السلك الشائك لم يكن يرى حتى نهاية مدى البصر إلا الصحراء.

في يومي الأول اقتادتني حارسات إلى عنبر مليء بأسرَّة لا تعدو ألواحا خشبية مرقومة. كانت هناك امرأة بالفعل، هي (نادرة)، على اللوح رقم 8، ومنحت أنا اللوح رقم 9.

أرتني نادرة العنبر الذي كانت تفوح منه رائحة الطلاء الحديث المخدرة: الدلو الذي تقضي فيه حاجتك، وقد ركلتْه بغضب، الشباك ذا المصراع المعدني المغلق على الدوام، الكاميرتين اللتين لا تكفان عن مسح الغرفة ذهابا وإيابا من زاويتين مرتفعتين. ولا شيء آخر. لا حشايا. لا أثاث. لا ورق حمام. لا ملاءات. لا حوض. وليس سوانا نحن الاثنتين في العتمة ودوي أبواب الزنزانة الحديدية الثقيلة إذ توصد في عنف.

أحد أبنية شينجيانج التي يعتقد أنها معسكرات لتعليم الأوبجور

لم تكن مدرسة. كانت معسكرا لإعادة التعليم، قواعده عسكرية، وهدفه الواضح هو  كسر نفوسنا. كان الصمت إلزاميا، ولكننا بإنهاكنا جسديا حتى أقصى حد، لم نكن نشعر أصلا بالرغبة في الكلام. بمرور الوقت، تناقصت حواراتنا. وكنت العلامات في أيامنا هي صافرات الاستيقاظ، والوجبات، والنوم. تابعتنتا أعين الحرس طيلة الوقت، فلم يكن من سبيل للهرب من مراقبتهم، أو سبيل للهمس، أو مسح الفم، أو التثاؤب خشية الاتهام بالدعاء أو بالصلاة. وكان رفض الطعام مخالفا للقواعد، خشية الاتهام بـ"الإرهاب الإسلامي". وكان الحرس يزعمون أن طعامنا "حلال".

في الليل كنت أنهار على لوحي في ذهول، وقد فقدت أي إحساس بالزمن. لم تكن هناك ساعة. كنت أخمن في أي ساعة أنا من اليوم من شدة البرودة أو الحرارة. وكان الحرس يخيفونني. لم نر نور النهار منذ وصولنا، فالشبابيك كلها محجوبة وراء تلك المصاريع المعدنية اللعينة. وبرغم وعد أحد الشرطيين لي بأنني سوف أحصل على هاتف، فإن ذلك لم يتم. من كان يعرف أنني محتجزة هنا؟ هل تم إبلاغ أختي، أو كريم، أو جلهومار؟ كان كابوسا معيشا. وفي ظل نظرة كاميرات الأمن الجامدة لم يتسن لي أن أفضي بما في نفسي لزميلاتي المعتقلات. تعبت، هدني التعب. لم أعد حتى قادرة على التفكير.

كان المعسكر متاهة يقودنا في جنباتها الحرس مجموعات مقسمة حسب العنبر. فلكي نذهب إلى الاستحمام، أو المرحاض، أو الفصل، أو المقصف، كانوا يقتادوننا عبر سلسلة لا تنتهي من الطرقات المضاءة بالفورسنت. حتى لحظة واحدة من الخصوصية كانت مستحيلة. في كلا طرفي أي ممر كانت أبواب أمن أوتوماتيكية تغلق طرقات المتاهة كأنها سدادات دون الهواء. وكان شيء واحد هو المؤكد، وهو أن كل شيء هنا جديد. ورائحة الطلاء الجديد المنبعثة من جدران ناصعة النظافة تذكرة دائمة بذلك. بدا المكان وكأنه مبنى مصنع (وسأعرف لاحقا أنه مجمع شرطي أعيدت هيكلته) لكنني لم أكن أعرف بعد حجمه.

بسبب عدد الحرس الهائل، والسجينات الأخريات اللاتي كنا نمر بهن عند نقلنا في المكان، تصورت أن المعسكر هائل. كنت في كل يوم أرى وجوها جديدة، أشبه بوجوه الزومبي، بانتفاخات أسفل العيون. منذ نهاية اليوم الأول، كنا سبع نزيلات في زنزانتنا، وبعد ثلاثة أيام كنا اثنتي عشرة. حسبة سريعة: أحصيت ست عشرة زنزانة، منها زنزانتي، في كل واحدة اثنا عشر لوحا، ممتلئا ... هذا يعني قرابة مئتي معتقلة في بايجيانتان. مئتا امرأة مقطوعة الصلات بأسرهن. مئتا حياة أسيرة حتى إشعار آخر. وظل المعسكر يمتلئ.

كان يمكن تمييز الوافدات الجديدة من وجوههن الذاهلة، ومحاولة أعينهن أن تلتقي بأعيننا في الطرقات. القديمات في المكان كن يطأطئن ناظرات إلى أقدامهن. يسرن متقاربات، سير الروبوتات. يسارعن إلى تنفيذ أمر الانتباه دون أن ترمش أعينهن فور أن تأمرهن صافرة بذلك. وَيْلي، كيف أمكن حملهن على أن يصرن كذلك؟

***

كنت أتصور أن الحصص النظرية ستوفر لنا نزرا من الراحة من التدريب البدني، فإذا بها أسوأ. كان المعلمة ترقبنا دائما، وتصفعنا كلما سنحت لها الفرصة. ذات يوم رأيت زميلة في الفصل، هي امرأة في الستينيات من العمر، تغمض، من فرط الإنهاك أو الخوف بلا شك. فهوت المعلمة على وجهها بصفعة قاسية. "أتحسبيني لا أرى أن إغماضك هذا للدعاء؟ سوف تتعرضين للعقاب". وجرَّها الحرس بعنف من الغرفة. بعد ساعة رجعت وقد كتبت شيئا: نقدا ذاتيا. جعلتها المعلمة تقرأه علينا. فأطاعت، ممتقعة الوجه، ثم عادت إلى الجلوس. كل ما فعلته تلك المرأة أنها أغمضت.

بعد أيام قليلة عرفت ما يعنيه الناس بـ"غسيل الدماغ". في صباح كل يوم كانت معلمة من الأويجور تأتي إلى فصلنا الصامت. هي امرأة منا، من عرقنا نفسه، تعلمنا كيف نكون صينيين. كانت تعاملنا معاملة مواطنين ضالين تحتَّم على الحزب أن يعيد تعليمهن. وكنت أفكر فيها، وكيف ترى هي كل هذا. أكانت تفكر فيه أصلا؟ من أين هي؟ كيف انتهى بها المطاف إلى هذا المكان؟ هل تمت إعادة تعليمها هي الأخرى قبل أن تلتحق بهذا العمل؟

بإشارة منها، وقفنا جميعا وقفة شخص واحد. "لاو شي هاو!". تلك تحية للمعلمة تستهل إحدى عشرة ساعة من التعليم اليومي. نتلو ما يشبه تعهدا بالولاء للصين: "شكرا لبلدنا العظيم. شكرا لحزبنا. شكرا لرئيسنا العزيز شي جينبينج". وفي المساء كان الدرس ينتهي بنسخة مماثلة: "أرجو لبلدي العظيم أن ينمو، أرجو له مستقبلا مشرقا. أرجو للأعراق جميعا أن تكون أمة عظيمة واحدة. أرجو دوام الصحة للرئيس شي جينبينج. يحيا الرئيس شي جينبينج".

ملتصقين بكراسينا كنا نكرر دروسنا تكرار الببغاوات. علَّمونا تاريخ الصين المجيد في نسخة معقّمة مطهرة من الانتهاكات. على غلاف الكتيب الذي تسلمناه منهم كتبت كلمات "برنامج إعادة التعليم"، ولم يكن الكتيب يحتوي غير قصص الأسرات الحاكمة القوية وفتوحاتها الجليلة، ومنجزات الحزب الشيوعي العظيمة. كان أكثر تسييسا وتحيزا من التعليم في الجامعات الصينية نفسها. وكان في أيامي الأولى يحملني على الضحك. أيتصورون حقا أنهم قادرون على كسرنا بهذه الصفحات القليلة من الدعاية؟

لكن مع مضيِّ الأيام، حلّ التعب حلول عدو قديم. تعبت حقا، وإذا بعزيمتي على المقاومة تخمد إلى الأبد. حاولت ألا أستسلم، لكن المدرسة مضت تغلبني. وتضغط على أجسامنا المكدودة. فكان هذا إذن هو غسيل الدماغ ـ قضاء أيام كاملة في تكرار العبارات الحمقاء نفسها. بل وكان لزاما علينا، وكأن ذلك كله غير كاف، أن نقضي ساعة في مذاكرة إضافية بعد العشاء وقبل الذهاب إلى النوم، نراجع خلالها لمرة أخيرة دروسنا المكررة بلا نهاية. وفي كل يوم جمعة يمتحنوننا امتحانين، شفويا وتحريريا. فكنا، واحدة بعد الأخرى، وتحت أعين قيادات معسكرنا اليقظة، نجتر الطبيخ الشيوعي الذي أتخمونا به.

وبهذه الطريقة أصبحت ذاكرة المدى القصير لدينا أعظم حلفائنا وألد أعدائنا. مكَّنتنا من استيعاب واجترار أسفار من التاريخ وإعلانات المواطنة والولاء، عسى أن نجتنب المهانة العلنية التي لا يبخل بها المعلمون. لكنها في الوقت نفسه أضعفت ملكاتنا النقدية. أزاحت الذكريات والأفكار التي تربطنا بالحياة. بعد فترة لم يعد بوسعي أن أستحضر بوضوح وجوه كريم وابنتيّ. كنا نعمل إلى أن لا نعدو أكثر من بهائم بليدة. ولم يقل لنا أحد إلى متى سيدوم هذا.

***

كيف لي أن أبدأ قصة ما جرى في شينجيانج؟ كيف أحكي لأحبائي أنني عشت تحت رحمة عنف الشرطة، بل وتحت رحمة عنف أشخاص مثلي من الأويجور، لأن المكانة التي أضفتها عليهم أزياؤهم الرسمية مكنتهم أن يفعلوا فينا، في اجسامنا وفي أرواحنا، ما يشاءون؟ قصة الرجال والنساء ممن غسلت أدمغتهم حتى النخاع ـ والروبوتات منزوعة الإنسانية، إذ تنفذ الأوامر في حماس، والموظفين التافين العاملين في ظل نظام يدان فيه من لا يدين الآخرين، وينزل العقاب على من يرفض إنزال العقاب بالآخرين. مقتنعين أننا أعداء لا بد من هزيمتنا، وخونة وإرهابيون، سلبونا حريتنا. حبسونا حبس البهائم في مكان معزول عن بقية العالم، وعن الزمن، في معسكرات.

في معسكرات "التحويل من خلال االتعليم"، لا تعني الحياة والموت مثلما تعنيانه في غير تلك الأماكن. فكرت مئة مرة كلما سمعت وقع أقدام الحرس وهم يوقظوننا بالليل أن ساعة إعدامنا حانت. وكلما دفعت يدان المقص بقسوة في جمجمتي، واختطفت أياد أخرى خصلات الشعر الواقعة على كتفي، كنت أغمض عيني الغائمتين بالدموع وأفكر أن نهايتي اقتربت، وأنهم يجهزونني للمقصلة، أو الكرسي الكهربائي، أو الإغراق. كان الموت كامنا لي في كل ركن. فحينما أمسكت الممرضات ذراعي لـ"تطعيمي"، فكرت أنهم يسممونني. وواقع الأمر أنهم كانوا يحقوننا بما يصيبنا بالعقم. وإذ ذاك فهمت منهج المعسكرات، والاستراتيجية التي تنفذها: لا قتلنا بأيد باردة، بل دفعنا إلى الاختفاء ببطء. ببطء شديد فلا يلحظ اختفاءنا أحد.

أمرونا بالتنكر لهوياتنا. بالبصق على تقاليدنا ومعتقداتنا. بانتقاد لغتنا. بإهانة شعبنا. أمثالنا من النساء اللاتي خرجن من المعسكرات غير قادرات الآن على تذكر من كانوهن من قبل. ما نحن غير ظلال، ماتت أرواحنا. جعلوني أصدق أن أحبابي، زوجي وابنتيَّ، إرهابيون. بت شديدة البعد، شديدة الوحدة، شديدة الإنهاك والاغتراب، فصدقت كل ذلك. أنت يا زوجي كريم، وأنتما يا ابنتي جلهومار وجولنيجار، إنني أدين "جرائمكم". توسلت إلى الحزب أن يغفر لي جرائم وحشية لا أنتم ارتكبتموها ولا أنا ارتكبتها. إنني نادمة على كل ما قلته فأساء إليكم. أنا اليوم حية، وأريد أن أعلن الحقيقة. لا أعرف إن كنتم سوف تقبلونني، لا أعرف إن كنتم ستسامحونني.

كيف أبدأ لكم حكاية ما جرى هنا؟

***

احتجزت في بايجيانتان سنتين. وفي تلك الفترة، حاول جميع من حولي ـ من ضباط الشرطة الذين كانوا يأتون للتحقيق مع السجينات إلى الحرس إلى المعلمين والأساتذة ـ أن يحملوني على الإيمان بالكذبة الكبرى التي لا يمكن أن تبرر الصين مشروع إعادة التعليم برمته إلا بها: وهي أن الأويجور إرهابيون، ومن ثم أكون أنا، جلبهار، بوصفي من الأويجور، المقيمة في المنفى بفرنسا منذ عشر سنين، إرهابية. تتالت عليَّ موجات البروباجندا واحدة إثر الأخرى، وفيما أخذت اللحظات تمضي، بدأت أفقد بعضا من سلامة عقلي. تناثر فتات من روحي التي تحطمت وانهارت ولا أمل لي في استعادتها.

خلال تحقيقات الشرطة العنيفة، كانت تغلبني اللطمات، حتى أنني كنت أقدم اعترافات مكذوبة. نجحوا في إقناعي بأنني فور الاعتراف بجرائمي، سوف يتسنى لي الرحيل. منهكةً، كنت أستسلم في النهاية. لم يكن لي خيار آخر. ليس بوسع أحد أن يحارب نفسه إلى الأبد. ومهما تقاوم بلا كلل معركة غسيل الدماغ، فإنه ينجز عمله الآثم. تهجرك كل رغبة وكل حماس. وما الذي يتبقى لك من خيارات؟ انحدار بطيء وموجع إلى الموت، أو الخضوع. إذا تظاهرت بالخضوع، وادعيت أنك فقدت قدرتك النفسية أمام الشرطة، فإنك على الأقل، وبالرغم من كل شيء، تتمسك في كِسرة من الصفاء تذكر نفسك من خلالها بنفسك.

لم أصدق كلمة مما كنت أقوله لهم. بذلت أقصى ما في وسعي لأبرع في التمثيل.

في الثاني من أغسطس سنة 2019، وبعد محاكمة قصيرة، أمام جمهور من قلة من الناس، أعلت قاض من كرماي براءتي. لم أسمع كلماته بوضوح. أصغيت إلى الجملة كأنما لا شأن لي بها. كنت أفكر في المرات الكثيرة التي أكدت لهم فيها براءتي، وكل تلك الليالي التي تقلبت فيها على لوحي، والغضب يستعر بداخلي لأنني لا أجد من يصدقني. وكنت أفكر في كل تلك المرات التي اعترفت فيها بما اتهموني به، كل تلك الاعترافات الزائفة، كل تلك الأكاذيب.

كانوا قد حكموا عليّ بسبع سنوات في إعادة التعليم. عذبوا جسمي ودفعوا عقلي حتى حافة الجنون. والآن بعد النظر في قضيتي رأى قاض أنني في واقع الأمر بريئة. وأنني حرة، ويمكن أن أذهب.

 

هذه المادة مأخوذة ومحررة من كتاب (Rescapée du Goulag Chinois) أو [الناجية من الجولاج الصيني] للكاتبة جلبهار هايتيواجي وروزن مورجات الصادر عن دار (Editions des Equateurs)

 

تم تغيير بعض الأسماء.

 

تمت الترجمة إلى الإنجليزية بقلم إدوارد جاوفين ونشرت في جريدة جارديان البريطانية في 12 يناير 2021

نشرت الترجمة في جريدة عمان فبراير 2021


مظاهرة للأويجور عند برج إيفل

جلبهار هايتيواجي