الأحد، 11 مايو، 2008

ثائر بالصدفة



كانت سنة السنين، سنة الجنون، سنة النار، والدم، والموت. وكنت قد بلغت لتوي الحادية والعشرين، وكان بي من الجنون مثل ما بالجميع.
كان نصف مليون جندي أمريكي في فييتنام، ودم اغتيال مارتن لوثر كنج لم يجف بعد، والمدن تحترق في طول أمريكا وعرضها، والعالم فيما يبدو مشرف على نهاية العالم.
دهمني الجنون كرد فعل منطقي على ورق اللعب الذي تم توزيعه عليّ، وهو نفس الورق الذي تم توزيعه على جميع الشباب في عام 1968. فلحظة أن أنهي دراستي الجامعية، سيتم تجنيدي لخوض حرب كنت أزدريها من كل قلبي، وكنت قد عزمت أمري على رفض خوض تلك الحرب، فعرفت أن مستقبلي لا يحمل لي إلا واحدا من خيارين: السجن أو النفي.
لم أكن شخصا عنيفا. أستعيد الآن تلك الأيام فأجد نفسي شابا هادئا متعلقا بالكتب، مجاهدا نفسي لأتعلم كيف أصبح كاتبا، منغمسا في مناهج الأدب والفلسفة في جامعة كولومبيا. كنت بالطبع قد شاركت في مظاهرات ضد حرب فييتنام، لكنني لم أكن عضوا في أي منظمة سياسية داخل الحرم الجامعي. كنت متعاطفا مع أهداف إس دي إس (وهي إحدى الجماعات الطلابية العديدة المتطرفة، لكنها ليست الأكثر تطرفا بينها على أية حال) ولكنني لم أحضر اجتماعاتها قط، ولم أقم بتوزيع منشوراتها. كنت أريد فقط أن أقرأ كتبي وأكتب قصائدي وأشرب مع أصدقائي في حانة ويست إند.
منذ أربعين عاما بالضبط، أقيمت مسيرة احتجاجية في حرم جامعة كولومبيا. لم يكن للموضوع علاقة بالحرب، بل بصالة جمنازيوم كانت الجامعة تعتزم إقامتها في حديقة مورننجسايد، وكانت الحديقة ملكية عامة، ولأن كولومبيا كانت تنوي إقامة مدخل خاص لسكان الحي (وأغلبهم من السود)، فقد عُدَّت خطة البناء ظالمة وعنصرية. وكنت أتفق مع هذا التقدير، ولكنني لم أشارك في المسيرة بسبب الجيم.
بل ذهبت لأنني كنت مجنونا، مجنونا بحرب فييتنام التي كانت تسمم صدري، وبسبب مئات الطلبة الذين تجمعوا حول الساعة الشمسية القائمة وسط الحرم الجامعي في عصر ذلك اليوم لا ليحتجوا على بناء الجيم بقدر ما كانوا ينفسون عن جنونهم، بلعنهم شيئا، أي شيء، وبما أننا كنا جميعا طلبة في كولومبيا، فلم لا نلقي الحجارة على كولومبيا وهي الجامعة المنخرطة في المشاريع البحثية المربحة التي ينفذون التي ينفذونها لحساب متعهدي الحرب فتساهم بذلك في جهود حرب فييتنام.
خطبة عاصفة تلو خطبة عاصفة، والحشد الغاضب يهدر بالاستحسان، وإذا بأحدهم يقترح أن نذهب جميعا إلى موقع البناء فنمزق السياج المسلسل الذي أقيم لإبعاد المارة. ورآها الحشد فكرة ممتازة، فانطلق الجميع من فورهم، موجة من الجنون، والطلبة الصارخين الخارجين من حرم كولومبيا قاصدين حديقة مورننجسايد. والمدهش لي كثيرا أنني بقيت بينهم. ما بال الصبي الوديع الذي رسم لبقية حياته أن يقضيها جالسا وحده في غرفة يؤلف الكتب؟ لقد كان يساعد في تمزيق السياج. لقد كان يشد ويجذب ويدفع شأنه شأن عشرات غيره، وللحق، لقد أشبعه كثيرا ذلك الفعل الجنوني التدميري.
بعد هياج الحديقة، حلت العاصفة بمباني الجامعة، فتم احتلالها واحتجازها لمدة أسبوع. وانتهيت أنا إلى قاعة الرياضيات التي قضيت فيها مدة الاعتصام. كان طلبة كولمبيا مضربين.
وفي حين كنا نعقد اجتماعاتنا بالداخل في هدوء، كان الحرم الجامعي يعج بصيحات متحاربة ولكمات متبادلة إذ انقلب المناصرون للإضراب والمناهضون له على بعضهم البعض في حماسة جارفة. وبحلول ليلة الثلاثين من ابريل، كانت إدارة جامعة كولومبيا قد فاض بها الكيل، وتم استدعاء الشرطة. فكان أن وقع شغب دموي. وضمن سبعمائة شخصا، اعتقلت، شدني ضابط من شعري إلى شاحنة الشرطة، بينما كان آخر يتثاقل وهو يطأ يدي بحذائه العسكري. ولا ندم. بل فخر بأدائي نصيبي من أجل القضية. جنون، وفخر.
ما الذي حققناه؟ ليس كثيرا على أي مستوى. صحيح أن مشروع الجمنازيوم لقي حتفه، ولكن القضية الحقيقية كانت حرب فييتنام التي استمرت لسبع سنوات رهيبة أخرى. فليس بوسعكم تغيير سياسة حكومة بمهاجمة مؤسسة خاصة. وعندما ثار الطلبة الفرنسيون في مايو من سنة السنوات تلك، كانوا يواجهون الحكومة الوطنية مواجهة مباشرة، وذلك لأن جامعاتهم كانت عامة، وخاضعة لوزارة التعليم، وما فعلوه كان فاتحة التغيير في الحياة الفرنسية. أما نحن في كولومبيا فكنا بلا حول ولا قوة، ولم تكن ثورتنا الصغيرة إلا إشارة رمزية. ولكن الإشارات الرمزية ليس إشارات فارغة، وفي سياق طبيعة ذلك الوقت، فقد فعلنا ما كان بوسعنا.
وإنني أحجم عن عقد مقارنة مع الحاضر، ولذلك لن أنهي هذه الكتابة التذكرية بكلمة "العراق". أنا الآن في الحادية والستين من عمري، ولكن تفكيري لم يتغير كثيرا منذ سنة النار والدم تلك، وفيما أجلس وحدي في هذه الغرفة وقلمي في يدي، أدرك أنني لم أزل مجنونا، بل لعلي أكثر جنونا من أي وقت مضى.
بول أوستر، روائي أمريكي، يصدر له قريبا "رجل في العتمة".
عن نيويورك تايمز