الجمعة، 20 يوليو 2018

مصر صانعة الملوك في الشرق الأوسط الجديد


بوصفها بلدا يواجه أزمة في الاقتصاد والأمن والمكانة، تحتاج مصر أن تعود بسرعة إلى الاستقرار الداخلي والزعامة في العالم العربي. والوساطة من أجل إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قد ترجع المصريين من الحافة إلى صدارة شرق أوسط جديد. وقد يكون الرئيس عبدالفتاح السيسي هو الرجل الذي يحقق ذلك، وقد يكون المكان الذي يفعل فيه ذلك هو 10% من شبه جزيرة سيناء.
مصر صانعة الملوك في الشرق الأوسط الجديد
بقلم: الجنرال (المتقاعد) عامير آفيفي ـ بنيامين أنطوني


موقع ـ Y Net في 20 يوليو 2018

    
على مدار السنة الماضية، ومع العديد من خبراء الأمن الإسرائيليين المتقاعدين، كتبنا وتكلمنا عن الحاجة إلى نقلة باتجاه نموذج جديد لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتجاوز الوضع الراهن. فدعونا إلى إقامة دولة فلسطينية حرة مستقلة ذات سيادة في غزة بالإضافة إلى جزء من أراضي القسم الشمالي الساحلي في شبه جزيرة سيناء.
إننا نؤمن إيمانا أكيدا بهذه الخطة المعروفة بحل الدولة الجديدة New State Solution ، ونرى أن وقتها قد حان.
ويمكن الاطلاع على عرض لهذه الخطة من خلال الرابط التالي.
لقد أثارت الأحداث الراهنة في غزة رغبة لدى الولايات المتحدة في إيجاد حل للأزمة الإنسانية الوشيكة هناك، وأثمرت عن بيانات من الخارجية الأمريكية أكثر تركيزا على غزة منها على الضفة الغربية.
ومن واقع خبرتنا، فإن أكثر الأسئلة شيوعا ـ عند تقديم حل الدولة الجديدة ـ هو السؤال المتعلق بالسبب الذي يجعل مصر ترضى بتوسع غزاوي في جزء من شمال سيناء يمثل تقريبا عشرة في المئة من شبه الجزيرة.
الإجابة هي أن مصر لديها الكثير من المصالح الجوهرية المتداخلة مع حل الدولة الجديدة، وأكثرها إلحاحا ينبع من الأعمدة الثلاثة المحورية: وهي الاقتصاد والأمن والمكانة سواء داخل العالم العربي أو خارجه.
فخاخ الخبراء
قبل المضي إلى مزيد من التحديد، يجدر بنا جميعا النظر في الوتيرة المتزايدة التي نشهد بها فشل من يعرفون بالخبراء في التنبؤ بالقرارات التي يتخذها قادة العالم.
وانظروا فحسب إلى كمِّ الخبراء الذي فشلوا في التنبؤ بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي أو استشراف الهدوء المفاجئ ـ برغم هشاشته ـ بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. إذ تبيِّن دهشة المعلقين حجم الحيرة التي توقعهم فيها العناوين في صباح أيِّ يوم.
وليس غياب التنبؤ الدقيق بالأمر الجديد. ففي عام 1906، ومع بدء الإمبراطورية العثمانية في الانهيار، بعثت بريطانيا العظمى ـ وكانت آنذاك قوة عالمية صاعدة ـ سفينتين حربيتين إلى المنطقة وأخبرت العثمانيين أن شبه جزيرة سيناء اعتبارا من تلك اللحظة تخص بريطانيا.
وبعد مفاوضات قصيرة، تنازل العثمانيون عن كامل شبه الجزيرة للبريطانيين بدون طلقة رصاص واحدة. وما كان بوسع أحد أن يستشرف حدوث ذلك. لكنه حدث.
ليس بوسع الخبراء إلا النظر إلى الماضي، وأغلبهم بصيرته محدودة تماما في ما يتعلق بالمستقبل.
المصالح ـ لا الأقوال ـ هي المحك
يتواتر خطأ الظن بأن الأولوية تنصب على المواقف الثابتة لأي رئيس دولة، على حساب المصالح الجوهرية التي تخصه أو تخص الشعب الذي يمثله.
ولما لم يكن الاثنان [أي المواقف الثابتة والمصالح الجوهرية] متطابقين دائما، فخير لنا جميعا أن نقلب ذلك الوضع، ونزداد تركيزا على المصالح لا على الأقوال. وبقيامنا بذلك نرسم طريقا أكثر ثقة للتنبؤ بالأحداث الدولية وفهمها.
على مدار السنوات القليلة الماضية، وقعت تحولات جيوسياسية استثنائية في منطقتنا وفي العالم. انهار كثير من دول الشرق الأوسط وثمة إحساس واضح بعدم الاستقرار والخوف لدى كثير من دول المنطقة التي لم تزل قائمة.
من ناحية الأمن، تحول تركيز العالم العربي السني لينصب ـ بسبب المخاوف الضاغطة ـ على بقاء حكمهم في مواجهة خطر ذي شعبتين من إيران في جانب ومن العناصر السنية المتطرفة في جانب آخر.
ومن الناحية الاقتصادية، لا يقل خوف هذه الدول من تداعيات الاضطراب والانهيار في سعر النفط، بجانب تحديات العثور على بدائل للنمو الاقتصادي خارج سياق اقتصاد الوقود الحفري.
التحدي المصري: الاقتصاد والأمن والمكانة
في حالة مصر على وجه الخصوص، نرى أمامنا بلدا له تاريخ يمتد في الماضي إلى آلاف السنين. وبوصفها أكبر بلاد العالم العربي، بعدد سكان يتجاوز المئة مليون نسمة، فإن فيها قرابة ربع سكان العالم العربي كله.
لكنها بدلا من أن تتزعم المنطقة، تعاني تحديات كبرى. فالاقتصاد هش والحكومة المصرية تجتهد طيلة الوقت لزيادة المعروض من الغذاء لسكانها. ويعاني ملايين المصريين كل يوم من سؤال عن كيفية التمكن من إطعام أسرهم. وفي حين تبذل الحكومة أقصى ما في وسعها لتحسين الوضع، تظل الدولة المصرية شديدة الاعتماد على الديون الخارجية في توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. ولو حدث لأي سبب أن انهار الاقتصاد المصري فالأرض الخصبة قائمة لمزيد من توسع التطرف.
والاعتبارات المائية لا تقل إلحاحا. فعما قريب سوف تقل إمدادات مياه الشرب بدرجة كبيرة بسبب إنشاء رابع أضخم سدود العالم على منابع نهر النيل في الأراضي الإثيوبية.
بجانب تلك التحديات الاقتصادية، تواجه مصر أخطارا أمنية دراماتيكية، منها وجود داعش لا في سيناء وحدها، بل وعلى الحدود مع ليبيا أيضا. ويستوجب تهريب السلاح إلى مصر والعناصر المتطرفة من الحدود السودانية التزاما كبيرا ودائما من القوات للسيطرة على تلك الحدود بالغة الطول. فالبلد يواجه صراعا من جميع الاتجاهات.
مصر مرغمة أن تواجه حماس في غزة فهي تتعاون مع العناصر المتطرفة في سيناء وترتبط ارتباطا عقائديا قويا بجماعة الإخوان المسلمين المصرية التي لم يتم الإطاحة بها من حكم مصر إلا حديثا. ولا يزال خطر الإخوان المسلمين يخيم بقوة على مصر بنفوذها الدائم على ما يقارب ثلاثين في المئة من الشعب المصري.
وفي حين كان المصريون ذات يوم قادة العالم العربي الذين لا ينازعهم في زعامتهم أحد، فلن يغيب عن فطنتهم أن الرئيس أوباما بدأ أولى رحلاته إلى المنطقة من القاهرة  في 2009، في حين استهل الرئيس دونالد ترامب رحلته إلى الشرق الأوسط في عام 2017 بزيارة الرياض. إذ يبدو أن أقطاب النفوذ في العالم العربي تتغيّر.
في حين يحتمل أن يكون الرئيس السيسي هو الشخص الأكثر جدارة بمواجهة هذه التحديات، فإن العقبات أمامه هائلة. ومصر بحاجة إلى شيء دراماتيكي لضمان مستقبل أكثر بريقا لشعبها.
إن رهانات اللعبة مرتفعة. ولنجاح مصر أو فشلها تداعيات عالمية. فبسبب الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس التي تربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي، تمثل مصر صلة حاسمة في التجارة العالمية.
إن العالم بحاجة إلى استقرار مصر. ولكن مصر كي تستقر تحتاج إلى تدخل العالم ومساعدته، والعالم في الوقت الراهن يركز على مناطق أخرى فيها أزمات عالمية أخرى.
فرص مصر: الاقتصاد والأمن والمكانة
من الناحية الاقتصادية، من شأن حلِّ الدولة الجديدة أن يوفر استثمارات البنية الأساسية الهائلة التي تحتاج إليها مصر، وكذلك فرص العمل اللازمة لمئات الآلاف من الغزاوية وبدو المنطقة الذين قد يستفيدون من برامج العمل الفورية التي ستوفرها إقامة الدولة الجديدة.
ستكون مصر مستفيدا من الاستثمار العالمي الهائل من خلال مبادرات الشراكات العامة والخاصة التي سوف يقدمها المجتمع الدولي المتلهف على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وعلى سبيل التعويض عن الخطوة الشجاعة التي تتخذها مصر بتخصيص قرابة عشرة في المئة من شبه الجزيرة للدولة الجديدة (وهي قطعة أرض لا تقل عن قطاع غزة ويهودا والسامرة مجتمعين) سوف تتلقى مصر دعما أمنيا عالميا لتنظيف شبه الجزيرة من العناصر الإرهابية وإعادة تعزيز حدودها السابق ذكرها في مواجهة الأخطار المتزايدة.
ستوفر الدولة الجديدة بديلا مهما يجذب الشباب بدلا من التطرف، في ظل تقديم إسرائيل وغيرها إسهامات لهذا المشروع الملح والحاسم.
وبوصفها صانعة الملوك في عملية السلام الجديدة، ستسترد مصر ـ كدولة مانحة ـ مكانها في القلب من الزعامة الإقليمية بل والعالمية. ولو أحكمت هذه الخطة على النحو الواجب، بدعم مصري وعالمي، فبوسعها أن تحقق مكتسبات مشتركة وسريعة لجميع الأطراف المعنية.
إن الاقتصاد والأمن والمكانة هي المصالح الجوهرية التي تؤخذ في الحسبان. ومصر لديها كثير من الأسباب للمضي في هذا الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق