‏إظهار الرسائل ذات التسميات لويز جليك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لويز جليك. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 أكتوبر 2020

لويز جليك: إنما يكتب المرء ليغامر

 

لويز جليك لنيويورك تايمز عقب سويعات من فوزها لنوبل:

إنما يكتب المرء ليغامر

حوار: ألكسندرا أولتر

 


في مستهل حوارنا، قالت الشاعرة لويز جليك "أنا شخص اجتماعي للغاية. ومسألة عدم ميلي إلى إجراء الحوارات لا تعني أنني انعزالية".

وجدت جليك نفسها في وضع غير مريح. إذ فازت في صباح الخميس الماضي بجائزة نوبل في الأدب. واصطف الصحفيون في الشارع أمام بيتها في كمبريدج بولاية مساتشوستس. لم يتوقف هاتفها عن الرنين منذ السابعة صباحا، في غارة من الاهتمام وصفتها بـ"الكابوسية".

غير أن جليك يجب أن تكون الآن قد ألفت التكريم. فعبر مسيرتها التي دامت لأكثر من خمسة عقود، نشرت دزينة من الكتب الشعرية وحصلت تقريبا على كل جائزة أدبية مرموقة: الجائزة الوطنية للكتاب، وجائزة بولتزر، والجائزة الوطنية لحلقة نقاد الكتاب، والوسام الوطني للعلوم الإنسانية، وغير ذلك.

تحظى جليك باحترام نقاد الأدب وأندادها من الشعراء، لما لها من شعر كثيف ومباشر واعترافي.

قال صديقها ومحرِّرها القديم جوناثان جالاسي رئيس دار فارر شتراوس آند جيرو إن "شعرها أشبه بحوار داخلي. لعلها تتحدث إلى نفسها، لعلها تتحدث إلينا. ثمة نوع من المفارقة في الأمر. لكن ثمة أمرا دائم الحضور في شعرها هو ذلك الصوت الداخلي. وهي دائما تعلي من قيمة التجربة على أي مثال لا يمكن الوصول إليه".

كانت الأشهر الأخيرة عصيبة على جليك، المطلَّقة المقيمة وحدها، والتي دأبت على تناول الطعام بالخارج ست مرات في الأسبوع بصحبة أصدقائها حتى حلَّ الوباء. وعلى مدار أشهر الربيع كانت تكافح لكي تكتب. إلى أن بدأت في أواخر الصيف الماضي في كتابة القصائد من جديد، فانتهت من مجموعة بعنوان "وصفات شتائية من المجموع" وستصدر السنة القادمة عن ناشرها فارر شتراوس آند جيرو.

قالت إن "الرجاء الوحيد لمن يحتمل عيش هذه الفترة هو أن يجد فنًّا في الجهة الأخرى".

تحدَّثت جليك إلى نيويورك تايمز بعد سويعات من إعلان خبر جائزة نوبل. وفي ما يلي مقتطفات من الحوار.

ـ كيف سمعت الخبر للمرة الأولى؟

ـ تلقيت صباح اليوم مكالمة في قرابة السابعة إلا الربع. كنت قد استيقظت للتو. قال لي رجل قدَّم نفسه باعتباره سكرترير الأكاديمية السويدية "إنني أتصل لأخبرك بفوزك بجائزة نوبل". لا أتذكر ما الذي قلته، لكنه شيء ينم عن التشكك.

أعتقد أنني لم أكن مستعدة.

ـ وكيف كان شعورك عندما استوعبت أن الأمر حقيقي؟

ـ الذهول التام من اختيارهم شاعرة غنائية أمريكية بيضاء. هذا غير منطقي. الشارع الذي أقيم فيه متخم الآن بالصحفيين. لا يكف الناس عن وصفي بالتواضع. ولست متواضعة. لكنني فكرت أنني من بلد لا يحظى الآن بإعجاب كبير، وأنني بيضاء، وأن لدينا كل الغنائم. فبدا مستبعدا تماما أن أضطر إلى التعامل في حياتي مع حدث كهذا.

ـ كيف كانت حياتك على مدار أشهر العزلة المتوترة الماضية خلال الوباء؟ هل كنت قادرة على الكتابة؟

ـ أنا على أي حال شديدة الاضطراب في الكتابة، ليس لي نظام ثابت. كنت أعمل منذ أربع سنوات على كتاب يعذبني. ثم حدث في أواخر يوليو وأغسطس أن كتبت على غير توقع بعض القصائد الجديدة، وأدركت فجأة كيف يمكنني أن أصوغ هذه المخطوطة وأنتهي منها. كانت معجزة. نال كوفيد من مشاعر البهجة والارتياح العادية إذ كان عليَّ أن أحارب فزعي اليومي والتضييق اللازم على حياتي اليومية.

ـ عن أي شيء تدور مجموعتك الجديدة؟

ـ الانهيار. في الكتاب كثير من الحزن. وفيه أيضا كثير من الكوميديا، والقصائد شديدة السريالية.

إنني أكتب عن الموت منذ تعلمت الكتابة. وأنا في العاشرة من العمر حرفيا، كنت أكتب عن الموت. وكنت مع ذلك بنتا مقبلة على الحياة. التقدم في العمر مسألة أكثر تعقيدا. لا تقتصر ببساطة على اقتراب المرء من موته، ولكن القدرات التي كان المرء يعتمد عليها ـ من قبيل الجمال والقوة الجسديين والذكاء والملكات العقلية ـ تبدأ في التناقص والتعرض للتهديد. كان مثيرا جدا أن أفكر في ذلك وأكتب عنه.

ـ كثير من أعمالك يعتمد على الميثولوجيا الكلاسيكية وينسج بين الأشعار الأسطورية والأشعار المعاصرة الحميمية التي تتناول الروابط والعلاقات العائلية. ما الذي يجذبك إلى تلك الشخصيات الأسطورية، وكيف تعزز تلك القصص ما تحاولين استكشافه وتوصيله من خلال شعرك؟

ـ كل من يمارس الكتابة يستمد غذائه ووقوده من أقدم الذكريات، ومن الأشياء التي غيرته ولمسته وأثارته في الطفولة. وقد أطلعني أبواي، وهما شخصان ينزعان إلى الخيال، على الأساطير اليونانية، ولما تمكنت من القراءة بمفردي، واصلت قراءتها. كانت شخصيات الآلهة والأبطال أكثر حيوية لدي من بقية أطفال حيِّنا الصغار في لونج أيلند. فليس الأمر أنني كنت أعتمد على شيء حصَّلته على كبر في الحياة ليضفي على شعري رونق الثقافة. تلك كانت بالنسبة إليّ حكايات ما قبل النوم. وكان لقصص معينة وقعها عليّ، وبخاصة برسيفوني التي أكتب عنها بين الحين والآخر منذ أكثر من خمسين سنة. وأعتقد أني كنت واقعة إلى حد كبير في صراع مع أمِّي، شأن كثير من الفتيات الطموحات. أعتقد أن من الأساطير أسطورة معينة منحت تلك الصراعات جانبا جديدا. لا أقول إنها كانت نافعة في حياتي اليومية. فبوسعي حينما أكتب أن أشكو ديميتر، بدلا من أن أشكو أمِّي.

ـ قارن البعض شعرك بشعر سلفيا بلاث ووصف شعرك بالاعترافي والحميمي. إلى أي مدى تعتمدين على تجربتك الشخصية في شعرك، وإلى أي مدى تستكشفين ثيمات إنسانية مطلقة؟

ـ يعتمد المرء دائما على تجربته لأنها خامة حياته، ابتداء بالطفولة. لكنني أبحث عن التجربة النموذجية الأصلية، وأفترض أن صراعاتي وأفراحي ليست فريدة. هي تبدو فريدة للمرء حال المرور بها، ولكنني لا أسعى إلى أن أضع في دائرة الضوء ذاتي وحياتي المعيَّنة، وإنَّما صراعات البشر وأفراحهم، البشر الذين يولدون ثم يرغمون على الخروج. أعتقد أنَّني أكتب عن الموت لأنّني صدمت حينما علمت في طفولتي أن المرء لا يحظى بمنحة الحياة هذه إلى الأبد.

ـ لك تجارب في قوالب شعرية مختلفة على مدار مسيرتك، وإن بقي صوتك مميَّزا. هل كان ذلك سعيا واعيا مقصودا، سعيك إلى أن تدفعي بنفسك نحو التجريب في قوالب مختلفة؟

ـ نعم، طوال الوقت. إنما يكتب المرء ليغامر. أريد أن تأخذني الكتابة إلى حيث لا أعرف شيئا. أريد أن أكون غريبة في مكان غريب. من الأمور القليلة الجيدة التي يمكن قولها عن الشيخوخة أنها تجربة جديدة. مؤكد أن الضعف بعد القوة ليس أبهج ما يتطلع إليه المرء، لكن ثمة أمورا جديدة في هذا الوضع. وهذا بالنسبة إلى الشاعر أو الكاتب أمر لا تقدَّر قيمته. أعتقد أن المرء يجب أن يندهش دائما، وأن يكون بطريقة ما مبتدئا من جديد، وإلا أصابه الضجر إلى حد البكاء. ولقد مرَّت عليَّ أوقات فكرت فيها أنني كتبت هذه القصيدة من قبل. هي قصيدة لطيفة للغاية، لكنني كتبتها من قبل.

ـ كيف تشعرين أن الشيخوخة قادتك إلى استكشاف أرض جديدة كشاعرة؟

ـ يجد المرء نفسه وقد فقد اسما هنا أو هناك، وأن فجوات قد بدأت تظهر في جملته، فعليه إمَّا أن يعيد بناء الجملة أو ينبذها تماما. لكن المغزى هو أن المرء يرى هذا ـ وهو ما لم يسبق أن حدث من قبل. ومع أن هذا مقبض ومحزن ونذير شؤم، لكنه من وجهة نظر الفنان أمر جديد ومثير.

ـ كثيرا ما يوصف أسلوبك بالموجز والمتجرِّد من الزوائد. هل هذا هو الصوت الذي تجدينه بصورة طبيعية وأنت تكتبين، أم هو شيء نجحت في تطويره وصقله؟

ـ متجرد من الزوائد أحيانا، نعم. وفي بعض الأحيان أثرثر. لا يمكن للمرء أن يستحدث صوتا. الجملة تجد سبيلا لأن تقال. قد يبدو هذا غامضا. الصوت أمر تصعب مناقشته. أعتقد أنني مفتونة بالتركيب، وأنني استشعرت دائما ما فيه من قوة، والقصائد التي تركت في نفسي أعمق الأثر لم تكن القصائد الثرية لغويا. بل قصائد شعراء من أمثال بليك وميلتن من أصحاب التركيب المدهش القادرين من خلاله على إحداث التركيز.

ـ تقومين بالتدريس في جامعى ييل وسبق أن تكلمت عن مساعدة التدريس لك في ما تواجهين من مصاعب في الكتابة. كيف شكَّلك التدريس ككاتبة؟

ـ التدريس يغمرني دائما في الجديد وغير المتوقع. يجعلني أعيد ترتيب أفكاري بحيث يتسنى لي أن أستخرج من طلبتي ما يثيرهم. يدهشني طلبتي، يذهلونني. فبرغم أنني لا أستطيع أن أكتب طوال الوقت، فإنني أستطيع أن أقرأ دائما كتابات الآخرين.

ـ شكرا جزيلا لك على وقتك. هل ثمة أي شيء آخر تودين إضافته؟

ـ لو راعيت أنني بدأت وأنا لا أريد أن أقول شيئا، ثم تكلمت حتى أفرغت لك رأسي، فلا أظنني أريد أن أضيف أي شيء. أغلب ما أريد أن أقوله، ممَّا له شأن حقا، يأتي في القصائد، وما عدا القصائد تسلية.

 

 

نشر الحوار في نيويورك تايمز، ونشرت ترجمته في جريدة عمان

الجمعة، 9 أكتوبر 2020

لويز جليك: هذا ما أردت دائما أن أفعله

 

لويز جليك: هذا ما أردت دائما أن أفعله

 

 


بحجر واحد، لكنها أحسنت تسديده، اصطادت الأكاديمية السويدية طيورا عديدة طالما كانت في متناول يدها لكنها ظلت في عناد سنة بعد سنة تفلتها. كأنما كان لا بد من فضائح وأقاويل واتهامات ولغط يحيط بأرفع جائزة أدبية عرفتها الإنسانية، لكي تسترد الأكاديمية رشدها، وترجع إلى ما ينبغي أن تكون عليه، جائزة رصينة، تكرِّم قدرة الإنسان على أن يجعل اللغة فنا جديرا بالتأمل قادرا على إثارة الإعجاب، والارتقاء بالإنسان.

باختيارها الشاعرة الأمريكية لويز جليك للفوز بنوبل في الأدب للعام الحالي، تفلت الأكاديمية السويدية من اتهامها بأنها توشك أن تصبح جائزة أوربية، واتهامها بأنها تعادي الولايات المتحدة فتتعمد تجاهل أبرز روائييها وشعرائها إلى أن يغيبهم الموت. وبمنحها الجائزة الرفيعة لجليك، تحسِّن الأكاديمية السويدية قليلا من نسبة النساء غير المقبولة في قائمة الفائزين بنوبل، ونسبة الشعراء غير المقبولة أيضا، وتصحِّح الأكاديمية السويدية خطأها الكبير في حق الشعر الأمريكي خاصة، بإهمالها كثيرا من شعرائه الذين استحقوا ويستحقون هذا التكريم الدولي الكبير، مثلما تصحح خطأها الاكبر في حق الشعر الأمريكي بخاصة والإنساني بعامة بمنحها الجائزة ذات عام لبوب ديلان. وفي مثل أهمية ذلك كله أن الجائزة باختيارها لويز جليك، ترجع مرة أخرى جائزة للأدب.

***

منذ بدأت الشاعرة الأمريكية لويز جليك (1943 - ) مسيرتها الشعرية وهي مجتنبة للأضواء، عازفة عن مغريات الآلة الإعلامية صاحبة اليد الطولى فى صنع النجوم فى شتى مناحى الحياة الأمريكية، عاكفة على الكتابة (فلها العديد من المجموعات الشعرية فضلا عن كتاب فى نقد الشعر) والتدريس (حيث مارست تدريس الإنجليزية فى كلية ويليامز منذ 1983) حتى أنها أعربت عن فرحها ـ كما قالت لواشنطن بوست عشية تتويجها مستشارا شعريا لمكتبة الكونجرس الأمريكية وأميرة للشعراء الأمريكيين قبل بضع سنوات ـ حين عرفت "أن كثيرا من الأشياء التى يقوم بها الشاعر المتوج هى أشياء اختيارية".

ليس التكريم بالأمر الجديد على جليك، فقد سبق لها الفوز بالجائزة الوطنية لحلقة نقاد الكتاب عام 1985، وبجائزة بوليتزر ـ أرفع الجوائز الأدبية فى أمريكا ـ عام 1993 وبجائزة بِن/مارتا ألبراند للأعمال غير القصصية عن كتابها النقدى "براهين ونظريات: مقالات حول الشعر" عام 1994، فضلا عن اختيارها مستشارا لأكاديمية الشعراء الأمريكيين عام 1994.

فى معرض تعليقه على اختيار جليك مستشارة شعرية لمكتبة الكونجرس، امتدح الشاعر الأمريكى الكبير بيلى كولينز ـ الذى سبق جليك مباشرة في ذلك المنصب ـ اختيار المكتبة لأمرأة، مشيرا إلى أن لبريطانيا العظمى منصبا مماثلا لم تحصل عليه امرأة على مدار ثلاثمائة عام. وقال إن "ما ينقص الشعراء هو أن يجتنبوا كتابة الشعر بألف ولام التعريف. وحين نقرأ لصوت طازج كصوت جليك، نجد تيارا لا ينقطع من الأشياء الجديدة. إن ما يضفى الإثارة على شعرها هو ابتعاده عن  المألوف".

***

أغلب قصائد جليك التى أقدمها هنا مستوحاة من أوديسة هوميسروس، و بالتحديد من حكاية أوديسيوس، الذى ترك زوجته بينيلوب وخرج إلى حرب طروادة ثم إلى سفراته المتلاحمة تاركا إياها فى انتظاره والخطَّابُ يتداعون عليها فتراوغهم، مسوِّفة، بأن عليها أن تنسج كفنا للايريتس والد أوديسيوس، بينما تحل بالليل ما نسجت بالنهار.

وبينما هو فى سفراته، بلغ أوديسيوس ورجاله البحارة جزيرة أيايا AEAEA التى تقيم فيها الساحرة الشريرة ـ بحسب هوميروس ـ كيركى، وذهب البحارة يستكشفون الجزيرة فأشربتهم كيركى ما حولهم إلى خنازير. واستطاع أوديسيوس أن يجبر كيركى على إعادة رجاله سيرتهم الأولى، وأقام فى قصرها عاما أولدها فيه ابنا يدعى تيليجونوس.

وبينما أوديسيوس فى طريقه إلى بيته بجزيرة إيثاكا، كان عليه أن يمر ببقعة من البحر تقطنها السيرينيس وهن حوريات جميلات الصوت كن يجذبن البحارة بغناء عذب  ثم يسقنهم إلى حتفهم. سمع أوديسيوس عن قوتهن هذه، فسد بالشمع آذان بحارته وأمرهم بتوثيقه فنال بهذا لذة الاستماع إليهن بينما غفل بحارته عن الغناء المغوى وعن أوامره لهم بفك وثاقه. فكان ذلك أول إخفاق للسيرنيس مما جعلهن ينتحرن ويتحولن صخورا.

لا تستسلم جليك ـ كما سترون فى قصائدها ـ للسطوة التاريخية لهذه الحكايات، بل تتعامل معها تعامل الفنان مع أى تجربة حياتية، فتعيد تأويلها، وتنتصر لمن أظهرهن هوميروس شخصيات أحادية البعد. فكيركى عند جليك ليست مجرد ساحرة شريرة بل محبة كبيرة، تعتمل فى نفسها قوتا الحب والشر معا. وهى عندها عاجزة عن الاحتفاظ بأوديسيوس لأن روحها لا تحتمل مواجهة القيود وإن أحاطت بغيرها. وهكذا الحال مع سيرين التى لا تظهر إلا مجرد واحدة من مثيلات، كلهن مجرد خيط من خيوط نسيج هوميروس البديع. فإذا بجليك تختار إحداهن لتنظر إليها، ثم إلى روحها المركبة التى لا يمكن اختزالها فى مجرد مغنية تصطاد البحارة، بل  وهى لا تشير إلى ذلك أصلا، فسيرين ـ كما تقدمها جليك ـ امرأة عادية تعمل نادلة وترفض السفر إلى شيكاغو، معه، ولا تريد إلا العذاب لزوجته. وهى عندها امرأة تحاكم نفسها بنفسها.

ولا أحسب اشتغال جليك على حكايات لها هذا الرسوخ  يدخل فى نطاق البارودى PARODY أو المحاكاة الساخرة التى يذهب أغلب منظرى مابعد الحداثة إلى اعتبارها ملمحا أساسيا من ملامحها. إنما هو فى رأيى تأثير أيديولوجية نسوية. فلا يقتصر الأمر على تأويل جديد للحدث، وإنما هو أيضا خلخلة لمركزية الرجل ـ أوديسيوس ـ فى الحكاية الأصلية.

وسواء كان الدافع أيديولوجيا صرفا، أو فنيا صرفا، أو مزيجا من كليهما، فإن للنتاج النهائى أثراً ذا نكهة جديدة، حسبى أن ذلك غاية ما يطمح إليه من يعيد الاشتغال على نص يحميه التاريخ نفسه.

***

تقول لويز جليك في مقطع فيديو بثه ذات يوم موقع أكاديمية الشعراء الأمريكيين:

"معجزة، ومعجزة شديدة الوضوح، عليّ أن أذكّر نفسي أنه ليس جميع الناس في العالم يريدون من قلوبهم أن يكونوا شعراء. بل إن كثيرا من الناس لا يهتمون ولو من بعيد بهذا الأمر، ولكن من الواضح تماما لي أن هذا ما أردت أن أفعله".


 

حزن كيركى

 

كشفتُ فى آخر الأمر نفسى لزوجتك

وفى بيتها بإيثاكا

ولكن كما يليق بإلهة:

صوتاً فقط بلا جسد.

توقفتْ إذ ذاك عن نسجها

واستدارت ذات اليمين

فذات اليسار

ولم يكُ بالطبع مجدياً

ردُّ ذلك الصوت إلى مصدر ملموس:

لا أظنها عائدةً بعد ما عرفته

إلى نولها.

قل لها حين تراها من جديد

إنما هكذا يقول الآلهة الوداع:

واعلم أنت

أننى لو بقيتُ فى رأسها إلى الأبد

فقد بقيتُ فى حياتك أنت

إلى الأبد.


 

قوة كيركى

 

لم أحوِّل أحداً إلى خنزير.

البعض خنازير بالفعل

وكل ما أفعله أننى أجعلهم يبدون هكذا.

 

كم سئمتُ دنياك التى

يغلب المظهر فيها على الجوهر.

لم يكن رجالك أشراراً

ولكن الحياة الهمجيةَ

جعلت منهم كذلك.

 

خنازيرَ

بين يدىّ وأيدى نسائى

وتحت عينىْ رعايتى

تم تهذيبهم.

 

ثم أبطلت سحرى

لأريك ألوهتى وقواى.

 

ورأيت أنَّا قادران على الحياة هنا،

فى سعادةِ

الرجال والنساء حينما حاجاتهم بسيطة.

 

وهى نفس اللحظة التى استشرفتُ فيها رحيلك،

ورأيت بعين البصيرة كيف بعونى

يقوى رجالك على البحر

العاصف المتلاطم.

 

أتحسب بضع دمعاتٍ

يؤثرن فىّ؟

كل ساحرة ـ يا صديقى ـ لا ترى غير ذاتها

وأنا فى الحقيقة عاجزة عن مواجهة القيود

ولكن أحداً لا يرى ذلك.

ولو كنت شئت أن أبقى عليك

 

لكان علىّ أن أبقى عليك سجينا.


 

عذاب كيركى

 

كم أنا نادمةٌ

على السنوات التى أضعتها فى هواك

سواء وأنت حاضر أم غائبٌ

وكم أنا نادمةٌ

أن أطعتُ القوانين والواجب

وكلَّ ما جعلنى أتركك

وأترك نفسى لصفحة البحر الزجاجية

وجمالِ السفن الإغريقية وقد لوحتها الشمس.

من أين كانت ستواتينى القوة

وأنا لم تواتنى الرغبة فى تحويلك؟

وبما أنك أحببت جسدى

وبما أنك وجدت فيه شعوراً

جعلناه معا يسمو على العطايا جميعاً

فى تلك اللحظة اليتيمة التى

كانت أسمى من الشرف والأمل

والوفاء

وباسم تلك الوشيجة

أمنع عنك امتلاك شعور كهذا

تجاه زوجتك

وأمنع عينيك أن تريا النوم

لو أننى عاجزة أن أجعلك لى.


 

سيرين

 

وقعت فى الجريمة حين وقعت فى الحب

وقد كنت من قبل نادلة.

 

لم أرد أن أذهب معك إلى شيكاغو.

أردت أن أتزوجك وأردت

لزوجتك أن تعانى.

 

أردت حياتها مسرحيةً

كل أجزائها أجزاء حزينة.

 

هل لشخصٍ سويٍّ

أن يفكر هكذا؟ إنني أستحق

 

الثناء على شجاعتي ..

 

جلست في شرفة بيتك الأمامية في الظلام

وقد بدا لي كل شىء واضحاً:

 

لو لم  تتركك زوجتك تذهب

فذلك برهان أنها لا تحبك.

أما كانت لتريد لك السعادة

لو كانت تحبك؟

 

لو كان شعوري أقل رهافة

أظنني كنت أصبحت شخصاً أفضل.

كنت نادلة جيدة

بوسعها حمل ثمانية كئوس.

 

وكنت أحكي لك أحلامي.

رأيت الليلة الماضية امرأة في حافلة معتمة..

هي في الحلم تبكي

بينما الحافلة ماضية في طريقها.

بإحدى يديها تنسج، و بالأخرى

تتحسس علبة بيضٍ مليئة بالأجنَّة.

 

حلمٌ لم ينقذ العذراء.


 

الحديقة

 

تحبك الحديقةُ.

ولأجل عينيك

تصبغ نفسها بالصبغة الخضراء

والورودَ بدرجات الأحمر الشهواني،

لتأتيها مصطحبا حبيباتك.

 

وشجر الصفصاف،

انظر كيف أقام لأجلك خيام الصمت الخضراء

ولكن شيئا لا يزال ينقصك

جسمك شديد الليونة، مفعم بالحياة، وسط الحيوانات الحجرية.

 

اعترف أنه من المروع أن تكون مثلهم،

آمنا من الأذى.


 

فرس

 

ما الذى تعطيكه الفرس

وأعجز عن إعطائه لك؟

 

أشاهدك وأنت وحدك،

وأنت ممتطٍ الفرس في الحقل خلف معمل الجبن،

ويداك مدسوستان في معرفتها الداكنة.

 

وأعرف ما الذي خلف صمتك:

قرفٌ، وكره لي وللزواج.

ولا تزال تريدني أن ألمسك

وتبكي بكاء العرائس

لكنني حين أرنو إليك

لا أرى الأطفال فى جسمك.

والآن ما الأمر؟

 

لا شيء. ليس سوى لهفةٍ

على أن تموت قبل أن أموت.

 

رأيتك في الحلم

ممتطيا الفرس في حقول جافة

ثم وأنت تترجل:

تمشيان معاً

في الظلام، ولا ظل لكما

غير أني شعرت بظليكما آتيين إليّ

وقد صار بوسعهما في الليل أن يذهبا حيث يشاءان

ما داما يكونان بالليل سيدي نفسيهما

انظر إليّ. أتحسبني لا أفهم؟

ماذا يكون الحيوان

لو لم يكن دربا يخرج بالمرء

من هذه الحياة؟


 

قصيدة

 

بينما يبدأ الليل

مثلما يبدأ الآن

هاهو رجلٌ مائلةٌ رأسه

على المكتب

هاهو يرفعها قليلا قليلا

بينما تظهر امرأةٌ بين يديها ورودٌ

ويطفو على صفحة المرآة وجهُها

وقد نال منه اخضرار سيقان تلك الورود.

 

يا لها من حالة معاناة:

لمَّا تعالت كدأبها إلى الشباك

تلك الصفحةُ الشفافةُ

حتى بدت شرايينها

لحظةَ ملأ الكلام حبرٌ أسود.

 

وعليَّ أنا أن أفهم

ما الذي يربطهما

بهذا البيت الرمادي

الواقف منتصبًا في الغسق.

 

لأن عليَّ اختراق حياتيهما:

بينما نحن في الربيع

وشجرةُ الكمثَّرى ملآنةٌ

ببراعم بيضاء واهية.

 


 

قصاصة ورق

اليوم ذهبت إلى الطبيبة،

الطبيبة قالت إنني أحتضر

ليس بهذه الصيغة، ولكن حينما قلتها أنا

لم تنفها هي

 

سكوتها يقول ما هذا الذي جنيته على جسمك

نحن منحناك إياه، وانتظرنا

نرى ماذا ستفعل فيه، وكيف ستؤذيه

تقول أنا لا أقصد السجائر وحدها

ولكن نظامك السيء في الأكل والشرب.

 

هي شابة، جسمها مختف في المعطف الأبيض.

شعرها مصفف إلى الخلف، في تلك الجدائل الأنثوية

تكبحها شريطة داكنة.

 

ليست مرتاحة هنا، خلف مكتبها

ومن فوق رأسها شهادتها

تقرأ أعمدة من الأرقام المصفوفة

كي تشد انتباهها.

ظهرها أيضا منتصب، خال من أي شعور.

 

لم يعلمني أحد كيف أعتني بجسمي.

يحدث أن تكبر وأنت تشاهد أمك وجدتك.

وما أن تخلص منهما، حتى تتولاك زوجتك، لكنها عصبية،

لا تغالي كثيرا. وهكذا فإن جسمي هذا

الذي تلومني عليه الطبيبة ـ كان دائما في عهدة النساء

وأقول لكم، لقد تغاضين عن كثير.

 

تنظر الطبيبة لي..

بيننا كومة من الكتب والملفات.

وباستثنائنا، العيادة خاوية.

 

يوجد هنا باب سحري، وخلف ذلك الباب،

يوجد بلد الموتى. والأحياء يدفعونك عبره

يريدون أن تذهب أنت أولا، قبلهم.

 

والطبيبة تعرف هذا. عندها كتبها،

وعندي سجائري. وأخيرا

تكتب شيئا على قصاصة من ورق.

تقول هذا سيحسِّن ضغط دمك.

 

وأضعها في جيبي، علامة على الذهاب.

وما أن أخرج، أمزقها، كأنها تذكرة إلى العالم الآخر.

 

كان جنونا منها أن تأتي إلى هنا

في مكان لا تعرف فيه أحدا.

هي وحيدة، لا ترتدي خاتم زواج.

تعود وحدها إلى البيت خارج القرية.

عندها زجاجة من النبيذ كل يوم،

وعشاؤها ليس عشاء.

 

وتخلع معطفعها الأبيض،

بين المعطف وجسمها

طبقة خفيفة من القطن لا أكثر.

وعند لحظة معينة، تخلعها هي الأخرى.

 

تولد، فيعقد جسمك معاهدة مع الموت،

ومنذ تلك اللحظة، كل ما يحاوله هو الخداع

 

تذهب وحيدا إلى فراشك. فقد تنام، وقد تبقى يقظان.

ولكنك لوقت طويل تظل تسمع كل صوت.

إن هي إلا ليلة كأي ليلة صيف،

حيث العتمة لا تحل.

 

نشر ما سبق في جريدة عمان