الاثنين، 29 سبتمبر 2014

رسائل ليزيلي وجيم


رسائل ليزيلي وجيم





ليزلي مورمون سيلكي شاعرة وروائية أمريكية ترجع أصولها إلى سكان أمريكا الأصليين، وجيمس رايت شاعر من أهم الشعراء الأمريكيين في النصف الثاني من القرن العشرين. ولد في عام 1927، وولدت هي في عام 1948. لم يلتق الاثنان إلا مرتين، أولاهما كانت لقاء عابرا في واحد من المؤتمرات الشعرية في ميشيجن. وبعد ذلك اللقاء، بدأ الاثنان يتبادلان الرسائل على مدار سنوات طويلة. اللقاء الثاني كان في غرفة في مستشفى، حيث كان جيمس رايت يرقد محتضرا. مراسلات على مدار سنين، يحكي فيها الأديبان الكبيران عن الشعر والرواية، والديكة والبغال، وعن الطلاق والزواج، وربما في هذه الرسائل أيضا ما هو أكثر من ذلك، أو أعمق، أو أبعث على الشجن. هذه هي الحلقة الأولى: 

***

مسكواميكت
رودأيلند
28 أغسطس 1978
عزيزتي السيدة سيلكو
 أثق أنك لن تمانعي أن يتصل بك غريب. وإن لم أكن غريبا تماما. فمنذ ثلاثة أصياف سمعتك تقرئين قصصا وقصائد في ذلك المؤتمر الشعري الوطني في ميشيجن. أدركت في ذلك الوقت، مثلما أدرك كل من كان حاضرا، أن قراءتك جعلتنا جميعا في حضرة شيء مميز فعلا. ومنذ ذلك الحين، قرأت بعض أعمالك في أنطولوجيات، وكلَّ مرة كنت أجد في نفسي الإحساس نفسه.
والآن أتيحت لي الفرصة أخيرا وقرأت "الطقس"، لأجد نفسي مدفوعا إلى أن أخبرك ما الذي يعنيه لي هذا الكتاب. الغريب أنه ليس كافيا في ما يبدو لي أن أقول إنه كتاب عظيم، ولو أنه قطعا عظيم، أو إنه كتاب كامل، ولو أنه بالقطع بلغ الكمال. يمكنني أن أعتبر "الطقس" واحدا من أفضل أربعة كتب أو خمسة قرأتها في حياتي عن أمريكا ولا أكون جانبت الصدق. لكن حتى هذا لا يقول فعلا ما أعنيه.
أظن أن ما أريد قوله هو أن حياتي  نفسها باتت تعني لي أكثر مما كانت لتعنيه لو لم تكتبي "الطقس". ولكن ذلك أيضا يبدو غير كاف.
كان حدثا عظيما أن التقيت بك، وإن يكن لقاء عابرا، في ميشيجن، وأنا سعيد أشد السعادة أنك حية وأنك تؤلفين الكتب.
المخلص
جيمس رايت
***
توسكان، أريزونا
9 سبتمبر 1978
عزيزي السيد رايت
وصلتني رسالتك وأنا في أمسِّ الاحتياج إليها. أشياء مؤسفة كثيرة جدا وقعت لي في زواجي وفي أبنائي، وحسن أن أعرف أن كتابتي تعني شيئا.
أتذكرك جيدا من ميشيجن، فقد كنت مريضا وذكَّرتني بجدي رغم أنني أعرف أنك أصغر كثيرا من ذلك، ولكنه جدي بمعنى أنني كبرت معه. أتذكر القصائد التي قرأتها، قلت إنها جديدة، ولا أزال أتذكر صوتك. لست متأكدة أنني يمكن أن أعرفك من صورتك. تلك "القصائد الجديدة" هي التي حركتني،  فيها دأب، ولا أثر فيها للرتوش "الأسلوبية" (وأنا أشعر بغربة حقيقية عن أسلوب الشعر السائد). أستطيع أن أفهم مباشرتك واختزالك مثلما أفهم طريقة العجائز عندنا في الكلام. أنا لا أعرف عالم الشعر الذي يعرفه أغلب الكتاب الأمريكيين من سني. أعرف تاريخيات شكسبير ولا أعرف غير القليل من [والت] ويتمن أو حتى [روبرت] لويل. ولكنني حينما استمعت إليك فكرت أن الخلفية الأكاديمية لها أثرها، ثم عرفت أخيرا أن المسألة قلب وروح.
لا أعرف إن كان كلامي هذا يفي بما تعنيه رسالتك لي. ربما لا. ولكنني أريدك أن تعلم أنك بكتابتك إياها أحدثت بالنسبة لي فارقا عظيما، أود أن أشكرك عليه.
المخلصة
ليزلي سيلكو
***
نيوارك، ديلاوير
25 سبتمبر 1978
عزيزتي السيدة سيلكو
أكتنز لنفسي جمال رسالتك، وأغامر فأرجو أن تكتبي لي من جديد، ولو كلمات قليلة. ثمة أهمية كبيرة في أن نتواصل، ولو لفترة عابرة.
كتبت حالا إلى محرري في دار فارر، شتراوس، آند جيرو بنيويورك أطلب منه أن يرسل إليك كتابي الجديد. عنوانه "إلى شجرة كمثرى مزهرة". كنت لأرسله لك مباشرة من هنا، ولكن ليست لديّ إلا نسخة واحدة، واهترأت تقريبا. في هذا الكتاب "القصائد الجديدة" التي كنت تتكلمين عنها، وأشياء أخرى.
هل لي أن أسأل إن كنت نشرت كتبا شعرية؟ القصائد التي ترد في نصوصك شديدة الجمال حتى لو قرئت منفردة، كما أنني قرأت غيرها. في رأيي أنه من المدهش أن أرى براعتك في الرواية مجتمعة مع قوة ما في هذه الرواية من شعر.
أريك أن أقدّم لك اقتراحا، لو سمحت لي. هل سبق لك أن تقدمت لمنحة ججنهم؟ وارد طبعا ـ وأرجو ألا تأخذي كلامي بوصفه معلومة مؤكدة ـ أن يكون الوقت قد تأخر على التقديم للعام الحالي، ولكن، مع ذلك، لا ضرر أن تطلبي الاستمارات على أية حال، للعام القادم.
أريد أن أعترف لك بشيء، شيء يحزنني للغاية: قبل بضعة أسابيع تلقيت رسالة من د. راي يطلب مني فيها أن أرشح شخصا ما لمنحة ججنهم فيرسل إليه الاستمارات. ومن حماقتي وعماي أنني لم أفكر في أن أرسل لهم اسمك. ولكن، إذا حاولت السنة القادمة، فسوف يشرفني أن تكتبي اسمي لأكتب لك رسالة توصية. أخشى أنني الآن أبدو متباهيا إذ أقترح عليك هذا الاقتراح. ولكنني أتبع حدسي.
سأضع هذه الرسالة في البريد الآن. وسوف يكون من دواعي سروري أن أعرف دائما بأخبارك.
باسم الصداقة
جيمس رايت
***
توسكان، أريزونا
3 أكتوبر 1978
عزيزي السيد رايت
عزيزي جيم
انتهيت للتو من إطعام الديك موزة مسودَّة عثرت عليها في الثلاجة. كان مؤخرا قد بدأ يفقد ريش رقبته الأصفر وأخشى أن يكون ذلك لأنه لا يأكل كفايته. ولكنني أفترض أن يكون السبب أيضا هو طبعه الشرس، فهو ذلك الديك بالذات، من بين كل حكايات الديكة التي حكتها لي جدتي، هو الديك الذي كان يبقى بداخل الحظيرة في الصباحات الشتائية والدنيا لا تزال معتمة وتذهب جدتي وهي بعد عروس جديدة لتحلب بقرة حماها. كان الديك ينتظر إلى أن تحسب أنها هربت منه ثم يهاجمها. وحدث ذات صباح أن هجم عليها يريد أن يخمشها بمخالبه، فإذا بها في رد فعل انعكاسي تضربه بالدلو الذي في يدها. فانهار ولم يتحرك، ومضى تحلب وهي تفكر طول الوقت في ما سوف تقوله لحماها، والد جدي،عن ديكه الذي قتلته. وحينما رجعت بالحليب إلى البيت كان هو جالسا يشرب قهوته . (كان رجلا عجوزا في ذلك الوقت، كان الرجل الأبيض الذي قدم من أوهايو ليتزوج أم جدي، وهي فتاة من قرية باجويت إلى الشمال من لاجونا). قالت له إنها لم تتعمد أن تقتل الديك، لكن الدلو ارتطم به بشدة. يحكون عن جدي هذا أنه كان شخصا رقيقا. وحكت لي جدتي أنه طلب منها في ذلك الصباح أن لا تقلق، فهو يعرف منذ فترة أن في ذلك الديك شراسة. وذهبا معا إلى الحظيرة لكي يتخلصا من جثة الديك فإذا بهما يريانه في المذود. قالت جدتي إنه كان أشرس من أن يموت. ولكنه بعد ذلك صار يتركها لحالها كلما ذهبت لتحلب.
وهناك جميع أنواع حكايات الديكة التي تعرضت لها. أنا سعيدة أن لديّ هذا الديك لأنني لم أصدق مطلقا أن الديكة دائما مثلما نراها في حكايات الديكة. في هذه الأيام الحارة في توسكان، ينبش مقيما لنفسه عشا صغيرا في التراب الرطب أسفل شجرة الليمون المكسيكية جنب الباب الأمامي. لا يقبل من القطط الصغيرة والقطة السوداء إلا الاحترام، هذه مسألة لا جدال فيها، بل الإذعان، بل الالتفاف أو التحرك في نصف دائرة حوله وصولا إلى طبق الماء الموجود أيضا في ظل شجرة الليمون. فإن لم تفعل القطط ذلك فإنه يثب ويظل يطبع بمخالبه على الأرض إلى أن يرى منها الخضوع، فما إن يحدث ذلك، حتى يرجع إلى عشه الطيني.
أحالنا جميعا إلى بلهاء، نخفف الخطو من حوله، ونخاف أن ندير له ظهورنا، كلنا باستثناء الكلبة السوداء العجوز التي لا تسمح لكائن، حتى الديك، أن يكون بينها وبين طبق طعامها. ويتظاهر الديك أنه لا ينتبه إلى عدم خوفها، ويتظاهر أنه انتهى من الطعام عندما تقترب.
كان لزاما على صاحبة متجر العلف أن تتخلى عنه. كان ديكها المدلل، وكان يسمح لها أن تحمله وتربت على ريشه. ولكن الرجال الذين كانوا يذهبون لشراء العلف كانوا يغيظونه فبدأ يهاجم جميع زبائن المحل. وخشيت المرأة أن يؤذي طفلا. فأخذته أنا وقلت لها إنني لا أعرف كم سيطول بقاؤه في المزرعة لأن الذئاب الصغيرة منتشرة في كل موضع من جبال توسكان. لم أتوقع له أن يبقى حيا ولو لأسبوع. لكن ذلك كان في يونيو، ونحن الآن في أكتوبر. ربما شراسة طبعه هي التي تبعد عنه الذئاب، وربما هي أيضا السبب في تساقط الريش عن رقبته.
لا أعرف قط ما الذي قد يحدث حينما أشرع في كتابة رسالة. هناك ناس معينون يثيرون بي أشياء معينة. لم أكن أعتزم الانطلاق في قصص الديكة حينما كنت أريد بالفعل أن أقول لك كم فرحت أن تلقيت رسالة أخرى منك. وأنا مشتاقة فعلا إلى كتابك الجديد. أنا كالجائعة إلى الاتصال بالشعر من جديد. أظن أن الاضطراب العاطفي هو السبب المرجح لابتعادي عن الكتب، عن القراءة. صرت أرى الشعر عبثا، وصارت قصائد قليلة للغاية هي القادرة على القول. لكنني أظنني أنني أنا التي كانت غير قادرة على الاستماع. غير أنه من المفيد أن أنظر في الموضع الصحيح. أنا لم أكن أبحث عن الكتب، كنت فقط أقرأ الشعر الذي يقع في طريقي، في كتاب من هنا، أو مجلة من هناك. عليّ أن أحترس من نزوعي إلى الشعور بأنني غريبة لا تنتمي إلى المشهد الأدبي الأمريكي الراهن. لعلي كلما قلَّ اتصالي بالشعر والكتاب، قل انتباهي إلى أنني لا مكان لي. ولكنني أثق في صوتك، ثقتي في قليلين غيرك. وآن الأوان أن ألتفت إليكم يا من أثق فيكم، وأنصت وأعثر على ما تكتشفونه بينما أنا جالسة هنا واضعة أصابعي في أذنيّ.
أرفق لك الكتاب الصغير الصادر في 1974 وبعض النسخ المصوّرة من قطع تالية علي. لست بالكاتبة الرهيبة غزيرة الإنتاج. أكتب فقط القليل من القصائد حينما أكون منهمكة في مشروع روائي. منذ فترة قريبة وأنا أعيد الاشتغال على سرديات قديمة من لاجونا لسيناريوهات سينمائية تجريبية، وهذا المشروع استهلك وقتي على حساب كتابات أخرى. (الحقيقة أن السيناريوهات ليست السبب بل بقية القرف ـ الطلاق والفلوس إلخ ـ ذلك ما شتتني وليس السيناريوهات، أنا أحب هذه السيناريوهات). عموما، وحتى أجهّز المجموعة لفايكنج، (مجموعة شعرية قصصية)، ليس لدي ما أشركك فيه إلا ما أرفقه هنا.
أشكرك على تشجيعك لي على التقدم لججنهم. الاستمارت عندي، أجهزها كل سنة ثم لا أجرؤ على إرسالها، ولكنني سوف أفعلها أخيرا.
شعرت بالارتياح حين عرفت بتحسن صحتك. أعرف ما يمكن أن يفعله المرض في حياة الواحد. هذا الشهر تمر سنة على إجرائي جراحة عاجلة في البطن. قبل أن يكتشفوا أن لدي نزيفا داخليا لم أكن قادرة على التركيز نهائيا. ثم تبين أن ما لدي من دم لا يكفي إلا لإبطاء مخي. وعلى أية حال، هيا بنا نكن أحسن حالا، وأكثر إصرارا.
أرجو ألا تبدو هذه الرسالة خارجة عن السياق. ربما في المرة القادمة التي أكتب لك فيها لن أنطلق في قصص أو مونولوجات عن عاداتي في القراءة. رسائلي في العادة عن مضخات مكسورة أو طواحين هواء معطلة أو حتى عن سيارتي التي لا تسير جيدا. ولكنني اليوم لم أقو على أملك كبح نفسي. أتصور أنني كنت راغبة في الكتابة عن الديكة منذ وقت بعيد. أنا في العادة لا أكتب رسائل طويلة، ولا أريدك أن تشعر أنك مضطر للرد بمثل هذه الطريقة. ولكنني أريد أن أبقى على تواصل معك.
المخلصة
ليزلي
***
نيوارك، ديلاوير
 12 أكتوبر 1978

عزيزتي ليزلي
قبل بضع سنوات ـ نسيت كم عددها ـ بعث لي صديق رسالة من شيكاغو. أقول صديق، ولو أنني في تلك الفترة لم أكن التقيت به. كانت رسالته بسيطة: "أنا وحيد ولم أعد أحتمل الوحدة. لا أقصد العزلة.  فأنا بحاجة إلى العزلة. لكن الوحدة تتلف الروح". واضح كما لو أنني أختلق هذا، ولكن أقسم لك أن ذلك ما كتبه إليّ، وكل ما كتبه أيضا. وأخشى أن ردي سوف يكون غير محتمل، و"أدبيا" أيضا. ومع ذلك فالحقيقة البسيطة هي هذه: كتبت إليه على الفور بأنني سوف أذهب للعثور عليه في شيكاغو بعد عيد الشكر (لا أعرف في أي عام كان ذلك) بل وأنني سوف أحضر معي بنتين جميلتين وموزا.
وفعلت ذلك. نسيت كيف فعلته، لكنني فعلته. قضينا عطلة أسبوعية طويلة، نتكلم ونلعب بلياردو. ثم رجعت إلى سان بول بمينيسوتا حيث كنت أعيش في ذلك الوقت.
منذ فترة أفكر في كلامه عن الوحدة والعزلة، لأنني أوشك الآن أن أعثر على الطقس المناسب لحياتي. أرجو أن تغفري لي استيلائي على كلمة "الطقس" لكنها كلمة حقيقية، وأنا بحاجة إليها. وطقسي سيشرق عما قريب. ففي الساعات الأولى أشعر أكثر ما أشعر أنني في مكاني ومع نفسي. زوجتي آني لا تصحو مبكرة جدا، فأبقى ساعتين وحدي أتأمل الأشياء. خلال الأسبوع الماضي ... بل لا بد أن أقول إنها الأيام الأربعة الماضية ... كنت أمضي تلك السويعات مع قصصك وقصائدك. المثير للفضول أنني كنت أقضي بقية اليوم وأنا أفكر فيها وأتلهف إلى الرجوع إليها في الصباح التالي. كنت أضعها معي في حقيبتي، فحتى حينما أكون في المكتب كما أنا الآن وأفكر في ما سوف أقوله لطلبتي بعد الظهر وكيف أنني سوف أحاول الإصغاء إليهم، أعود فأتصفح نساء لاجونا مرة أخرى. أمر مثير أن يكون كتاب صغير كهذا حاويا كل هذا الفضاء الهائل، كل هذا الفضاء المليء بالأصداء والأصوات.
وبالطبع رسالتك الطويلة منحتني نفس الإحساس بشيء ما منعش ولا ينفد. جعلتني فرحا، ليس فقط بسبب قصة الديك، بل بالنثر الذي في الرسالة، بوضوحه وسرعته وقوته، بمثل الروح السارية بسلاسة وقوة هائلة في "الطقس"، أعني الرواية. أتصور أن الكلمة التي أبحث عنها هي "الفيض". أنت فياضة. لا أنت فوضوية ولا مشتتة. فياضة، مثلما المواسم نفسها فياضة. أخشى أن أبدو هنا "أدبيا" أيضا، سيكون هذا مؤسيا، فما أريد قوله حقيقي للغاية بالنسبة لي. أنا سعيد بشدة، وبطريقة ما مرتاح جدا، أنك موجودة.
مررت مرة بالطلاق. ولا أذكر هذا لأحكي لك قصة حياتي، وهي مكرورة ومملة، بل لأقول إنني يمكن أن أتفهم أي أذى، بل وضياع، ذلك الذي تشعرين به. والقصائد تقول بوضوح كم هو مؤلم وعميق ما تمرين به. عموما، وكما تقولين، لا بد أن نتحلى بالإصرار وبالشجاعة. وكما كتبت بنوع من الإطلاق والقطع في "الحكاءة"، لا بد للقصة أن تحكَى، ولا بد لأحد أن يبقى فيحكيها. لا أتصور أنه من قبيل الإطراء فقط أن أقول لك إنني لا أعرف كاتبا حيا يدرك هذه الحقيقة بمثل هذا العمق، ويدرك دلالاتها، مثلك أنت. وأعرف أنني بحاجة إلى هذه الحقيقة، وإلى إيضاحك لها، ولا أحسبني الوحيد في هذا.
أشعر أنني أصبح سطحيا حينما أقول لك إنني من أوهايو، وإن لعائلتي جذورا عميقة وبعيدة جدا في أوهايو وفرجينيا الغربية.
دعيني أقل لك بعض المستجدات. أنا في ديلاوير أستاذا زائرا لفصل الخريف. وأرجو أن أسافر أنا وآني إلى باريس قبل الكريسماس، ونريد أن نقضي الإجازة في شارتر، بعدها سوف نقضي ثمانية شهور في أوربا، سنكون في أغلبها في إيطاليا الحبيبة، في أبوليا، كعب الحذاء. بمجرد أن نحدد خط سيرنا، سأرسله إليك، وأرجو أن نتمكن من الاستمرار في التواصل، حتى أثناء التجوال.
أرجو أن تكتبي وقتما تستطيعين، ولو باختصار.
حينما تشيرين في قصائدك إلى ماي فهل تقصدين، بالمصادفة، تلك الفتاة الصينية الأمريكية التي كانت في ميشيجن هي الأخرى؟ لو أن الأمر كذلك، فقد قابلتها مرة أخرى، في بيت دالواي كينيل. وهي بالفعل شخصية ظريفة، وأيضا شاعرة جيدة.
لقد رجعتِ بي إلى دفتري مرة أخرى، فقضيت صباح اليوم مع قصيدة قصيرة. أستغرق الزمان كله لأنتهي من شيء، لكنني أفعلها في بعض الأحيان وأنتهي من بعض الأشياء.
باسم الصداقة
دائما
جيم
***
توسكون، أريزونا
17 أكتوبر 1978
عزيزي جيم
أقرأ القصائد ببطء، قليلا منها كل يوم، وبعضها مرة بعد مرة. أحاول أن لا تكون لي من بينها "قصائد مفضلة" (مثلما تحاول أم أن تحب أبناءها جميعا بالقدر نفسه) ولكنني طالما آمنت بالحب من النظرة الأولى في حالة الشعر لا في حالة الناس والأماكن. هكذا أعيد قراءة القصائد المفضلة المرة تلو المرة مع استكشافي للقصائد الجديدة. أتقدم ببطء، لذلك لم أعرف بعد كل ما أحبه. وأعني بالحب أن أعانق القصائد بعيدا عن تفاصيل القالب والبناء والأسلوب وكل تلك الأشياء التي يفترض أن يفكر فيها الناس وهم يقرأون الشعر (أو وهم يكتبونه في حدود ما يعنينا). أقرأ القصائد مثلما أكتبها: بأن أستشعر طريقي إليها. ثم إنني أصادف أبياتا يمكنني أن أعيش وإياها إلى الأبد:
حتى نور شمس الظهيرة في الكولسيوم ظلٌّ
ذهبيٌّ لأسد جائع
هو أجمل مخلوقات الرب
فيما عدا الحصان"
و
"ولكنهم سوف يبقون طويلا.
وإني أفضل أن أعيش حياتي
على أن لا أعيشها.
العنبات في المتجر الصغير
هائلة وحمراء كالدخان.
أكلت الآن واحدة.
أكلت أولى بشائر الموسم
وها أنا الآن عاشق".
أحب تكرار "وفي ما أعرف". حكاءة لاجونا تستخدم التكرار هي الأخرى، وهي الأخرى ترفض ادعاء امتلاك أي معرفة يقينية بأي شيء برغم أننا جميعا نستشعر الصدق في ما تحكيه.
أدفع نفسي إلى الانتهاء من السيناريو الأول الذي أحاول فيه أن أحكى قصص لاجونا سينمائيا مستخدمة صوت الحكاءة والمواقع الفعلية التي يفترض أن هذه الحكايات جرت فيها. الغريب، أن مشروع الفيلم تجربة في الترجمة، يضع الأرض ـ بالتلال والغدران والجنادل وحقول القطن في أكتوبر ـ أمام من لا يألفون كل ذلك، لأن هذه القصص في نهاية المطاف خرجت من هنا مثلما نرى نحن أننا خرجنا من الأرض التي هناك. ترجمة قصص لاجونا تبدو بشعة على الورق. ولكن الصوت والوجه واليد والإشارات والإيماءات تحييها، ولكنك لو لم تكن تعرف الأماكن التي تستحضرها الحكاءة في حكيها، إذا كنت لم تخض في نهر سان جوزيه العابر بالقرية، وإذا كنت لم تختبئ مع حبيبتك وسط صفصاف النهر ورمله، فإنك تفقد شيئا ما مما تحكيه الحكاءة لا يفقده أهل لاجونا. حكايات لاجونا شديدة الفقر لأن الأغلبية العظمى من القصص تقوم على معرفة شائعة بين الناس، والحقيقة أن أوصاف النهر وصفصاف النهر غير واردة في القصص إذ المفروض أن المستمعين يعرفون سلفا النهر وصفصافه. لذلك أرجو بالعمل مع سينمائيين بارعين أن أنقل القصص على أخلص نحو ممكن لقلب حكاءة لاجونا. سوف يكون الفيلم بمثابة سياق، أو مكان تقيم فيه الحكايات. المسألة كلها تجربة، والفيلم وسيط شديد التعقيد باهظ التكلفة. وسيكون الحظ قد حالفنا لو نجحنا بالوصول بالورق إلى الفيلم. ولكن نصوص الحكايات جميلة، ونسختها البصرية جميلة أيضا على الورق، لذلك أشعر أنه مهما يكن النتاج، سأكون قد أنجزت شيئا جميلا. لقد كنت بحاجة إلى أن أفطم نفسي عن وصف الأرض، والسيناريو أعانني على ذلك. أعتقد أنني أتعلم أيضا، عن إمكانيات الصورة البصرية وعن حدودها. ويدهشني كمُّ الأشياء التي لا نكاد نفكر فيها نحن الكتّاب ونحن نتعامل مع الورق ـ يا إلهي كم هي مستحيلة بصريا. في المقابل، يمكن أن تترابط صور الفيلم معا فيتلقاها عقل المشاهد على نحو يغنيه عن "الجسور" و"الانتقالات" التي لا بد أن يتعامل معها الكتّأب.
عموما، أرجو أن لا يكون هذا كله مملا لك ، أعني نقاش البصري واللغوي إلخ. وأرجو أن أستمر في التعلم، وهذا من أهم مشاريعي وأكثرها طموحا.
بدأ ريش جديد يطلع للديك. والبغال تسمن ولكن حوافرها يبست من قلة المطر فهي تتشقق (هذا يجعل صوتها أسوأ مما هو في حقيقته. الحوافر تتكسر فتفقد البغال حدواتها) عندما  نسوقها بسرعة فوق الصخور. الذئاب لم تأكل القطط أيضا، ولكن قطة حاولت أن تتسلق صبارة بالأمس فقضيت فترة ما بعد الظهر أنزع الشوك من بطنها وذيلها ومخالبها.
أشكرك مرة أخرى على كتاب "إلى شجرة الكمثرى المزهرة"، يا له من كتاب!
المخلصة
ليزلي

نشرت هذه المادة الثلاثاء 30 سبتمبر 2014 في ملحق شرفات